صنعاء - ابوبكر عبدالله: يتجول محمد سيف، الموظف الحكومي، في سوق شعبي بصحبة أطفاله الخمسة حائرا بين واجهات المعارض، ففي الأسبوع الماضي بدأت عمليات تسجيل الطلاب في المدارس وثمة صعوبات اقتصادية تواجهها الأسر محدودة الدخل، خصوصاً أن أسواق السلع المستخدمة لا توفر مثل هذا النوع من الحاجيات. يعرف سيف، الذي يشغل منصب نائب مدير عام في إحدى الوزارات الحكومية كما الكثير من أرباب الأسر أن عملية تسجيل أبنائه بالمدارس ستلتهم معاشه الشهري ويتحدث عن أيام عصيبة ستعيشها أسرته في هذا الشهر: “قبل سنوات كان بالإمكان تجهيز احتياجات الأطفال بربع المبلغ الذي يفترض أن نخسره اليوم لشراء نفس الحاجيات”.
الكثير من الأسر اليمنية لم تعد تتفاعل مع هذا الحدث،وثمة مشكلة مركبة كما يصفها محمد الأديمي (موجه تربوي) تتمثل في أن الأسرة لم يعد بإمكانها إلحاق أطفالها في المدارس وتضطر للدفع بهم إلى سوق العمل للمساعدة في تحقيق دخل إضافي للأسرة، ويشير إلى أن “التدهور الكبير في المستوى المعيشي للأسرة اليمنية كان ولا يزال سببا وجيها في بقاء 50% من الأطفال في سن التعليم خارج المدارس، إذ إن معظم هؤلاء ينخرطون في صفوف قوة العمل قد يشكلون بعد سنوات جيشا من الأميين والعمالة غير الماهرة”.
يتحدث الأديمي عما يسميه انحدارا في المستوى المعيشي لدى الطبقة المتوسطة في اليمن ؛ ففي غضون سنوات قليلة هبط معدل الدخل السنوي للفرد إلى ادنى مستوياته (نحو 400 دولار حسب التقديرات الرسمية)، ثم إن 9 سنوات من جرع الإصلاحات الاقتصادية كانت كفيلة بتوسيع دائرة الفقر لتطال حاليا أكثر من 8 ملايين نسمة.
ويضيف: “لقد التهمت هذه البرامج أكثر من 70% من دخول الأفراد، ولم يعد لدى الناس ما يمكن أخذه لتعويض فقر الدولة بإيجاز لم تحقق برامج الإصلاحات سوى نجاح واحد وهو نقل الفقر من الدولة إلى المجتمع”. هذا ما يذهب إليه تقرير تقييمي حول استراتيجية التخفيف من الفقر صدر حديثا والذي أكد أن معدلات الظاهرة ارتفعت خلال المرحلتين الأولى والثانية من برنامج الإصلاح الاقتصادي من 12% إلى 36% وتفاقمت أكثر منذ العام 2000 لتصل إلى أكثر من 42% من إجمالي السكان.
*مشهد الفقر
يعاني اليمن وفق الدراسات الحكومية من شح كبير في الموارد المائية، ووعورة التضاريس الطبيعية، وضعف البنية التحتية، ومحدودية الإمكانات البشرية والمؤسسية، وتدني الإنتاجية ناهيك عن ظاهرتي الفقر والبطالة و ضعف القدرات البشرية للناس. ورغم تباين مؤشرات ظاهرة الفقر في اليمن، إلا أن أدق الدراسات تشير إلى أن نحو 45% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، فيما تصل نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط فقر الغذاء إلى 30%.
ويراوح الدخل الشهري للفرد بين 1000 و2000 ريال فيما قيمة احتياجاته ل 2200 سعرة حرارية في الشهر نحو 2200 ريال. ويذكر تقرير التنمية البشرية (اليمن 2002) أن نسبة السكان الذين لا يتمكنون من الحصول على كامل احتياجاتهم (الغذاء، الملبس، المأوى، الصحة، التعليم، التنقل) يصل إلى نحو 24% ؛ في حين يعاني 87% من السكان مشكلات الفقر والأمية ومحدودية فرص العمل والدخل غير الكافي لسد الاحتياجات.
وتكشف مسوحات أجرتها وزارة التخطيط والتعاون الدولي أن 75% من الفقراء يعانون من تدهور مستمر لأحوالهم المعيشية، وتؤكد أن جزءا كبيرا من السكان ذوي الدخول المحدودة معرضون للوقوع في دائرة الفقر.
يربط الدكتور عبد الباري الشرجبي أستاذ الاقتصاد في جامعة صنعاء، أسباب ظاهرة الفقر بمنظومة من المشاكل الاقتصادية التي يعانيها الاقتصاد اليمني، ويشير في ذلك إلى العلاقة بين معدل نمو الدخل الحقيقي بمعدل نمو السكان “إذ يتدهور دخل الفرد عندما يكون معدل نمو الدخل أقل من معدل نمو السكان ما يشكل منشأ الفقر”. ويرتبط بذلك أن معدل البطالة (الناتج عن معدل النمو السكاني) ومعدل التضخم (الناتج عن زيادة الطلب الاستهلاكي) ثم تزايد نصيب عوائد التملك (ريع، فائدة، ربح) من الدخل على حساب عائد العمل وكل ذلك يؤدي إلى نشوء الفقر واتساع نطاقه.
ويؤكد الدكتور الشرجبي أنه في الحالة اليمنية تتفاقم ظاهرة الفقر بسبب أن متوسط عدد أفراد الأسرة كبير نسبيا كما أن عبء الإعالة الاقتصادية يرتفع بسبب قلة العاملين وكثرة عدد من يحتاجون إلى الإعالة من الأطفال والعجزة والنساء ويزيد من ذلك غياب إعانة البطالة. وهناك سبب آخر يتعلق بالنمو المتواضع للدخل الذي سببه استمرار السكان بمعدل أكبر وتواضع معدلات نمو الاستثمار، وهذا أدى إلى تزايد معدل البطالة بصورة تفوق فرص العمل والتالي زيادة عرض العمل عن الطلب ومنه انخفاض الأجور الحقيقية للعاملين”.
من جانب آخر، يتفق العديد من الاختصاصيين على أن سياسات الإصلاح الاقتصادي والإداري التي تبنتها الحكومة اليمنية منذ العام 1995 لعبت دورا مهما في تفاقم مشكلة الفقر، ويقول وزير التخطيط والتعاون الدولي أحمد صوفان إن انتشار الأمية مثل هو الآخر سببا في تفاقم ظاهرة الفقر، وبحسب الإحصاءات فإن عدد الطلاب المستوعبين حالياً في التعليم لا يمثلون سوى 53% من إجمالي الطلاب المفترض وجودهم في المدارس، وإن نحو 200 ألف طفل في سن التعليم الأساسي لا يجدون فرصاً للالتحاق بالمدارس، فيما يتسرب نحو 180 ألف طالب من مدارس التعليم سنوياً معظمهم يضافون إلى قوة العمل التي تعاني البطالة.
ويواجه سوق العمل مشكلات كبيرة جراء تزايد الطلب على العمل إذ يستقبل السوق نحو 170 الفا من طالبي العمل في الوقت الذي لا تزيد الفرص التي يوفرها على 35 ألف فرصة عمل سنويا. وتبدو المشكلة معقدة أكثر لأن نسبة كبيرة من قوة العمل التي يستقبلها السوق سنويا عمالة غير ماهرة وتصل نسبة البطالة إلى 32%.
*مخاوف مستمرة
القارئ لملامح المشهد الاقتصادي في اليمن اليوم يلاحظ أن موضوع الفقر يستحوذ على جزء كبير من اهتمام الحكومة التي تبنت منذ نحو العامين استراتيجية شاملة للتخفيف من الفقر، وتكاد 70% من النشاطات الإعلامية المواكبة لنشاطات الجهات الحكومية والأهلية تتركز حول ظاهرة الفقر.
ورغم الجهود التي تبذلها الحكومة لمحاربة ظاهرة الفقر، إلا أن الخبراء يؤكدون أن الظاهرة مرشحة للتفاقم أكثر، خصوصاً في ظل سوء إدارة استغلال الموارد الاقتصادية والاختناقات التي يواجهها الاقتصاد الوطني وانتشار الفساد.
وتتزايد المخاوف لدى الشارع اليمني من موجات فقر جديدة في ضوء الالتزامات الحكومية بالمضي قدما ببرنامج الإصلاح الاقتصادي تحسبا من مشكلات اقتصادية اكبر. ويبدي بعض الاختصاصيين مخاوف من أن التنامي المستمر لظاهرة الفقر صار يلعب دورا مؤثرا في إعادة صياغة التكوين الاجتماعي وظهور علاقات اجتماعية جديدة، ويشار في ذلك إلى المناطق المحيطة بالمدن الرئيسية التي يعاني غالبية سكانها من أقصى أنواع الفاقة، كما أنها كانت السبب في ظهور أنماط سكانية جديدة تتمثل بالتجمعات السكانية قليلة العدد والمنعزلة عن حركة المجتمع.
وإزاء التأثيرات السلبية لبرامج الإصلاحات، اتجهت الحكومة إلى تبني العديد من البرامج الهادفة إلى مواجهة التأثيرات الجانبية لبرامج الإصلاحات، بما يحمي النسيج الاجتماعي من التأثيرات المكارثية للفقر، غير أن هذه البرامج جوبهت بعراقيل وعقبات كبيرة سببها عدم تناسب إمكاناتها مع حجم الظاهرة.
يقول وزير التخطيط والتنمية احمد صوفان إن اليمن رغم ما حققه من تقدم واضح في مجالات التنمية البشرية وتحسين أوضاعه الاقتصادية، إلا أن ذلك لم يكن كافيا (...) ولم تخل برامج الإصلاحات المنفذة من آثار سلبية تضرر منها بعض فئات المجتمع، ولم تستطع تلك البرامج وقف اتساع نطاق الفقر.















التعليقات