قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لا يمكن مباشرة أحداث العراق خلال عام 2004 إلاّ بوصفها حزمة من أهم المتغيرات عالمياً، نظراً لأهمية العراق القابع في قلب واحد من أكثر الأقاليم أهمية وإلتهاباً، وبسبب تطلعات وتدخلات القوى الكبرى في سبيل رسم مستقبله والتأثير على مستقبل المنطقة بأسرها بضمن معطيات صراع دولي محموم تتجسد بؤره وأهدافه في النفط والهيمنة الجيوبوليتيكية والسيطرة على الممرات والمضايق المطلة على الخطوط الرئيسية لحركة التجارة العالمية. لقد التقت هذه المصالح الدولية على نحو صراعات عنيفة حيث وجدت في العراق ساحة مناسبة لتصفية الحسابات وللعمل السري والعلني وبأنواعه الأخرى بعد أن سقط النظام السابق ليفتح الباب واسعة لمثل هذه التفاعلات الخطيرة. لذا لا يمكن النظر إلى تداعيات أحداث 2004 إلاّ بوصفها جزءاً من الإرتدادات الطبيعية لانقلاب الموازين في بغداد في ابريل 2003.
لقد كان اللاعبون الرئيسيون، حسب هذا المنظور، من العيار الدولي الضخم، بيد أن المؤدين الثانويين الذين يتلقون ويترجمون آثار التفاعلات العالمية هم من النوع المحلي، ذلك أن الذي حدث في عراق عام 2004 إنما كان كم هائل من المنافسات والتداعيات التي جاءت إستجابة لـ(جراحة) إضطلعت بها الإدارة الأميركية والدول المتحالفة معها من أجل إزالة نظام ظل عائقاً في طريق العراقيين وعلى طريق إعادة تشكيل الإقليم بأسره وفقاً لمشاريع وآفاق مبتناة على رؤى دولية (أميركية جوهرياً) من نوع الشرق الأوسط الكبير وحملات الإصلاح والديمقراطيات البرلمانية. بيد أن الواقع المحلي لم يكن يتوافق تماماً مع مثل هذه الرؤى الفردوسية. فقد ظهرت في العراق ردود أفعال متنوعة ومتناقضة جعلت من هذه الرؤى طريقاً كئود مليئة بالمطبات والألغام. فعلى الرغم من محاولة الإدارة الأميركية الإيفاء بوعود من نوع التمهيد لنقل السيادة لحكومة عراقية مؤقتة تضطلع بإدارة انتخابات برلمانية على سبيل الانتقال إلى حال مستقرة، لوحظ ظهور قوى مقاومة لهذا الإتجاه داخل العراق. هذه القوى لم تزل موضع بحث وتكهنات افتراضية غير صلدة ولا مؤكدة، ذلك أن بعضها لا يمثل إرادات داخلية تنادي بخروج المحتل الأجنبي، بقدر ما يمثل إرادات دول وتيارات وتنظيمات سياسية من خارج العراق تريد أن تحسم حربها الخاصة ضد الغرب. وهي إرادات لا تريد للمشروع الأميركي في العراق أن ينجح لأنه يهددها ويعيق خططها. وإذا كانت الإدارة الأميركية ترنو إلى استدراج قوى ما تسميه بالإرهاب الدولي إلى الساحة العراقية، بديلاً عن الساحة الأميركية لتجنيبها سفك الدماء، فإنها تجد نفسها في مأزق يتطلب الكثير من المواجهات والمبارزات الفكرية والفقهية، السياسية والعسكرية التي غالباً ما تقود إلى تشويه صورتها عالمياً. وهذا ما يبرر الخوف الإداري الأميركي من لوثة الإعلام على وجه أميركا.
وبرغم هذا تمكنت الإدارة الأميركية من نقل السلطة إلى حكومة عراقية مؤقتة، بينما حافظت في الوقت ذاته على الذهنية المهيمنة بداخلها عبر نجاح الرئيس جورج بوش بضمان فترة رئاسية ثانية، وهو النجاح الذي يعكس تأييداً محلياً واضح المعالم لمشروعه في الشرق الأوسط. ولكن معطيات الوضع الداخلي في العراق تنذر بالخطر الداهم ضد هذا التأييد: فقد تبلور نوع من الاستقطاب الطائفي الخطير الذي يمكن أن يسحب العراق إلى حرب أهلية تقود، من بين نتائج مأساوية متنوعة، إلى خراب وإنهيار الرؤية الأميركية، خاصة بقدر تعلق الأمر بالإنتخابات البرلمانية المتوقعة خلال الشهر الأول من العام الجديد 2005. وقد تجسد هذا الاستقطاب الطائفي الخطير في إعلانات متنافرة حول (وجوب) أو (تحريم) بل و(تكفير) المشاركة في الانتخابات. وهذه الأحكام المعيارية لم تكن حبراً على ورق لأنها تُرجمت بشكل حملات اغتيالات وتفجيرات طالت المرشح والمنتخب والشخصيات الوطنية البارزة، زيادة على الأبرياء الهائمين على هامش الحياة بلا هدف. ولكن الدماء تنطق وتقدم لقارئ التاريخ الفطن (علامات الساعة) المخيفة: انشقاق الصف الوطني، تفتت الوحدة، إنهيار الروح الجماعية، واحتمالات تدحرج كرة النار إلى دول الجوار التي كان بعضها (إلى وقت قريب) يشكل نموذجاً للاستقرار والتواصل غير المشوب بالمشاكل.
ثمة بقاع ملتهبة على نحو مزمن في العراق، وهي مناطق يمكن أن تقص للمتابع الحكاية المأساوية لهذا البلد (العراق): لقد شهدت مدينة النجف الأشرف التي ترنو إليها أفئدة غالبية المجتمع العراقي بسبب قيمتها الدينية والاعتبارية، شهدت مواجهات مسلحة بين ميليشيات مقتدى الصدر والقوات الأجنبية المؤتلفة مع القوات المحلية الناشئة والضعيفة الخبرة. كما جاءت هذه الأحداث الدامية وكأنها رد الفعل المباشر والفوري لقيام حكومة عراقية بعد نقل السيادة. بيد أن أحداث النجف الدامية جسدت الوطأة الروحية والاعتبارية التي تكمن عليها المرجعية الدينية، ذلك أنها لم تتوقف إلاّ بعد تدخل آية الله العظمى علي السيستاني الذي جسد بتدخله، ليس فقط أهمية دوره السياسي والإجتماعي، بل كذلك جبروت الولاء الديني والمذهبي الذي تمكن من إزالة العديد من الولاءات السياسية الطارئة والدخيلة، اليسارية والعلمانية وحتى المتأمركة، ليتخلل عبر هذا الدور إلى داخل النفس الجماعية في قطاعات واسعة من المجتمع. ولا يمكن أن تستبعد هذه الظاهرة الدينية كثيراً عن ظاهرة دور علماء الدين الحاسم في بقعة ملتهبة أخرى هي الفلوجة، حيث لعبت التنشئة الدينية القوية، سوية مع البنية القبلية والعشائرية للمجتمع العراقي، دوراً مهماً للغاية في الاستقطاب والتعبئة، الأمر الذي دفع بتراكم العواطف المضادة للمحتل الأجنبي إلى نقطة الإنفجار: حتى إذا ما جاءت حادثة قتل أربعة مقاولين أميركيين والتمثيل بجثثهم، وإذا بها تفتح خزائن التراكمات والمشاعر الانتقامية من قبل القوات الأميركية كي توجه إلى هذه المدينة ضربة عسكرية أتت على الأخضر واليابس، بحجة اجتثاث جذور الإرهاب والقضاء على الدخيل الأجنبي منه، ولكن على حساب حياة الآمنين والأبرياء من المواطنين. لا ريب في أن القيادة العسكرية الأميركية أرادت للفلوجة أن تكون عبرة لبقية المدن، مراهنة على نظرية الصدمة والترويع التي مكنتها من القضاء على النظام السابق في ظرف ايام معدودات. بيد أن النتائج لم تأتِ حسب مثل هذه التوقعات المتفائلة، إذ امتدت أنشطة الجماعات المسلحة إلى مدن أخرى كالموصل وسامراء زيادة على أحياء من بغداد، بينما بقيت جيوب أخرى في الفلوجة نفسها، مصرة على تواصل إطلاق النار وسلوك طريق حرب العصابات.
لم تكن هذه المواجهات بعيدة عما كشفت عنه الصحافة من فضائح طرائق تعامل السجانين الأميركان مع المعتقلين العراقيين المتهمين بالقيام بمثل هذه الأعمال المقاومة. وبغض النظر عما إذا كانت صور الإستهانة والتعذيب الجسدي والنفسي قد سربت عمداً إلى الإعلام أم لا، فأنها أدت، بكل تأكيد، إلى نوع الامتعاض و الاحتجاج الداخلي، زيادة على أصدائها عالمياً، خاصة في الولايات المتحدة الأميركية. بيد أن الاستقطاب النفسي العدائي الذي قاد إلى نوع من التعبئة المؤسسة على المقارنة بين أحوال المعتقلين فيما سبق وأحوالهم فيما لحق، لم يؤدِ إلى إزالة أساطين الإدارة الأميركية من الصقور الذين كان من المتوقع سقوطهم بسبب مثل هذه الإخفاقات والاختلالات بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة: فقد بقي دونالد رامسفيلد وزيراً للدفاع، بينما تواصل أعضاء فريقه من مهندسي الحرب في مكاتبهم بالبنتاغون دون أن تمسهم رياح عاصفة التغيير الهوجاء.
وإذا ما كانت الإدارة الأميركية ترنو إلى إحالة العراق إلى حلبة لتصفية حساباتها مع المنظمات الإرهابية الأجنبية، فإنها لم تتأخر ولم تتردد في فتح الحدود (الرسمية) على مصراعيها من أجل استدراج هذه المنظمات إلى داخل العراق. ولكن نجاح هذه العملية قد أتاح للإدارة الأميركية صب جام غضبها على العديد من دول الجوار التي اتهم بعضها بالمساعدة على تمرير المقاتلين والأموال والأسلحة نحو العمق العراقي. لذا تأبطت الإدارة الأميركية هذه الذريعة أداة للضغط على كل دولة جوار لا ترضى عليها، وكعصا لضرب تمردها على الرؤى الأميركية، الأمر الذي جسد آثار الفوضى في الداخل العراقي على الأجواء الدولية المضطربة عبر الإقليم ومن ثم عبر العالم. لقد كان تداعي حكومات دول الجوار إلى اجتماعات ولجان عمل ومؤتمرات من أجل منع التسلل والإرهاب الداخل لا مُجدٍ، خالياً من ملاحظة كافية للعملية المتعمدة بفتح الحدود بلا رقيب وبلا ضوابط، الأمر الذي يكشف حقيقة أن المشروع الأميركي في العراق إنما هو في جوهره مشروع أميركا في الشرق الأوسط، وإنه مشروع متعدد الأبعاد يمتد من الأبعاد العسكرية القسرية إلى الأبعاد الثقافية والتربوية والإجتماعية. هذا ما يفسر ردود الأفعال المتشجنة والمكهربة عبر دول الإقليم، أنظمة ونخب سياسية وثقافية ناطقة، نظراً للاستشعار الهاجسي بأن الأمر لا يمكن أن يتحدد بالعراق قط، خاصة وأن الإدارة الأميركية تمتطي شعار الإصلاحات المبهرج والمغري، شرطاً مسبقاً لتحريك مياه الإقليم الآسنة في عدد من المناطق التي لا تغسل سواحلها أمواج التغيير الآتي من المحيط الخارجي.
إن الحديث اليوم عن موضوعات جديدة ويافطات مبتكرة من نوع الحريات والفيدراليات والهلالات الطائفية والأثنية وسواها، إنما يعكس سخونة ما يعتمل في دواخل مرجل عام 2004 ليتفجر في عام 2005 وما يتبعه من أعوام حبلى بالجديد وبمخاضات الخوف واللايقين، حاضراً ومستقبلاً.