قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

حسن فتحي: علي كثرة مآسي العام‏2004‏ لم يشأ أن يذهب دون كارثة طبيعية لم يقتصر تأثيرها علي دولة واحدة بل عدة دول في قارتي أسيا وإفريقيا‏,‏ فقبل أن يولي أدباره ضرب زلزال من الوزن الثقيل منطقة جنوب آسيا‏,‏ وفضلا عن قائمة الموت المهولة التي توزعت رائحتها بين عدة دول وتحولت بسببها إلي مأتم كبير‏,‏ فإن حجم الخسائر الاقتصادية التي لحقت بالمنطقة حاليا ومستقبلا ربما لن يتسع لها صدر المليارات‏,‏ والزلزال يحمل عن جدارة لقب‏'‏ كارثة تسونامي‏'‏ وهي موجات بحرية عاتية أو بالأحري أمواج كالجبال تندفع بسرعة تصل لألف كيلو متر في الساعة تدمر كل شئ في طريقها‏..‏فماذا تعني كارثة تسونامي؟ وماهي أسباب حدوثها وسر اندفاعها المدمر؟ وما يحمله تاريخ الزلازل من ذكريات مدمرة بسبب هذه الـ تسونامي؟
يشير الخبير الجيولوجي الدكتور البهي عيسوي إلي أحزمة الزلازل النشيطة في العالم‏,‏ وأشهرها الذي يبدأ من اليابان جنوبا إلي الصين ثم إندونيسيا‏,‏ وحزام آخر يبدأ من جبال الهمالايا بالهند ويستمر حتي إيران فتركيا فإيطاليا فأسبانيا ويدخل علي مراكش والجزائر‏,‏ والحزام الثالث يبدأ من مضيق بهرنج في آلاسكا وينزل جنوبا باتجاه الساحل الغربي للولايات المتحدة علي كاليفورنيا ويتمدد جنوبا علي الساحل الغربي لأمريكا الجنوبية حتي شيلي‏,‏ وهناك أحزمة ثانوية للزلازل مثل حزام البحر الأحمر الذي يبدأ من خليج العقبة ويتجه شمالا مارا بالبحر الميت فسهل البقاع في لبنان فسوريا وحتي جبال طوروس بتركيا‏,‏ حيث يلتقي مع الحزام الذي يبدأ من جبال الهمالايا مرورا بجنوب أوروبا‏.‏
أما كيف تحدث الزلازل‏,‏ فيوضح الدكتور عيسوي أن سمك القشرة الأرضية يتراوح ما بين‏5‏ كيلومترات في قاع المحيطات ويصل حتي‏50‏ كيلو مترا تحت القارات‏,‏ تليها طبقة‏'‏ المانتل‏'‏ المنصهرة ويبلغ سمكها حوالي‏2970‏ كيلومتر‏,‏ ولا أحد يعرف درجة حرارتها التي قد تتجاوز‏2000‏ درجة مئوية وقد تصل لـ‏5‏ آلاف درجة‏,‏ وهي عبارة عن صهير ملتهب جدا نتيجة لوجود مواد مشعة تخرج حرارة هائلة‏,‏ وحين تتمدد هذه الطبقة النارية المنصهرة تحت القشرة الأرضية لا نشعر بذلك لأن الصدام يحدث علي بعد مئات الكيلو مترات‏,‏ لكن المشكلة في قاع المحيطات أن سمك القشرة الأرضية ضئيل‏,‏ وعندما يخترقه الصهير يتحول قاع المحيط إلي نهر ملتهب‏,‏ حيث يلتقي الصهير أو الـ‏'‏لافا‏'‏ شديدة الحرارة بمياه قاع المحيط شديدة البرودة‏,‏ بمعني أنه حين تحدث حركة في منطقة الصهير تضغط بشدة في باطن القشرة الأرضية وتخترق المناطق الضعيفة منها‏,‏ ونتيجة هذه الحركة الهائلة تحدث زلازل‏,‏ فتتحول مياه المحيطات إلي مياه ساخنة وهي أصلا شديدة البرودة‏,‏ وهنا تحدث الأمواج العاتية‏,‏ نظرا لاختلاف درجات الحرارة بين الصهير ومياه المحيط‏,‏ كما أن الصهير يوسع لنفسه طريقا للخروج فتنزلق القشرة الأرضية عليه ويحدث الزلزال‏.‏
وأضاف أن هذه الأمواج العاتية تحدث تأثيرا أكبر في البحار المغلقة مثل بحر اليابان أو بحر سومطرة كما في الزلزال الأخير‏,‏ بعكس ما إذا حدث في محيط واسع كالأطلنطي حيث يصل اتساعه لأكثر من‏6‏ آلاف كيلومتر‏,‏ لكن حين تحدث الأمواج العاتية في حدود مساحة بحرية‏60‏ ـ‏70‏ كيلومترا مثل بحر سومطرة يكون تأثيرها أشد قوة وضراوة‏.‏
في حين يري الدكتور حسن أحمد خليل أستاذ الطبيعة الأرضية بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية أن الكرة الأرضية بدت في ثوبها المترهل وبدأت القشرة الأرضية تبرد بمعدلات متفاوتة بفعل عدة عوامل منها الضغط المتواصل من طبقة‏'‏ المانتل‏'‏ الصهرية التي تلي القشرة الأرضية وتأثير قوي الجاذبية المتبادل بين الأرض والقمر‏,‏ وأن من أعنف الحوادث الكارثية تلك التي تحدث في قاع المحيطات حيث أن الطاقة المنبعثة من زلازل قيعان المحيطات يكون لها تأثير مدمر جدا يكمن في الطاقة الكامنة والتي يتم سحبها بالأمواج مما يسبب أمواجا جبلية عاتية‏.‏

*أمواج طائرة
ويقول الدكتور صلاح الحديدي أستاذ الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية‏'‏ مرصد حلوان‏'‏ عادة ما يصاحب الزلازل الكبير مثل زلزال آسيا تغير في شكل المنطقة من حيث التركيب الجيولوجي لأنه يعتمد علي الفالق من حيث طوله ونوعه‏,‏ فالفالق الذي حدث في منطقة الزلزال من الفوالق العكسية التي يصحبها إزاحة رأسية وأفقية أيضا مما يؤثر بالتأكيد علي ارتفاع وهبوط مناطق‏,‏ وقد حدث ذلك في زلزال جزيرة شدوان بالبحر الأحمر في‏31‏ مارس‏1969‏ في مصر والذي بلغت شدته‏9,6‏ درجة وصاحبه ارتفاع بعض الجزر الصغيرة في البحر الأحمر نتيجة للحركة الرأسية للفالق‏,‏ هذه التغيرات في شكل وتركيب جيولوجية المناطق أمر وارد في زلزال بقوة‏9‏ درجات مثل الزلزال الأخير‏,‏ ومعظم الخسائر حدثت بسبب الأمواج البحرية العاتية التي هاجمت جزر المحيط الهندي‏,‏ والتي دمرت كل شئ لأنها تنطلق من بؤرة الزلزال بسرعة كبيرة تتراوح بين‏700‏ إلي ألف كيلو متر في الساعة بما يعادل سرعة طائرة‏,‏ وبارتفاع عالي قد يبلغ عدة أمتار‏,‏ ولأنها تحمل في طياتها طاقة رهيبة مختزنة فإن هذه الموجات تدمر كل ما يقابلها‏.‏ وقد حدث ذلك تاريخيا في مصر حيث دمرت هذه الموجات البحرية العاتية في زلزال وقع في‏8‏ أغسطس عام‏1303‏ فنار الإسكندرية‏,‏ كما أن زلزال خليج العقبة الذي وقع في‏22‏ نوفمبر‏1995‏ صاحبه بعض هذه الموجات لكنها كانت ضعيفة لأن الخليج منطقة مغلقة وعمق المياه فيها ضحل نسبيا‏,‏ ولكن الأمر يزداد خطورة وضراوة حين تحدث هذه الموجات في المياه المفتوحة‏.‏
وكلمة‏'‏ تسونامي‏'‏ كلمة يابانية من مقطعين ومعناها‏'‏موجات المواني‏'‏ لأنها تهاجم المواني‏,‏ وليس لها علاقة بالمد والجزر للبحر‏,‏ لأن المد والجزر يحدث نتيجة تغيرات جوية‏.‏
يذكر أن الزلزال الذي دمر فنار الإسكندرية بلغت قوته‏5,6‏ درجة وقد قام بعض الباحثين بتقدير موقع بؤرته في منطقة الفيوم‏,‏ وقام بعضهم بتقدير موقعه في جزيرة رودس بجنوب اليونان‏.‏ وقد أثبت الدكتور رشاد قبيصي خبير الزلزال المصري أن الموجات الزلزالية التي تعبر تحت البحر المتوسط من جنوب اليونان لها تأثير مدمر علي مصر‏,‏ وقد تم إثبات أن الموجات الزلزالية التي تعبر بالقشرة الأرضية تحت البحر المتوسط من أوروبا واليونان وجنوب إيطاليا وتركيا يتم امتصاص القليل منها فقط بالقشرة الأرضية تحت البحر المتوسط‏,‏ ومن ثم تصل بمعظم قوتها إلي الأراضي المصرية‏.‏ وقد دمر هذا الزلزال فنار الإسكندرية الذي كان يرتفع فوق سطح الأرض حوالي‏120‏ مترا‏.‏ وذكر العالم العربي السيوطي أن هذا الزلزال وأمواج البحر المرتفعة نتيجة حدوثه‏(‏ علميا اسمها تسونامي‏Tsunami)‏ طغت ودمرت نصف الإسكندرية‏.‏

*لزلازل والاحترار العالمي
ويرجع الدكتور مسلم شلتوت أستاذ بحوث الشمس والفضاء ورئيس مركز بحوث الفضاء بجامعة المنوفية الهزات القوية الأخيرة إلي زيادة مستوي المسطحات المائية فوق المحيطات والبحار بمقدار من‏10‏ ـ‏20‏ سم‏,‏ وهذا الأمر تحقق ـ وفق رأيه ـ نتيجة لظاهرة الاحتباس الحراري التي سجلت زيادة قدرها درجة مئوية في متوسط درجة الحرارة علي مستوي العالم خلال القرن العشرين‏,‏ وذلك لزيادة كميات ثاني أكسيد الكربون المنبعثة من حرق الوقود الأحفوري في الصناعة والمواصلات‏,‏ ومن المعروف أن الولايات المتحدة تنتج‏39%‏ من كميات هذه الانبعاثات كما أنها لم توقع علي معاهدتي كيوتو وجوهانسبرج للحد من الانبعاثات
وأضاف إذا كانت قوة الهزة الأرضية أكثر من‏9‏ درجات فإنها تؤدي لارتجاج الأرض بالكامل في الفضاء‏,‏ وتؤدي هذه الرجة إلي أمرين أولهما أن سرعة دورانها حول محورها تزداد‏,‏ ولكن بمقدار ضئيل جدا يبلغ كسرا من الثانية الواحدة وبالتالي لايمكن للإنسان ملاحظة هذا التغيير الطفيف‏,‏ كما يحدث في نفس الوقت تغير في ميل محور الأرض الذي تدور فيه حول نفسها علي مستوي دائرة البروج‏.‏

*أسباب قوة الزلزال
لكن لايري الدكتور أنس عثمان أستاذ الفلك ورئيس المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية أن مثل هذا الزلزال الأخير يمكن أن يحدث تغييرا في سرعة الأرض أو يؤثر في سرعة دورانها حول محورها‏,‏ لأنه ـ كما يقول ـ قد حدثت زلازل مدمرة في الكرة الأرضية علي مدي ملايين السنين ولم تحدث مثل هذه التخمينات بالتأثير في سرعة دوران الأرض حول محورها‏,‏ وما حدث هو إزاحات لبعض الجزر بمسافة يقدرها العلماء حاليا بين‏20‏ ـ‏30‏كيلو مترا نتيجة تحرك الصفائح التكتونية في منطقة جنوب شرق آسيا‏,‏ حيث زحفت الصفيحة الهندية فوق صفيحة بورما‏,‏ وكان من نتيجة هذا الاحتكاك والتغير في أوضاع الصفائح أن تولدت طاقة كامنة داخل باطن الأرض انفجرت في شكل هذا الزلزال‏,‏ وآثاره التدميرية هائلة لسببين‏,‏ الأول قوته التي بلغت‏9‏ درجات علي مقياس ريختر‏,‏ وثانيا لم يكن علي العمق المتوقع حيث جاءت بؤرته أقل من‏50‏ كيلو مترا من سطح القشرة الأرضية‏,‏ حيث حدث علي عمق‏40‏ كم‏,‏ لذا فهو يعد من الزلازل القريبة من سطح الأرض‏,‏ وبالتالي كان له تأثير سريع في انتشار موجات المد السريعة العالية التي بلغ ارتفاعها من‏3‏ ـ‏10‏ أمتار‏.‏
وبعد إذا كانت هزة الزلزال القوية قد حدثت‏,‏ فإن توابعها قد تظل حينا من الدهر‏,‏ والأخطر من ذلك توابعه البشرية والاقتصادية التي خلفت ركاما وهزائم في النفوس‏,‏ ربما لن يكون الزمن كفيلا بمحو آثارها بسهولة‏.‏