قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

يقدم هذا الكتاب قراءة واعية للحالة السودانية ـ إن جاز التعبير ـ لجهة التأكيد على أن تلك الدولة ذات المسافة الواسعة، والتعدد الثقافي والعرقي، ليست كما نتصورها قد ضاقت على أهلها بما رحبت، وظنوا أن لا ملجأ إلا للعنف العشوائي أو المنظم ·· إنها تتحرك بالفكر حينا وبالفعل الدموي حينا آخر وبالصبر بحثا عن الانتماء والهوية أحيانا أخرى، لتثبت أنها اكبر وأبقى من لحظة انفعال زائلة لدى هذا الفريق أو ذاك·
تلك حقيقة أدركتها حين غصت في قراءة كتاب ''المنعطف''، وما إن انتهيت منه حتى أدركت خسارتي الكبيرة في أزمنة قصيرة ومختلفة قضيتها مع مؤلفه الكاتب السياسي والأديب المبدع ''أسامة أحمد المصطفى''، لكوني لم أسأله أو أثير معه النقاش حول الشأن السوداني لجهة الفهم ·· ربما لأن المسألة السودانية ظلت بالنسبة للعرب حالا من المشاهدة العابرة، وكانت ـ ولا تزال ـ أقل تأثيرا على الوعي من حيث الدعوة أو المساهمة في إيجاد حل، الأمر الذي يفنده هذا الكتاب، والذي يجذبنا ثم يدفعنا أو حتى يجبرنا على الاعتراف بأهمية الشأن السوداني، ويجعل المعرفة هاجسا ومطلبا ·· فهو كتاب للسودانيين موضوعا وهدفا، وللعرب والمسلمين قضيةً وآثارا وتاريخا وللإنسانية تنوعا ·· إنه عروبة ابتلعتها الأفريقية، وحالاً إسلامية ميزتها الخصائص الثقافية والعلاقات الاجتماعية، وإنسانية عالمية، حين غدت ـ بعد عقود ـ قضية دولية لجهة المتابعة ورفض المظالم أو توظيفها طبقا لمصالح تتعلق بمستقبل السودان، في انتظار ثروة قرب قطف ثمارها·
يغوص الكاتب ''أسامة أحمد المصطفى'' في الهم السوداني، فيخرجه من تلك الخصوصية، ويجعل القارئ يتابعه - إن تأثر أو كان له عقل أو قلب يعي - ويتفاعل معه، حتى لكأن الحديث عن الهوية والشعب والقوم والأمة هم مشتركً، يُفصح عن نفسه، ويفضح الأفعال السياسية التي فضل أصحابها الظهور، بغية ركوب مطية النظام أو المعارضة، عن المتابعة المتأنية لمعرفة التراكمات وحالات الطغيان وجذور المشكلات، وينتهي إلى نتيجة مفادها: أن ظاهر السودان الآن لن ينتهي بثرائه الإنساني إلى الزوال، ولو كانت هذه النتيجة الوحيدة لهذا الكتاب لعد منّةً، لكن النتائج أكبر من ذلك وأهم ·· لهذا وجب التنويه والتبليغ أن هذا العرض لايعتبر بديلا عن الكتاب، ولايغني عنه لذلك فلمن أراد أن يعرف الشأن السوداني ـ كأنه يعيشه أو يراه ـ أن يعود إلى قراءة هذا الكتاب- كاملا- بوعي وصبر، وهو ليس فقط كما يرى صاحبه منعطفا للسودانيين في جدلية الانتماء ونوافذ السلام، ولكنه منعطف في حياتنا العربية والإسلامية لجهة تحديد مسار حركة الحياة، لأمة يراد لها أن تغرق في إرث الماضي وعجز الحاضر وجهل المستقبل ·· يبقى أن العرض هنا يتسم بطريقة جريدة ''الاتحاد ''الخاصة بعرض الكتب، وأنه ينشر باتفاق خاص مع المؤلف قبل تداوله في الأسواق، وأنه سيعرض على خمس حلقات
ركز الكاتب في الحلقة الماضية على الهجرات العربية والاستيعاب المحلي للوافدين ·، وفي هذه الحلقة يواصل الحديث عن جدلية الانتماء ونوافذ السلام · منطلقا من الصراع ،من خلال الهوية والسلطة والثروة ·· وفيما يلي نص الحلقة :
يقول الكاتب أسامة المصطفى : من شأن التوصيف الواضح والملائم لمناطق الصراع المساعدة ليس فقط في تحديد آليات الحل الملائمة، بل أيضا تسهيل مهمة اكتشاف الأسباب الحقيقية للصراع· فهناك عصيانان مسلحان مدنيان يعتبران الإشارات التقليدية الدالة لما نود أن نشير إليه في هذا البحث · الأول هو: حرب أنانيا (1955-1972)،التي كانت بزعامة جوزيف لاقو وهو من الأقليم الإستوائي والأخرى حرب حركة الجيش الشعبي لتحرير السودان، التي اندلعت عام 1983بزعامة الدكتور جون قرنق· فقد بدأ عصيان أنانيا المدني كتحريض لتبني نظام حكومة فدرالية للدولة ككل، ولكن بمنح الجنوب وضع تكوين دولة فدرالية، إلا أنه اتخذ بعد ذلك شكلا انفصاليا متطرفا· وكما كان متوقعا، تفجر الوضع بسبب العناد من جانب النخبة السياسية الشمالية حول قضايا مشاركة السلطة، والهوية القومية، وتوزيع الثروة والموارد الطبيعية· فقد تم التوصل إلى تسوية سياسية مع المركز في فبراير/ مارس ،1972 التي سهلتها وساطة اتفاق أديس أبابا، وعقب ذلك انتعش الجنوب وتضافرت جهود التنمية فيه لكن الانهيار حدث بعد 11 عاما بسبب بعض السياسات السلبية تجاه الجنوب من السلطة المركزية ·
كتيبة بور
يمكن تفسير المرحلة الحالية للحرب على هذا النطاق الواسع كمحصلة لرفض ترتيبات إدارة الصراع الأول، وبلغة الانتشار والشدة والقوة التدميرية، فقد تبين أنها أشرس وأعند وأقسى من الأولى· ومما ساعد على تأجيج الحرب عصيان آخر قامت به كتيبة للقيادة الجنوبية مقرها في مدينة ''بور''، أعالي النيل، وسرعان ما انتشرت الاضطرابات في المواقع العسكرية القريبة في ''بيبور وباتشالا''· وإذا كانت حرب أنانيا الأولى قد صورت ببساطة ثورة الاستوائيين باعتبار أن الزعامة كانت للإستوائيين وإنطلاقة الحرب كانت في المنطقة الإستوائية وبالتحديد بحادثة توريت الشهيرة حيث قتل عدد كبير من الشماليين بإيعاز غربي للجنوبيين آنذاك ، فإن هناك اتجاها بأن حركة الجيش الشعبي لتحرير السودان يمكن تسميتها بالمقاومة النيلية للسلطة المركزية، نسبة لزعيمها جون قرنق الذي ينتمي إلى إحدى القبائل النيلية على الأقل في مراحلها الأولى· ومع ذلك ففي مرحلة أكثر تأخرا تمكنت الحركة من توسيع قواتها المسلحة بدمج الاستوائيين والعناصر الأخرى من المحيطات الخارجية المحرومة والمهمشة من جبال النوبة ومنطقة البجة · وهذه القوة الإضافية يمكن أن تفسر لنا المكاسب الكبيرة والسريعة التي أحرزتها قبيل الانشقاق الداخلي للحركة في أغسطس 1991(يمكن العودة إلى الكتاب لمعرفة جذور الصراع)
الهوية والمشهد الثقافي
بعد استقلال أغلب الدول الافريقية والعربية واستقرارها إلى حد ما في ميزان السياسة والاقتصاد، تنبهت هذه الدول إلى قضايا أكثر فاعلية وتأثيرا وهي قضايا اللغة والثقافة والحضارة والهوية، وهو ما يشكل الصراع الحقيقي الحديث، والذي يمكن من القول بأن الدول الاستعمارية السابقة قد اتخذته بديلا للاستعمار السياسي السابق والمعروف· وما اصطلح على تسميته بالعولمة· وبالتأكيد يبقى هو العامل الحاسم والسلاح الأكثر فاعلية لتدخله المباشر في تكوين الشخصية، وتحديد ملامح وهوية الأمة· ومن ثم عمدت هذه الدول ـ ومن بينها السودان - إلى البحث عن الذاتية الثقافية والتي لا تعني على الاطلاق العزلة والانطواء، بل هي سلوك محمود في التميز عن الآخرين وتعليمهم كأسلوب للعيش وصياغة النموذج الخاص الذي تعرفه الشعوب والحضارات الانسانية منذ فجر التاريخ، فالثقافة كما يراها الكثيرون، ليست لوحة رسم أو تحفة يمكن نقلها من مكان إلى آخر، بل هي مضامين شحنات نفسية وذاتية وبيئية من الصعب استيرادها أو فصلها عن بيئتها وكوامنها واشكالياتها الأخرى·
موسم الهجرة
بقراءة التعريف السابق عن الثقافة وبتطبيقه في نموذج بلد كالسودان يزخر بتعدد البيئات الجغرافية والقبائل واللغات واللهجات، نجد أن الهوية الثقافية واللغوية في مواجهة شحنات نفسية وذاتية وبيئية، تجعل وللوهلة الأولى من الصعوبة بمكان التعامل معها، بل وحتى إيجاد أرضية ثابتة ومشتركة تكون بمثابة انطلاقة لثقافة سودانية مشتركة، جامعة ومعبرة في الوقت نفسه عن الانسان السوداني كله، مما يحتم ضرورة التعامل بوعي كبير مع هذه الدوزنة في اتجاه الوحدة· وبقراءة نموذجين لمثقفين سودانيين قدما للعالم صورة للمجتمع السوداني، نجد أن الطيب صالح في تحفته موسم الهجرة إلى الشمال قدم نموذجا لإنسان شمال السودان إلى حد كبير باستثناء المجتمع النوبي ذي الخصوصية الشديدة، ومجتمع الدينكا أكبر قبائل جنوب السودان وإن غلبت عليه الخلفية السياسية الوطن ولارتباط اللغة الوثيق بالحضارة الانسانية وثقافة البشر باعتبارها المسجل الأساسي لكل حوارات حركة التاريخ في المجتمع، تبقى اللغة في السودان في مواجهة اشكاليات كثيرة متعددة ومتشعبة· ونجد أنه، ونسبة لسياسات الحكومات اللغوية منذ الاستقلال، نجد أن اللغة العربية قد أخذت موقعها من الانتشار خاصة في التعليم حيث تمثل اللغة القومية له وحتى التعليم الجامعي أصبح الآن باللغة العربية، وتحت هذه المظلة الواسعة من الانتشار للغة العربية تصبح هناك معاناة حقيقية وفاقد تربوي كبير من طلاب ومثقفي مناطق التداخل اللغوي ـ وهي المناطق التي يتحدث أهلها بأكثر من لغة ـ الأمر الذي يجعلهم ينحازون إلى لغات أخرى كالإنجليزية وغيرها لمواصلة تعليمهم وكتاباتهم ومؤلفاتهم، وتحديدا مثقفي جنوب السودان،
رجال الزعماء
إننا ( من واقع الممارسة الفعلية في السودان ) نرى ان الديمقراطية بمفهومها الصحيح، لم تـُمارس حتى الآن ، وما تم لا يعدو عن أن يكون وصولا إلى السلطة عبر انتخابات في دوائر مغلقة أو مسنودة بجماهير تساند من منطلق عقائدي طائفي ، أو موعودة بتحقيق أهداف أو مشروعات محددة أو عبر بوابة القبلية ·· وقبل ذلك يتم اختيار المرشحين بواسطة الزعماء في الخرطوم ولا يشترط أن يتم اختيارهم بواسطة الجماهير ·· إذن فمن يأتون إلى قبة البرلمان ليسوا في الغالب الأعم إلا رجال الزعماء ، واغلبهم دائماً ما يميل مع ما يريده الزعيم إما بسبب الصلة العقائدية أو المنفعة الشخصية حتى يعود إلى هذا المنصب أو غيره مرة أخرى ، وكلنا يتذكر تأجيل التصويت في البرلمان انتظاراً لقرارات الزعماء ، ومن يأتون بأصوات حقيقية من الجماهير ويحاولون أن يفرضوا رؤاهم ، فهؤلاء سرعان ما يحاربون ويلفظهم الحزب إن لم يسع إلى تدميرهم ·· (أي الأمر كله ديكور ديمقراطي خارجي ، فارغ المحتوى داخلياً ) ·
فلا توجد رؤى أو أفكار أو خطط استراتيجية يطرحها الحزب على جماهيره للموافقة عليها ومن ثم تتم محاسبة الحزب عليها حسب ما يتم إنجازه ، و إنما ما قد يوجد مجرد ارتباط عقائدي أو وعود غالباً ما تكون سطحية ( حفر بئر أو تشييد مدرسة أو شفخانة ·· الخ ) حتى المؤتمر الوطني الذي أسس استراتيجيته على عدة محاور من ضمنها نقد ممارسات الحزبين التقليديين ، قد وقع في نفس الخطأ و اصبح يدور في نفس الفلك ·· قيادة في القمة و جماهير مـُدّعى عليها سئِمت كل هؤلاء وأصبحت في الحياد ليتسع تيار الوسط الصامت اكثر فاكثر · و يرجع ذلك إما لعجز الطرح أو ضعف الإرشاد أو الانشغال بالصراع حول السلطة وبالتالي إحباط تلك الأحزاب لجماهيرها التقليدية و فشلها في إقناع الشباب الذي يمثل 62% من تعداد السكان والذي بات ينظر نحو الجديد مما يمكن أن يحقق له طموحاته التي لا تسعها الأحزاب التقليدية ، ويشمل ذلك حتى جماهير المؤتمر الوطني الملتزمة عقائدياً من الإسلاميين والتي تعيش في حيرة ، حيرة كبيرة بحجم الخلل الاستراتيجي في ممارسة السياسة و الديمقراطية وأسلوب الدعوة الهوية السودانية
السودان ·· ونماذج الآخرين
إذا تأملنا ما يحدث في العالم من تكتلات وتابعنا حرب المصالح يتضح لنا أن العالم يتعامل بشراسة وبدون عواطف وبمنتهى العلمية لتحقيق مصالحه وهذا ما قاد دول أوروبا لتحقيق الاتحاد بينها وهي الأقوى منا علميا وتقنياً وعسكرياً واقتصادياً ·
وإذا تأملنا خطاب رئيس الوزراء الإيطالي على سبيل المثال وهو يطلب الإذن من البرلمان للدخول في الاتحاد الأوربي وحديثه عن ضعف دولته التي يعادل دخلها القومي 40% من دخل الأمة العربية مجتمعةً ، إذا لم تحتم بالاتحاد الأوربي ، او انتبهنا للتخطيط الاستراتيجي الألماني الذي وحد شطري الدولة الألمانية أولاً ثم التفت سريعاً ليقود عمليات الاتحاد الأوربي ، لاتضح لنا شراسة المرحلة القادمة ·· فإذا كان ذلك حال تلك الدول المتقدمة القوية فما بال بعضنا يتحدث عن الانفصال بين جنوب وشمال السودان ناسين شكل الوضع السياسي للدولتين بعد الانفصال وشكل المصالح التي حتما ستصب لصالح تلك القوى الدولية وليس العكس ·· إن المنطق والعلم يجب أن يقودا البلاد للعبور فوق مثل هذه الأفكار الشاذة التي تدعو للانفصال نحو تكتلات إقليمية تحمي ثروات البلاد وتحقق لها وضعا افضل يمكنها من إدارة حوار المصالح بصورة افضل وان ننتبه إلى أن مخطط الطمع الدولي يستوجب التكتل والتعامل بالمنهجية العلمية وبدون عواطف ولعلنا ندرك ذلك إذا اتضح لنا أن من يسعون للتكتل من اجل الحماية وتحقيـق افضل المصالح ، هم أنفسهم من يعملون في نفس الوقت لتفتيت السودان ·
على القوى السياسية في السودان من الشمال والجنوب أن تستوعب بان مصالحها في الوحدة بل والتكتل الإقليمي وليس العكس ·· وهذا ما يدعونا لان نقول أن التنازل عن السلام والوحدة لا يعني ضعف طرف على حساب طرف آخر ، وعلينا في السودان أن ندرك أن مهمة الدولة كبيرة هذا إذا اعتمدنا علمية الدولة والإقرار بان الدين هو مصدر للهداية والتشريع ، وإذا اعتمدنا المبدأ العلمي الذي يدعو لإسناد العمل للخبير أو المختص (القوي علماً وكفاءةً وخبرة ، والامين صدقاً وخُلُقاً ونزاهة ) ، وإذا استوعبنا بان الدين ممارسة وليس شعارات أو لافتات نرفعها ، لسلمّنا بان المؤسسات المدنية المتمثلة في الطرق الصوفية والشيوخ هم الأقدر لهداية الناس وتزكية النفوس ، وان المنهجية العلمية هي الوسيلة الوحيدة لإدارة البلاد وتحقيق المصالح الاستراتيجية العادلة لها في الألفية الثالثة وحماية ثرواتها في نفس الوقت ·
إذن نعود لنجد أن معظم ما ظلت تدور حوله البلاد إذا خلصت النوايا وتبرأ بعضنا من المؤثرات الدولية أو الإقليمية ، هو أمر محسوم إما علميا أو منطقيا أو تفرضه التطورات الدولية أو على أسوأ الفروض فهو لا يستحق كل تلك العقود من الزمان لحسمه ·· مما يعني استمرار دوران الأمة في الحلقة المفرغة إذا لم تنكسر هذه الحلقة بصورة أو بأخرى ·
إن أمن الدولة و الأخطار التي تواجهها و تحديات تطورها و نمائها مرتبطة إلى حد كبير بظروف العولمة والتطورات الدولية و الإقليمية و المصالح الاستراتيجية الإقليمية والدولية و التطورات العلمية و التقنية ومدى التوصل لاتفاق استراتيجي للتعاون مع الأسرة الدولية لتبادل المصالح ، خاصة والسودان دولـة تمتلك ثروات طبيعية ضخمة ·· سودانية من حيث الملكية ·· عالمية من حيث الاستهلاك ، وهي من الضخامة بحيث لم و لن يغيب عنها التخطيط الاستراتيجي الدولي والإقليمي الشيء الذي يتطلب تخطيطاً مقابلاً حتى تتحقق المصالح العادلة للدولة وينعكس إيجاباً على الأمن القومي السوداني ·· كل ذلك يعني أن إغفال الاتفاق الوطني لهذه البنود يعني التوصل لاتفاق وطنـي قاصر ، و بالتالـي استمرار دوران البلاد في الحلقة المفرغة واستمرار تهديد الأمن القومي السوداني أو فرض واقع سياسي جديد يستـنـزف موارد البلاد لصالح القوى الأجنبية في ظل الغفلة المحلية ، أو تعطيل استغلالها ··
لماذا تأخر السودان وتقدم غيره؟!
برغم مرور 47 عاماً على استقلال السودان 1956-،2003 وبرغم الموارد الطبيعية الهائلة التي حباها الله لهذه البلاد والموقع الجغرافي المتميز على البحر الأحمر شرقاً وعلى جنوب و شرق و غرب إفريقيا ، فهو لا يزال يرزح في نير الفقر والتخـلف ويقف في مؤخرة دول العالم ضعيفاً مستسلماً متنازلاً أو في خانة المدافع دائماً ·· لماذا ؟ ·
ظهرت دول على الساحة الدولية كقوى اقتصادية جديدة كانت عند استقلال السودان في ظروف أسوأ من السودان ·· يتضح لنا ذلك من خلال المقارنة التالية التي أجريناها بين السودان و بعض دول شرق آسيا ··
السودان يمتلك موارد طبيعية ضخمة متنوعة قلما توجد في مكان واحد في العالم وبكميات اقتصادية ·· مقابل دول فقيرة تماماً في تلك الموارد ·
أراض زراعية خصبة وبمساحات شاسعة ومياه وفيرة من الأمطار والأنهار والآبار ·· مقابل العكس تماماً · موقع جغرافي مميز على البحر الأحمر قرب الأسواق العالمية ·· مقابل تلك الدول الأبعد جغرافياً عن أسواق العالم ·
خدمة مدنية متقدمة في السودان كانت سبباً في لجوء العديد من الدول لتدريب أبنائها فيه ·· مقابل ظروف أسوأ في تلك الدول نتيجة خروجها منهكة من الحرب العالمية (سكك حديد السودان كانت الثانية عالمياً بعد الخطوط البريطانية آنذاك ·· أول جهاز للأشعة دخل السودان يقال انه الثالث بين دول العالم ، وهذا يعكس مدى تقدم الخدمات الصحية ·· الدقة في المواعيد والانضباط في الخدمة المدنية تعكس مدى تقدم الخدمة المدنية آنذاك ) ·
ظروف اجتماعية رفيعة ومتقدمة في السودان مقابل تشوهات اجتماعية رهيبة في فترة ما بعد الحرب من انتشار للمخدرات و التفسخ الأخلاقي وهبوط المعنويات الناجم عن الحرب و الفقر المدقع في تلك الدول ·
موارد بشرية سودانية تتمتع بذكاء فطري يتميز على كثير من شعوب العالم وفقاً لدراسات أجنبية · بالرغم من كل ذلك يتأخر السـودان صاحب كل مقومات النهضة و يتقدم الآخرون ·· لماذا ·· ؟
إن دراسة حالات المخاض لعدد من الدول المتقدمة الآن (الفقيرة أو المنهكة أو المعدمة قبل 50 عاماً ) لفترة ما قبل الاتفاق الوطني ، تدل على وجود خلل استراتيجي كبير في الممارسة السياسية ووجود أبعاد ظلت مفقودة منذ ذلك الزمان وحتى الآن ، هي السبب فيما السودان فيه من تخلف وهي السبب لاستمرار التخلف وإضافة مزيد من الفقر والهوان والضعف للدولة والمواطن إذا ما استمر الحال على ما هو عليه دون تغيير جذري ·
علمية العالم ·· وشراسته
إن هذه الدراسة تصب في خانة البحث عن الأبعاد المفقودة في السودان والتي كانت السبب المباشر في تدهور السودان ، ولعل من أهم تلك الأبعاد المفقودة : هي غياب استخدام المنهجية العلمية في إدارة الدولة ومؤسساتها المختلفة ·· الممارسة التقليدية للسياسة المبنية على الأساليب البالية و الشعارات البراقة والوعود وما إلى ذلك ·· أولوية المصالح الحزبية والشخصية على مصالح الوطن ·· الانشغال بالصراع حول السلطة دون التفكير فيما ينبغي أن نفعل بتلك السلطة ·· غياب الفكر والأهداف والرؤى الاستراتيجية في عالم تسوده استراتيجيات غاية في الدقة والإتقان ويتعامل بمنتهى العلمية والشراسة في سبيل تحقيق مصالحه ··
بعد دراسه للمتغيرات الدولية والإقليمية والمحلية والتطورات العلمية ، يرى أن التفاعل الإيجابي مع العالم وتحقيق المصالح الاستراتيجية العادلة للسودان يتوقف على مدى انتهاج الأساليب العلمية في إدارة الدولة ومدى وجود تخطيط استراتيجي متقن يراعي كافة تلك المتغيرات و يؤمّن ثروات البلاد و يعمل على استغلالها الاستغلال الأمثل ·· نرى من واقع هذا البحث أن ضخامة الثروة الطبيعية للبلاد تعني حتمية التعاون مع العالم ، إلا أن أي تعاون لا يمكن أن يكون إيجابياً وفاعلاً ويؤدي إلى تحقيق مصالح عادلة للبلاد ما لم تسبقه ترتيبات استراتيجية يقف على رأسها التكتل الإقليمي في عالم اصبح لا مجال فيه للكيانات الصغيرة ·
مساحة المال العربي
ينتهي الكاتب في هذه الحلقة إلى الحديث عن المساهمة العربية في اعمار الجنوب ، حيث يقول : إن قضية إعمار جنوب السودان وإحداث التنمية فيه، ليس لمصلحة السودان وحده وإنما لمصالحهم جميعاً لأنه إذا كانت هنالك إرادة في القرار وصدق في الالتزام به وتنفيذه فإن نجاح هذا العمل سيعد منطلقاً للعمل العربي المشترك الذي يمكن من خلاله أن تتبلور استراتيجية عربية شاملة تعكس ضرورة التكامل العربي المشترك الذي ستكون له أصداء واسعة جداً في إفريقيا كلها التي تنظر الى العرب بعين ملؤها التطلع والأمل في الإسهام في تبديل الواقع الاقتصادي والاجتماعي في أنحائها وأن ذلك إذا ما حدث فستكون لرأس المال العربي مساحات شاسعة للغاية ليتمدد فيها وعلينا أن نفكر في العائد بشكل مباشر أو غير مباشر من تحقق هذا الهدف· إننا في تلك الحالة سنكسب ثقة قارة يتحدث العالم عن أنها قارة المستقبل وترسم من حولها الاستراتيجيات الدولية فسيكون للسودان بها دور الريادة في صنع مستقبل إفريقيا عبر علاقة ملؤها الصداقة والاحترام المتبادل خاصة ونحن الأقرب الى دولها وشعوبها· وبذلك سوف يتسنى لنا إزالة الكم الهائل من التوجس والشكوك التي دانت على الأفارقة إزاء السودان والعرب·· وهي توجسات وشكوك نشأت بسبب الممارسات الخاطئة بحسن النوايا من العرب والسودانيين تجاه أفريقيا وبسبب الدعايات التي روجت من أن العرب يهدفون الى فرض وبسط هيمنتهم ثقافياً ودينياً وأنهم ليسوا حملة لمشاعر الحضارة الإنسانية وإذا أراد العرب أن يدحضوا كل تلك الاتهامات وأن يبطلوا كل تلك المزاعم فعليهم أي العرب القيام بخطوات عملية تهيىء كل الظروف تجاه التنمية في جنوب السودان·· فإذا جاءت ثمرة هذا الاجتماع على نحو إيجابي ومثمر فستكون هي الرد العملي المنتظر الذي من شأنه أن يدحض كل الاتهامات ويبطل المزاعم المصاحبة لها· لأن الإنسان في عالم اليوم ما عادت تستهويه الشعارات الفارغة المضمون التي تنطوي على أحلام وطموحات قد لا تتحقق وإنما يتجاوب مع الأرقام والحقائق والعمل الملموس على أرض الواقع برؤية خطوات تتقدم صوب المرامي الجسام· ووفقا لهذا المطلب الأخلاقي لمد أواصر العلائق والتكتل الأقليمي وفرض السلوك الأخلاقي الذي ينبذ العنف ·