قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

مجدي الكساب: ربما يكون التحول العالمي من التركيز على الإصلاحات السياسية والتحول إلى الإصلاحات الاقتصادية في البلدان المشمولة بهذه القائمة مجرد ''لعبة جديدة'' على المسرح العالمي المليء بالأحداث الدامية والتطورات المرعبة التي ستقود المنطقة إلى هاوية غير مسبوقة في تاريخ البشرية التي أصبحت تعاني ظروفا معيشية قاسية في ظل متغيرات وتقلبات دولية متسارعة فضلا عن أنها محاولة لمزيد من التهدئة لشعوب المنطقة التي سئمت دعوات ومبادرات الإصلاح السياسي غير المقنعة لأغلبها خصوصا بعد أن عصفت بها ظروف قاسية أدت إلى اتساع بؤرة الفقر المدقع·
وتكون الاصلاحات الاقتصادية بصورة فضلى إن اخذ القائمين عليها اولوية مساعدة الفقراء وانتشالهم من بؤرة الفقر المدقع الذي يلم بهذه الطبقة ولا يمكن الحكم على ماهية ذلك التوجه ''الاصلاح الاقتصادي'' ما لم تتضح معالمه بصورة قوية للجميع ومعرفة مدى الفائدة التي ستعم الفقراء وتسد افواه ملايين الجوعى المنتشرين في المعمورة، فضلا عن الالية التي سيكون عليها من حيث توزيع مكاسب التنمية وعوائد الموارد التي تتمتع بها الدول، فالبحث عن لقمة العيش يشكل هما كبيرا لا يدركه الا من يعاني منه ويقع تحت وطأة الفقر والجوع والحرمان·
ولا يخلو جانب التحول أو التغيير الدراماتيكي في الإصلاحات من مسألة الإخفاق بتحقيقها على مستوى المنطقة رغم الضغوطات الخارجية وتبعاتها نتيجة لوجود مصالح ذاتية مشتركة بين من هم مقصودون بالإصلاحات والتغييرات والقوى الخارجية التي تقودها مما أوجد هذا القاسم المشترك الذي يؤدي بالتالي إلى تنفيذ إملاءاتها على شعوب المنطقة وصولا إلى تحقيق أهدافها ومطامعها ذات الحدود الواسعة بالاستيلاء على ثروات المنطقة وتجيرها لذاتها·
وان كانت الدعوة للإصلاحات تلك جاءت من المبادرة الأمريكية التي أطلقها الرئيس جورج بوش في فبراير الماضي وحملت اسم مبادرة الشرق الأوسط الكبير'' بهدف تطويره وإصلاحه فإنها لم تترك أي آثار أو بصمات على خارطة المنطقة السياسية نتيجة للتغيرات والمستجدات التي شهدتها بحيث أصبحت مجرد مبادرة شبيهة لأي إجراءات قصيرة المدى فضلا عن غياب التهيئة الواقعية لها والمرتبطة بالكثير من الأمور التي كان يجب أن يكون عليها العالم قبل أي توجه في هذا الشأن الاصلاحي الذي كان إجراء حتميا بسبب أحداث سبتمبر ومخاوفها بإرباك الغرب من أي هجمات محتملة·
وبينما تبع ذلك أيضا الكثير من الخطوات التي ظهرت على الساحة العالمية لمحاربة الإرهاب الذي اخذ بعدا على نحو أثقل كاهل السلطات تحسبا من هجمات إرهابية على مواقع استراتيجية فان سمة التشديد على إدخال الإصلاحات برزت بشكل واضح في أعقاب لغة التهديد وتصاعد حمى الإرهاب العالمي الذي انطلق من بؤر عالمية مختلفة ترتكز على مبادئها في تنفيذ مخططاتها التي طالت أهدافا أربكت الدول وشعوبها وجعلتها أكثر حذرا في التعامل مع الأفراد في مطاراتها وسفاراتها وغيرها من منشآت وقطاعات حيوية ذات أهمية فضلا عن رفع وتيرة الاستعدادات ورصد تحركات الجماعات المتهمة بالإرهاب وتخصيص الأموال الطائلة في ميزانياتها لمكافحة الإرهاب إضافة إلى التركيز على تدريب عناصر المكافحة والمطاردة على حساب اولويات لأتقل أهمية عن درء مخاطر الهجمات والاعتداءات التي اثرت في مجريات الاحداث والتطور العالمي لتكون وقعا خطيرا على الخريطة الدولية الحبلى بالصراعات والأزمات التي يمكن حصر اضرارها على فئات معينة·
ومن الصعب ان يكون حديث وضغط القوى العالمية باتجاه تنفيذ الإصلاحات وتحقيقها وفقا لرؤيتها دون أن تعمل جادة بالتعاون مع كافة الأقطاب على مواجهة خطر الفقر والجوع الذي يجتاح الدول النامية ذات الموارد الفقيرة ونسب البطالة العالية، فالعالم هنا سيواجه وضعا إنسانيا غير طبيعي من حيث ارتفاع نسبة الجوعى ووجود الفوارق الكبيرة بين الطبقات الاجتماعية إذ ستزول الطبقة المتوسطة نهائيا وتبقى تلك التي تعيش في أبراج عاجية ''البرجوازية'' صاحبة المال والنفوذ القوي وتلك المسحوقة التي تبحث عن قوتها اليومي لسد رمق الأطفال والشيوخ والنساء، فكل ما تريده هو العيش بكرامة·
وان كانت الإصلاحات ضرورة ملحة لدفع عجلة النمو وتحقيق الاستقرار المعيشي والأمني للشعوب فانه يتوجب التعامل معها بواقعية دون التدخل بشؤون الاخرين من قبل القوى العظمى بحيث تكون إصلاحات داخلية نابعة من افكار وطموحات الشعوب التي ترى اولويات بناء مستقبلها واحتياجاتها الفعلية دون تدخل الاخرين باعتبارها أداء ضاغطة ومؤثرة على الساحة المحلية في بلادها وأن أي مفهوم للإصلاحات لا يرتبط بتحقيق العدالة الاجتماعية يكون مبتورا وغير متوافق مع تطلعات الشعوب، فالعدالة يجب ان تكون سائدة بين جميع الطبقات الاجتماعية وركيزة للا صلاح، فالأصوات ترتفع وتشتد وتيرتها مطالبة بالعدالة وإحقاق الحق وسيادة القانون ومحاربة الفساد وملاحقة المفسدين واستئصالهم من مجتمعاتهم خصوصا تلك التي غرقت في مديونيات أصابت اقتصادياتها بعجز كلي أدى إلى فشل خططها الاقتصادية وتوقف حركة النمو·
ومحاربة الفساد والمفسدين في تلك الدول هو شأن داخلي يرتبط بالعزيمة والاصرار الاكيد على تبني مسألة المحاسبة التي تواجه بصعوبات كبيرة تحول دون تنفيذها للوصول الى تشريعات وقوانين حازمة في هذا الاتجاه يضع حدا لتنامي نسب الفساد المالي والاداري المستوطن في قطاعات وصل اغلب القائمين عليها الى اعلى درجات الثراء الفاحش وسط غياب الرقابة والحماية اللازمة للاموال العامة التي كانت عرضة للسرقة من اياد غير مؤتمنة تطاولت على المال العام·
وإن رفضت أغلبية الشعوب لفكرة الإصلاحات فإنها تحنو الى ايجاد تدابير محلية عاجلة تصوب الاوضاع وتعدلها في مساراتها الصحيحة باحلال العدالة الاجتماعية وتوزيع عادل لمكاسب التنمية على غرار دول سباقة في هذا المجال جعلت انسانها محور اهتمامها في اولويات عملها وطموحاتها القائمة على مبدأ ''حياة كريمة لكل فرد'' فضلا عن توفيرها الحماية اللازمة والرعاية والاهتمام لابنائها اينما كانوا·
وتميل أغلبية العرب إلى أفضلية تحسين الأوضاع المعيشية في بلادهم على الإصلاح السياسي، يرفضون أي تدخلات خارجية في شؤونهم الداخلية وذلك حسب استطلاع أجرته مؤسسة زغبي ونشرت نتائجه مؤخرا والمتمثلة برغبة المشاركين في الاستطلاع بزيادة فرص العمل وحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وتحسين الرعاية الصحية والتي تصدرت قائمة أهم عشر قضايا في العالم العربي·
ولم يخفوا رغبتهم ايضا في توفير فرص التعليم والقضاء على التطرف والحفاظ على الحقوق المدنية والديمقراطية والتعددية في حين كانت الإصلاحات وتعزيز الحوار السياسي ودعم حقوق المرأة في ذيل القائمة التي تعطي مؤشرا عن اولويات الشارع العربي بالتركيز على تحسين ظروفه المعيشية نتيجة لحالة السوء التي تحيط به ''احاطة السوار بالمعصم''·
وضمنوا الى رغباتهم في الاستطلاع أن يكون هنالك دور اكثر فاعلية للولايات المتحدة الامريكية في المنطقة يكمن في حل القضية الفلسطينية محور الصراع القائم في المنطقة على وجه العموم بحيث مالت نسبة كبيرة من المشاركين في الاستطلاع الى هذه الرغبة التي تمثل ايضا امنيات الملايين من شعوب المنطقة·
وكان الاستطلاع الذي أجري لحساب المعهد العربي الأمريكي في واشنطن شمل ''''2600 عربي من الأردن ولبنان والمغرب والسعودية والإمارات·
ووسط تجاهل العالم لنداءات الشعوب الفقيرة فان دائرة الفقر تتوسع تدريجيا في أرجاء العالم فيعيش نحو''2,8 مليار'' نسمة نصف سكان العالم يوميا بأقل من دولارين أمريكيين وأكثر من مليار منهم يواجهون فقر مدقع، بما فيهم فقراء الدول العربية والإسلامية، فهذه الصورة القاتمة للعالم تجعل من إجراء الإصلاحات أمرا في غاية الصعوبة نتيجة لعدم تدارك أولوية الغذاء واستئصال وباء الفقر فضلا عن اصطدام ذلك التوجه برفض الشعوب التي تحتاج إلى المزيد من الرعاية والاهتمام·
وبينما تتركز بؤر الفقر المدقع حسب السجلات الرسمية للهئيات الدولية المعنية بقضايا التنمية والفقر في حوالي 50 بلدا فان العدد مرشحا الى الزيادة في غضون السنوات المقبلة ان لم تكن هنالك مبادرات جادة على المستوى العالمي لتخفيف وطأة الفقر والجوع تعطي هذا الجانب الإنساني الأولوية القصوى في مشاريع التنمية، وليس ''نوعا من التشاؤم'' فان صراعا عنيفا سيشهده العالم في وقت قريب فجميع المعطيات والمؤشرات تميل إلى هذا التوقع على ضوء زيادة عدد الأسر الفقيرة وافتقارها إلى أدنى متطلبات المعيشة القوت اليومي فضلا عن الصراع الأعنف على المياه والذي بدأ يظهر تدريجيا في منتصف الثمانينات حيث شح الموارد المائية وانخفاض المنسوب الجوفي إضافة إلى الاعتداءات غير المشروعة من قبل بعض الدول على موارد دول الجوار·
وحالة الصراع والتسابق العالمي نحو مزيد من المزايا للدول القوية يجعل نداءات الشعوب الفقيرة في مهب الريح ولا يغفل في هذا السياق أن الاوضاع العالمية بكافة اطيافها لا تبعث على الارتياح والاطمئنان شبه المفقود في ظل تعدد اهتمامات المنظومة الدولية وانصرافها نحو امور بعيدة·
ومن يتابع ملامح الخارطة العالمية وتقسيماتها غير المتوازنة يلاحظ حالة الصراع وماراثون التسابق الذي تقودة دول قوية لتعزيز تواجدها بقوة وتحقيق ما تطمح اليه من خلال تكتلاتها واتفاقياتها التي تكون وفقا لمصالحها ورغباتها في السيطرة العسكرية والاقتصادية والسياسية مقابل حالة يصعب وصفها لشعوب فقيرة في مهب الريح تولد لديها عنفوان الكراهية والسخط المبرر على اولئلك الذين يتحكمون بمصيرها وجعلها في عيشة صعبة·