قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

في مراجعة سريعة لأحداث عام 2004، نرى أنه عام يستحقّ التوقّف عنده فعلاً، لأن عدداً من الأمور المفهوماتية والحياتية، بدأت تتغيّر فعلاً وتتخذ منحىً لم نألفه من قبل، لا بل ويتناقض مع كلّ ما تعلمناه وآمنّا به. ولا غرابة في أن تستأثر أحداث المنطقة التي نعيش بها باهتمامنا وتفكيرنا وتحليلاتنا. وإذا ما اخترنا البداية من العراق مثلاً، واستبعدنا «أسلحة الدمار الشامل»، التي تمّ شنّ الحرب لإزالتها، فإننا نرى أن احتلال العراق قد تمّ لاحقاً باسم الحرص على تحرير شعب العراق وإحلال نظام ديمقراطي «يكون نموذجاً في المنطقة»، ولكن نظرة سريعة على كلّ الانتهاكات والجرائم التي تمّ ارتكابها في سجن أبو غريب والفلوجة وغيرهما، والعنف المتواصل الذي يحصد أرواح المدنيين العزّل، والممارسات الإرهابية التي انتشرت بشكل يهدد أمن وسلامة العراق والدول المجاورة له على حد سواء، تشير إلى انفصام كامل بين المعلن من قبل من أتوا لترسيخ مسألة حقوق الإنسان والديمقراطية في البلاد، وبين الواقع الفعلي للحياة في العراق. وبعد ما يقارب العامين من الاحتلال الأجنبي للعراق، تمّ ترسيخ الحديث عن سنّة وشيعة ومسيحيي وأكراد العراق، كي تستمر محاولة تقسيم العراق وخلق الفرقة بين أبناء الشعب الواحد، أو التقديم لحرب أهلية كي يستمر الاحتلال الأجنبي. كلّ هذا يتمّ تحت شعارات «التحرير» و«الديمقراطية» و«الانتخابات» والبلد ما يزال يئنّ تحت الاحتلال، الأمر الذي يذهل الحسّ الطبيعي بالأمور.
وفي فلسطين أيضاً يتمّ الترويج لانتخابات تحت الاحتلال، ويترافق هذا الجهد مع حرب يوميّة ضدّ المدنيين وهدم منازلهم وقتل أطفالهم ورجالهم ونسائهم في الضفة والقطاع، ومنع المرشحين والناخبين من التحرّك عبر الحواجز، كلّ هذا كي يبرهنوا أن عرفات كان عقبة في طريق السلام وكي يدفعوا العالم إلى تناسي حقيقة هامة وأساسية، وهي أنّ الاحتلال هو العقبة الكأداء في طريق الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، وأن كلّ ما يلبس لبوس الديمقراطية في ظلّ احتلال استيطاني عنصري يستولي كلّ يوم على مزيد من الأرض والمياه، وينكّل كلّ يوم بالجاثمين تحت نيره، يهدف إلى مشاريع أخرى تبتغي تثبيت نتائج الاحتلال ضدّ مصالح وحقوق الشعوب، ولكن بشكل نهائي ودائم وبطريقة تكسب الرأي العام العالمي لصالح قوات الاحتلال. ومن هنا تأتي التصريحات المتلاحقة عن «الدولة الفلسطينية» التي يبدو أنها أصبحت مطلباً إسرائيلياً، بعد أن حاربتها لعقود طويلة كما كتب الكاتب عزمي بشارة لأن السؤال الأهم هو أي دولة وبأي حدود وبأي شروط ولأيّ فلسطينيين في المنافي ومع أيّ قدس؟ هذه هي الأسئلة الحيوية التي تشكّل عصب النضال الوطني الفلسطيني، التي يراد لهذه الدولة أن تلغيها، وتستبدلها بمفهوم جديد هو «الخلاف على الحدود» بين دولتين: إسرائيلية وفلسطينية!
واللافت للنظر في مجمل هذه القضايا، هو أنّ الرأي العام العالمي يتحرك اليوم وبسرعة لا سابق لها، لتفهّم هذه القضايا في فلسطين والعراق بشكل يقترب من طبيعة الحق العربي، بينما يسير البعض في العالم العربي وراء أوهام «ديمقراطية» شكلية، تكتفي بالترشيح والاقتراع، ترافقهما تغطية إعلامية وسياسية مكثّفة، تستهدف تثبيت الأهداف الحقيقية التي كانت وراء احتلال فلسطين والجولان والعراق.
ففي الوقت الذي تعقد إسرائيل اجتماعاً لسفرائها في الدول الأوروبية، لدراسة مشكلة الصورة التي تعاني منها إسرائيل، وخاصة في الدول الاسكندنافية، حيث يرفض الكثيرون تأجير بيوت أو مقرّات للسفارات الإسرائيلية نتيجة الجرائم التي ترتكبها إسرائيل يومياً بحقّ الشعب الفلسطيني، في هذا الوقت بالذات نرى اندفاعاً في التقارب من قبل بعض العرب نحو شارون، رغم أن الأخير لم يغيّر سياساته. لقد سببت المواقف الأوروبية المتصاعدة لصالح الحق الفلسطيني والعربي غضب شارون، الذي اتهم الدول الأوروبية وليس «العربية» هذه المرة بأنها «لا تتبع نهجاً متوازناً»، ولذلك لا تستطيع المشاركة في العملية السياسية، وأنّ ما يريده من أوروبا هو الضغط على الفلسطينيين لتنفيذ «إصلاحات»، وأكدّ أنّه «مثلما تعارض إسرائيل إدخال قوات دولية، هكذا أيضاً تعارض تدخلاً أوروبياً مباشراً في المفاوضات السياسية». إنّ ترجمة هذا الكلام تعني انبثاق وعي أوروبي حقيقي بمتطلبات السلام في المنطقة، وبواقع الحال الذي يتلخّص في أنّ انتهاكات إسرائيل تشكّل العقبة الأكبر في تحقيق السلام. والردّ الإسرائيلي على هذه المواقف هو توزيع الاتهامات بالإرهاب يميناً وشمالاً، وتوزيع الاتهامات باللاسامية لكلّ من يتجرّأ أن يتحدّث عن جرائم إسرائيل، حتى وإن كان قد شهدها بأمّ عينه، كما حدث مع بيتر هانسن مدير وكالة غوث و تشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الاونروا»، والذي أصبح محطّ هجوم إسرائيلي مكثّف لمجرّد أنه أعلن الحقائق، وفضح الجرائم التي يرتكبها الإسرائيليون بحق الفلسطينيين. فقد أعلن هانسن عن قتل الجيش الإسرائيلي للطفلة الفلسطينية غدير مخيمر وإيمان الهمص في المدرسة التابعة لوكالة الغوث وعن أطفال آخرين، كما تحدّث عن قتل الجيش الإسرائيلي لموظفي الوكالة والذي وصل عددهم إلى (11) شخصاً.
لا شكّ أن تصريحات هانسن سببّت إحراجاً للإدارة الإسرائيلية، وتضاف إلى مثيلاتها كلما ارتفعت أصوات في أوروبا تنتقد سياسة شارون والتي وصلت إلى المطالبة بعزل إسرائيل دولياً، أسوةً بمصير دولة جنوب أفريقيا في حقبة التمييز العنصري. ولذلك بدأ الضغط الإسرائيلي على الكونغرس الأمريكي من أجل عدم التجديد لمدير الوكالة هانسن. ورغم التوقعات أنّ الأمم المتحدة لن ترضخ، إلا أننا قرأنا مؤخراً أنّ الأمين العام للأمم المتحدة لن يجدّد لبيتر هانسن كمدير لوكالة الغوث «الاونروا» لأنه هو نفسه مهدداً أيضاً بالضغوط بالعزلة..!
وهكذا فإن تطور الأحداث في المنطقة طوال عام 2004، يوضّح بشكل جليّ استمرار الضعف العربي أمام مخططات استعمارية استيطانية في فلسطين واستنزاف العراق، وإيهام العرب بأن لا مجال لديهم سوى السير في الركب مع إسرائيل وحلفائها والسكوت عن جرائمها وعدوانها، في الوقت الذي يحدث تحوّل جوهري في الرأي العام لصالح الحقوق العربية، وإن تزامن هذا التحوّل مع جهود إسرائيلية مكثّفة لكمّ الأفواه وإغلاق الفضائيات وتسريح من لا يسكت عن جرائم إسرائيل من المنظمات الدولية، واتهام من يطالب بالحق العربي والأرض العربية بالإرهاب أو اللاسامية. ورغم أنّ المسلمين والمسيحيين واليهود عاشوا في المنطقة طوال قرون معاً نظراً لطبيعة الإسلام المتسامحة، التي تقبل الآخر وتعتبره جزءاً متكاملاً من الحياة، ورغم أنّه لا يوجد في الثقافة والتاريخ الإسلامي أي حادث أو واعز لاضطهاد اليهود أو غيرهم من معتنقي الديانات والعقائد الدينية، فإن حملات التضليل الإعلامي والمفهوماتي التي تنطلق من إسرائيل مستمرّه في هذا المجال، لتصل إلى الكونغرس ومنه إلى الأمم المتحدة أو أوروبا، مع ممارسة ضغوط سياسية على السياسيين وقمع الإعلام الحرّ.
وقد ترافق كل ذلك عام 2004 مع خلل واضح في النظام السياسي العربي وانكشاف ضعف بعض الكيانات السياسية العربية أمام الضغوط الخارجية، والحملات الابتزازية التي تستهدف إرادتهم قبل كلّ شيء. لقد تمّ تغيير العالم بما فيه المفاهيم السائدة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، باستخدام القوة العسكرية والسياسية المفرطة. وهناك محاولات لاستعادة جزء من توازن فيما يخصّ قضايا الإرهاب، ولكن الوضع الرسمي العربي بعيد عنها، ولذلك فإن الإجهاز على الأرض العربية حرب ما تزال مستمرّة، كما هو حال من ينتقد جرائم الحرب. والسؤال هو ما الذي سيتغير عام 2005 هل سيكون عاماً مكمًلاً وتابعاً في تطوراته وأحداثه للأعوام التي سبقته، أم هل سيتغير الوضع العربي الرسمي بعد أن تجرى الانتخابات الموعودة في العراق وفلسطين؟ وهل سيعود لهذه المنطقة اعتبارها لأنها أنجبت الرسل والأنبياء وانطلقت منها الرسائل السماوية ورسل المحبّة والسلام للعالم برمّته؟ الإجابة تكمن في الحقيقة الأبدية التي تمثّلها الآية الكريمة «لا يغيّر الله ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم»، لقد سئم العرب جميعاً من المحيط إلى الخليج، صور إذلال العرب. فهل من حركة تعيد للعرب كرامتهم، وتنقل أصواتهم لتتوحد مع الأصوات الباحثة عن الحقّ والعدالة في منطقتنا والعالم؟