قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لئن كانت السياسة العربية تعج بالمضحكات المبكيات، فإن الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي يأبى إلا أن تكون تصريحاته وأحاديثه لوسائل الإعلام في المقدمة من ذلك كله، ربما استناداً إلى بيت الشعر العربي الأثير:
لنا (الصدر) دون العالمين أو (القبر)!
قبل أسبوع كان وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل يعلن في مؤتمر صحافي أن بلاده قررت سحب السفير السعودي لدى ليبيا وطرد السفير الليبي لدى السعودية، احتجاجاً على دعم طرابلس لمحاولة اغتيال ولي العهد السعودي التي كان مصيرها الفشل. وقال الفيصل إن بلاده اكتفت بهذا الإجراء تقديراً للشعب الليبي، وبخاصة وموسم الحج على الأبواب، في إشارة إلى أن السعوديين حرصوا على ألا يتأثر الحجاج الليبيون بما تهشم من علاقة بين البلدين.
لكن القذافي خرج علينا في حديثه لـ"الجزيرة" بخلاف ما يعرفه القاصي والداني، مشيراً إلى أنه لا خلاف بين ليبيا والسعودية، رافضاً ما تردد عن وساطة مصرية لترميم العلاقة بين الرياض وطرابلس، وقال: "ليست هناك حاجة لأي وساطة ولا يوجد شيء بين ليبيا والسعودية، وإذا كانت صحيفة أميركية قد ذكرت شيئاً ما، فلماذا تتبادل طرابلس والرياض التراشق بالألفاظ؟".
وأضاف الزعيم الليبي: "يمكن أن يحدث ذلك إذا اكتُشِفَ شيء ما، ولكن ليس بسبب ما تقوله صحيفة أميركية"!
قال القذافي كل ذلك وكأنه طرف ثالث في القضية وليس طرفاً رئيساً، وكأن الرياض لم تعلن عن محاولة اغتيال ولي عهدها، وتشير بأصابع الاتهام فيما يتعلق بالتمويل صوب ليبيا وإلى زعيمها بالذات، وكأن المسؤولين الأميركيين لم يتحدثوا من قبل عن تأكيدات فيما يتعلق بمحاولة الاغتيال الفاشلة، وكأن واشنطن لم تعتقل عبدالرحمن العمودي بتهمة زيارة ليبيا بضع مرات، وكأن العمودي لم يصرح بأنه ضالع في التنسيق للمؤامرة بين القذافي (المموِّل) وبين عناصر متشددة كانت تستعد لتنفيذ المحاولة بإطلاق صواريخ في مكة المكرمة تستهدف موكب ولي العهد السعودي، وكأن الأمر فقط اقتصر على خبر أوردته صحيفة أميركية (صفراء) فاقعٌ لونها تسوء الناظرين!
لو أن العقيد الليبي قال إن هذا الخلاف من طرف واحد هو السعودية لكان هذا مفهوماً، ولو أنه اعتبر إجراء الرياض بسحب سفيرها وطرد السفير الليبي تصعيداً لا مبرر له من وجهة نظره، لأنه لم يمول في حياته أي عمل ضد (السلم العالمي)، الذي ساهم فيه من خلال تخلي ليبيا عن مشروعها النووي كما قال، لكان هذا سائغاً لنا نحن معاشر المراقبين الذين لم تصل أفهامنا إلى درجة العقل (الأخضر) الذي يتمتع به العقيد الزعيم!
غير أن تصريح القذافي عن الخلاف الليبي- السعودي، لم يكن وحده الحقيق بالتعليق، فقد أمتعني العقيد في إجابته عن التحول الذي أصاب علاقته مع الولايات المتحدة، ذاك الذي أحال العداء صداقة، والكراهية محبة، والنقمة نعمة، معتبراً أن واشنطن هي التي تغيرت عندما أصبحت أهدافها مؤيدة لمبادئ الثورة الليبية، ما أدى إلى تقاطع المصالح وساهم في التقارب بين البلدين.
لقد اعتبر الزعيم الليبي نفسه وبلاده ثابتاً في معادلة العلاقة مع واشنطن، وهذه الأخيرة هي المتغير، ولا نملك إلا أن نحمد الله تعالى أن فتح على قلوب الأميركيين ليتغيروا، وهداهم ليتبدلوا، ويدركوا مصلحتهم، قبل أن تصيبهم قارعة، أو يصيبهم عذاب أليم!.