قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

«نطحت» منظمة «القاعدة» رأس السنة الجديدة بعملية مزدوجة، ليتساقط من قرنيها عدد من كوادرها، قتلى على ابواب وزارة الداخلية السعودية ومركز تدريب لقوات الطوارئ.
هاتان الهجمتان الانتحاريتان ، لم تحققا عائدا «ماديا» يذكر، فلا قتلى ولا دمار في الاهداف المضروبة ، على العكس من هذا، كانت «القاعدة» هذه المرة تصرف رصيدا وافرا من بشرها، لدينا 5 انتحاريين نفذوا العملية المزودجة شمال وشرق الرياض، منهم عناصر مهمة وبعضهم على قائمة الـ26 مطلوبا، كعبد الله ابو نيان السبيعي ، الذي شارك في عملية احتجاز رهائن مجمع الواحة في مدينة الخبر في شهر مايو(أيار) الماضي ، وفي هذه العملية اسهم ابو نيان في التمثيل بجثث القتلى الغربيين. وسقط أيضا ابراهيم الريمي، الذي ترددت اخبار عن اضطلاعه بدور قيادي، وكذلك بدر السبيعي الذي وصفه بيان الداخلية بنائب رئيس التنظيم ... الخ
المحزن كان اشتراك شبان صغار جدا، مثل محمد محسن العصيمي 22 سنة. هذا الفتى الصغير كان معتقلا سابقا افرج عنه بكفالة من ذويه ، لكنه اختفى لينضم الى «القاعدة»، حقا كم هي قصص مؤلمة تقبع خلف هذا الجنون الانتحاري.
إذن، هي عملية مخفقة، بمعيار النتائج المادية لها، فلا قتلى ولا دمار، مثلما تم في عمليات «القاعدة» الماضية، وخصوصا عملية مجمع المحيا السكني (9 نوفمبر2003) ، وعملية حي الوشم التي استهدفت مجمعا للامن العام بسيارة يقودها الانتحاري عبد العزيز المديهش (21 ابريل الماضي).
لكن هل هذه هي كل الصورة ؟ اعتقد ان الجواب يحتاج الى تأمل وهدوء، فالمؤكد أن «القاعدة» لن تصل الى غايتها النهائية من أعمالها، والمتمثلة بفرض نموذجها السياسي والاجتماعي والفكري، أي بكلمة واحدة ، الامساك بالدولة والمجتمع وإدارتهما وفق نموذج أصولي حربي ، على غرار طالبان ، لن تصل «القاعدة» إلى هذه الغاية لأسباب موضوعية كثيرة ، لا علاقة لها بكرهنا أو حب بعضنا لخيارات الاصوليين المتعسكرين.
مشكلة منظمة القاعدة ، أنها مرفودة بفكر سريع الاشتعال قصير الاستخدام ، بل هو يمثل أقصر النماذج الاسلاموية عمرا وأقلها صبرا، خطاب مثل عود الثقاب يشعل ويشتعل ، ولكنه ليس حطبا صلبا يدفئ الجسد ، وينضج الطعام ويصهر الأشياء.
ثم هو، قبل ذلك، محكوم بأفق مسدود. فكر الجهادية السلفية عموما، الذي انبثقت القاعدة منه ، وشكلته أيضا، لا يملك أفقا سياسيا، ولا رؤية حقيقية للواقع وإشكالاته المعقدة ، فهل من المعقول ان يكون عبد العزيز المقرن، مثلا، قادرا على إدارة الحياة الاقتصادية وتشابكاتها اللامتناهية ، في ظل واقع اقتصادي متعولم. ماذا سيفعلون بربكم ، هل سيجلسون ليرددوا قصائد وأناشيد الجهاد في سبيل الله؟!
إنها حركة ساذجة ، ككل الرومانسيات الخلاصية الاخرى ، خصوصا ذات الصبغة الدينية. إنه الواقع اكبر من محاصرته في قمقم الشعارات ، الواقع حركة والشعار سكون، ولن يحكم السكون حركة ابدا...
غير أن كل ماضي لا يجعلنا نقلل من أهمية عملية رأس السنة في الرياض ، خصوصا بعد أن أفصح أسامة بن لادن عن تأييده لعملية القنصلية الامريكية في جدة ، ومطالبته بالمزيد ، وتحوله الى استهداف مصالح البلد النفطية بشكل مباشر!
يجب أن لا نستخف بالامر حتى نحسن قراءة الداء ، لنعرف الدواء الانجع ، وفي ظني أن مغزى استهداف وزارة الداخلية هو إرسال رسالة معنوية بأن «القاعدة»، قدر ما تستطيع ستضرب، ولن تخشى الامن السعودي ولا قوات الطوارئ، لا بل ستتوجه «القاعدة» مباشرة اليهم ، قبل أن يقبضوا على افرادها او يقتلوهم، هذه هي رسالة «القاعدة» من وراء عمليتها الاخيرة.
ربما يعتقد البعض أن إرهابيي «القاعدة» قد نجحوا في إيصال هذه الرسالة الرمزية ، ولكن كم كان الثمن ، يجب ان نسأل عن ذلك؟ ثم هل كانت الرسالة واضحة تماما، كما أريد لها؟
لقد خسرت «القاعدة» جراء خروجها من مخابئها، لتوصل هذه الرسالة ، كوادر مهمة ، فبعد لحظات من وقوع العملية ، وقعت معركة خاطفة شرق الرياض قتلت فيها قوات الامن ثمانية ، تحصنوا في احد المساكن ، ابرز من قتل كان بندر الدخيل ، خبير التفخيخ ، واحد ابرز الفاعلين في اكثر من عملية. وقبلها بيوم تم قتل سلطان بن بجاد العتيبي عضو اللجنة الشرعية لـ«القاعدة».
لقد قطعت يديها ، لا لشيء ، الا لتحدث خدشا صغيرا في بشرة خصمها ! إنه تدهور غريب في المجال الذي يفترض انه الوحيد الذي تحسنه «القاعدة» ، وهو النجاعة العسكرية البحتة.
الآن ، وقبل الآن ، هناك امور لا يجوز أن تغيب عن البال، وتبتعد عن الصورة العامة، منها مسألة «التجنيد» ، فمن أين يحصل تنظيم القاعدة على جنوده؟ ومنها مسألة التمويل ، ومنها مسألة الإيواء والاحتضان ، ومنها مسألة المساندة الفكرية والثقافية الخلفية الداعمة ، من دون سلاح ، بل عبر حماية المفاهيم التي أنجبت «القاعدة»، والوقوف بعناد ضد محاولة اصلاحها او نقدها، و«تعويم» المشكلة الفكرية ، عبر الاحالة الى اسباب هامشية او اسباب متوهمة، تستحق النقاش والمعالجة والتعب ... ولكنها ليست سببا مباشرا للارهاب «القاعدي» ، اسباب مثل البطالة وتأخر الاصلاح السياسي ومشاركة المرأة ... وكأن «القاعدة» انما ثارت لعدم توفر الديموقراطية!
من أين جاء جنود العنف الأصولي؟
هذا هو السؤال الذي يجب ان يبقى معلقا فوق رؤوسنا، مثل صخرة طائرة ، أو قل كصخرة سيزيف نحملها على أعناقنا، حتى نستكمل الاجابة الشافية الواضحة عليه.
والجواب ، في بعض مفرداته ، ليس صعبا ولا غامضا، فهناك مشكل ثقافي يفرخ مثل هؤلاء ، لا أقول إنه كل المشكلة ، ولكن لا أقول أيضا إنه بريء من المشكلة. يجب أن نتساءل: هل يساعد الخطاب الديني المتدوال الآن على التسامح ويرسي فكرة التعددية؟ أشك في ذلك ، خصوصا ونحن نرى ونسمع ونقرأ عن حملات الكراهية الدينية التي تشن ضد كل من يختلف عن نمط هذه الثقافة السائدة. فمن الهجمات التفتيشية على معارض الكتب ومصادرة الكتاب «المريب» ، الى الهجوم المتواصل على الصحف والكتاب، وتجييش الشعور الديني ضدهم ، وضد أي حركة للتطوير والتغيير، ومن على منابر المساجد ، الى تأزيم المجتمع برمته ضد العالم والتحديث. اعتقد اننا لم نتحرك بنجاعة كافية لإصلاح هذا العطب الثقافي ، إن خطابا ينتج شخصا متأزما مع مفهوم التسامح ، بأفقه المنفتح على كل العطاءات الانسانية ، دون تمييز ديني او عرقي ، أو أي لون اخر من ألوان التمييز، لا بد أن يكون ضعيف الفعالية في مناهضة فكر «القاعدة» ، نعم ، ليس من الضروري أن يكون كل متلق لهذا الخطاب «قاعدي» ولكن من الأجح ، ان يكون اقرب الى جزيرة «القاعدة» منه الى بر الحضارة والتحضر.
وكم كان معبرا ، حسبما لاحظ بعض الاذكياء، تركيز كثير من الوعاظ والمتحدثين في الاعلام المحلي بعد عملية «القاعدة» الاخيرة ، على إسلامية البلد والناس ، واعتبار ذلك هو المانع من صواب عمل «القاعدة» ! لاحظوا تأزم الخطاب المضاد هنا، القتل ممنوع لان المقتول مسلم ، للأسف ما زلنا بعد في أول الطريق، بل هل أقول لم نصل لبدايته بعد ، في ما خص المواجهة الفكرية «الناجعة» والجذرية مع الفكر الاصولي ، الذي تعسكر مع «القاعدة» ، هو هذا إذن: لم «نقطع» بعد مع الفكر العدو. وهنا يكمن جوهر الازمة الفكرية .
أيها السادة: «القاعدة» الحالية تترنح ، ولن تقدر ابدا على اسقاط دولة ، خصوصا دولة «ثقيلة» بكل المقاييس والاعتبارات مثل السعودية ، هذا شيء في حكم البديهي ، ولكن هذه المنظمة الاصولية لم تختف بعد ، والاكثر ازعاجا ، أنها بوصفها ، «حالة فكرية» وقابلية التفاعل معها، لن تنتهي في الأمد القريب، وهي تفاجئ الكثيرين بالاندلاع بين حين وآخر، فبعد فترة كمون وهدوء قاربت 6 اشهر في السعودية ، عادت لتنفذ في أول الشهر الاخير من السنة المنصرمة عملية القنصلية الامريكية في مدينة جدة، لتضرب في آخره في الرياض.
وليس من تفسير لهذا النشاط الجديد إلا أن تكون «القاعدة» قد بدأت بترتيب أوراقها للعمل مجددا، ولذلك ظلت كامنة الفترة السابقة، أو أن تكون مجرد عمليات متفرقة واجتهادات فردية لا تنتظم ضمن سياق واحد ، كلا الامرين وارد، وكلاهما لا يغيران من اهمية التركيز على الدرس النهائي الذي يقول: لنواجه الفكر الذي أنجب «القاعدة» ، مهما بعدت لحظة الولادة ، هذا الفكر المخاتل والخفي ، والناعم احيانا، هو عدونا الحقيقي والمستمر... والا فإننا سنبقى في ضباب الحيرة طويلا.