قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

"متى يتعلم العرب من تجاربهم السياسية وتتحرر ارادتهم..."

غسان تويني

غسان جبران تويني علامة بارزة ليس في تاريخ لبنان المعاصر، بل عبقرية مشهود لها بالتميز في تاريخ العرب ابان القرن العشرين، اذ كانت شهرة الرجل قد طارت في الآفاق منذ عهد طويل، وكان واحدا من ابرز كتّاب المقال الصحافي في العالم العربي قاطبة على امتداد خمسين سنة... هذا الرجل المثير للجدل هو واحد من ابرز رجالات الثقافة العربية المعاصرة ولقد تميز بخصال قلما تميز غيره بها. ولا يمكنني ان اقرن اسمه بغيره من عمداء الصحافة العربية الذين عاصروه، فلقد بزّهم جميعا وخصوصا في مهنته بسبب ثقافته العليا التي لم يكتسبها غيره من الصحافيين العرب. فضلا عن ان غسان تويني رجل كلمة وموقف في آن واحد، وانه بقي على خطه الفكري الليبرالي ثابتا لم يتزحزح ابدا. ونجح في ريادته الصحافية ابان النصف الثاني من القرن العشرين. انني اعتبره واحدا من عباقرة لبنان الذين اشتهروا بمهنة الصحافة منذ قرابة قرنين من الزمن. واعتقد ان التاريخ سيذكر غسان تويني ويجعله واحدا من اقوى اركان ثقافة العرب في القرن العشرين.

سيرته الشخصية

انه من مواليد العاصمة بيروت في العام 1926 والتي نشأ فيها وتكوّن ودرس وعشقها منذ صغره. وكان تلميذا نجيبا تنقل في مدارس عدة وتعلم على عديد من الرجال الكبار خصوصا ان نشأته كانت مزامنة لعهد الاحتلال الفرنسي. نال بكالوريوس في الفلسفة من الجامعة الاميركية في بيروت في العام 1945، ونال شهادة الماجستير بتفوق في العلوم السياسية في جامعة هارفرد بالولايات المتحدة في العام 1947. وعاد الى لبنان ليعمل في وظائف عدة، اذ عمل لمدة سنة واحدة في تدريس العلوم السياسية بالجامعة الاميركية ببيروت (1947 – 1948). وغدا ولده جبران احد اكبر مساعدي والده، وهو اليوم رئيس مجلس الادارة – المدير العام لـ"النهار" الشهيرة.

وجد غسان ان ذاته لا تتحقق الا من خلال صحيفة سياسية، فكان ان وقف الى جانب والده الاستاذ جبران تويني الذي كان اسس "النهار" الغراء يوم 4 آب 1933 في بيروت، فجاء غسان بكفايته وتخصصه كي يرأس تحريرها في العام 1948، ويتولى شؤونها على امتداد اكثر من نصف قرن وحتى اليوم. اي مضى على عهده في "النهار" البيروتية اكثر من 55 سنة كان خلالها قد اشعل معارك سياسية واثار مشكلات فكرية وفجّر زوابع اجتماعية، فضلا عن تأسيسه "دار النهار" الشهيرة بالطباعة والنشر والتي أثرت الحياة الثقافية والفكرية العربية بالمئات من الاعمال الرائدة على امتداد عقود طوال من السنين. لكن غسان لم يتوانَ عن المشاركة السياسية والارتقاء بمناصب في الدولة اللبنانية، فقد انتخب في العام 1951 نائبا عن جبل لبنان، وانتخب نائبا عن بيروت في الاعوام 1953 – 1957 ثم انتخب داخل المجلس نائبا لرئيسه. وفي العام 1976 عين سفيرا للبنان في الامم المتحدة. ثم اختير وزيرا للاعلام والتربية ونائبا لرئيس مجلس الوزراء اللبناني (1970 – 1971). ونصّب وزيرا للعمل والشؤون الاجتماعية والسياحة والصناعة والنفط (1975 – 1976). واختير رئيسا لجامعة البلمند اللبنانية (1990 – 2002). ولقد غدا رئيس لجنة متحف سرسق في العام 1998. ومنذ ذلك الوقت والرجل متفرغ لجريدته ومؤسسته التي يعاونه في ادارتها ولده جبران.

الدور السياسي

لقد اثرى غسان تويني المكتبة العربية بشتى انواع التآليف والكتب المتنوعة والعديدة وساهم من خلالها بترسيخ فكره السياسي في الثقافة العربية على امتداد نصف قرن من الزمن الصعب. ولكنه متفرغ اليوم لجريدته "النهار" البيروتية التي يرأس تحريرها، وله مقالته السياسية فيها. وقد نجح الرجل في تطوير اساليب العمل الصحافي اللبناني ابان القرن العشرين، وكان له تأثيره في تطور الصحافة العربية، اذ كان وراء ادخال جملة من الميزات والافكار، منها فكرة الملحق الثقافي وملاحق اخرى. كما شهدت جريدته دورا اساسيا في معالجة جملة من القضايا المحلية اللبنانية الصرفة والقضايا العربية والاقليمية التي تخص مشكلات المنطقة المستعصية منذ خمسين سنة ناهيكم عن معالجات "النهار" قضايا دولية يعيشها هذا العالم منذ بعيد الحرب العالمية الثانية حتى اليوم مرورا بالحرب الباردة وانهيار الكتلة الاشتراكية والحروب الخليجية وصولاً الى احداث 11 ايلول 2001 وتداعياتها المستمرة حتى اليوم.

ان صحيفة "النهار" البيروتية عاصرت عهوداً ودولاً وانظمة وزعماء واحداثاً واحزاباً وبرلمانات وخطابات وقوى واجيالاً وصراعات وحروباً وجملة هائلة من الاطياف السياسية، وتضمنت مسيرتها الطويلة ركاماً رصيناً من الادبيات السياسيةوالثقافية والمعلومات الاقتصادية والاخبارية التي تعتبر بحق مصدراً اساسياً لتاريخ القرن العشرين. كما انها كانت الصحيفة العربية الاولى التي رصدها العديد من الانظمة السياسية العربية. وثمة انظمة سياسية منعتها من الدخول هنا او هناك. ولا يفوتني التذكير بأن "النهار" استقطبت على مدى اكثر من نصف قرن العديد من كبار الكتاب والمؤلفين والمراقبين والمحللين السياسييين اللبنانيين والعرب بشكل خاص.

الدور الفكري

وغسان تويني مفكر ليبرالي معاصر لا يمكنه ان يتوقف ابداً مجرد دقائق ليكون خارج هذا الزمن وحركته، انه دوماً في قلب هذا الزمن يدور مع عجلته. بل ان من يسمعه يتكلم ويقدم رؤيته للاشياء والاحداث والوقائع مشخصاً ما يمكن ان يحدث في المستقبل يكتشف في غسان تويني انه كثيراً ما يسبق الزمن، اذ ان تجاربه الغنية وحركته الدائبة تجعله دوماً صاحب رؤية استشرافية للحياة وخصوصاً في التكوينات الصعبة التي تعيشها منطقة الشرق الاوسط. وغسان تويني له امانته الموضوعية في معالجة الامور واعطائها حقها من جميع الجوانب، بل انه يتمتع بخصال انسانية عدة قبل كل شيء خصوصاً ان ثقافته المتنوعة ومعرفته التعامل مع لغتين عالميتين (الانكليزية والفرنسية) قد سمح له ان يتزود كثيراً وطويلاً من بحر واسع الابعاد. كما انه رجل له شجاعته الادبية والسياسية في ان يقول ما يؤمن به ولا يتوانى ابداً عن قول الحقيقة كما هي ولا يخشى في الحق لومة لائم.

ولعل من ابرز ما يعجبني في غسان تويني انه محلل بارع ليس للاحداث فحسب، بل للشخصيات، وخصوصاً القيادية والسياسية، اذ ان له ميزة في معرفة الرجال والنساء وسبر اغوارهم والكشف السريع عن توجهاتهم وافكارهم وخططهم. فضلاًٍ عن قوة مجابهته للخصوم وخصوصاً في الصحافة اللبنانية التي مرت بمراحل شتى تلونت فيها الافكار والسياسات والايديولوجيات بدءاً بعهد الانتداب الفرنسي وانتقالاً الى عهد الاستقلال ومروراً بالثورة القومية ايام جمال عبد الناصر وانتقالاً الى التصادم مع الفلسطينيين واندلاع الحرب الاهلية اللبنانية والدور السوري في لبنان وانتهاء بمرحلة ما بعد مؤتمر الطائف حتى اليوم.

لقد مر غسان بكل مؤسسته التي اصطبغت بشخصيته بكل هذه المراحل الخطيرة وخرج منتصراً منها كونه قد حافظ ليس على حياته فحسب، بل على كيانه كله الذي بناه منذ عشرات السنين.

ما الذي اكتشفته في الرجل؟

لقد التقيت بالرجل مرتين، مرة قبل حوالى عشر سنين ومرة قبل اشهر عدة، واثناء زيارتين لي لبيروت. في الاولى كنا مجتمعين في احدى المناسبات في واحدة من قاعات فندق مخملي ببيروت (لا اذكر اسمه) وكان حاضراً عدد من مثقفين ومفكرين واساتذة ومختصين وصحافيين لبنانيين وعرب، والقى الاستاذ غسان تويني كلمة مؤثرة في ذلك المكان واطال محللاً جملة من الاوضاع الدولية والاقليمية. لمست في الرجل عمقاً هائلاً من الثقافة وصوتاً له القدرة على ان يضع النقاط فوق الحروف. لقد اكتشفت فيه، وأنا المؤرخ المتواضع، مؤرخاً ماهراً صاحب منهج ورؤية، باستطاعته استدعاء البراهين والادلة والشواهد والامثلة التاريخية التي يمكنه توظيفها بكل مهارة وفن من اجل ان يكسب جولته وهو يقدم افكاراً جريئة ليس باستطاعة غيره ان يقتحمها ابداً! كان مغامراً في الخروج بنتائج ثم تبين لي في ما بعد انه صائب في تقديراته للاحداث وسيرورتها التاريخية، فضلاً عن قدرة الرجل في معرفة ما يدور في العالم وحركة القوى الدولية، كما ان باستطاعته قراءة المتغيرات العالمية التي كانت تتبلور عند مطلع التسعينات، وخرج بنتائج اثبتت الايام صدقيتها وحقيقتها.

ان رؤيته الثاقبة للامور تنسجم الى حد كبير مع ما يؤمن به الرجل من افكار ومعتقدات سياسية. انه لبناني قح ولكنه لم يجعل من العروبة قميص عثمان يحمله اينما كان. انه يحترم خصوصياته ويدلي بقوة كيف تكون الامور لدى الآخرين. بل وجدته ينبه من مخاطر محلية واقليمية ودولية، ولكن لا حياة لمن تنادي! لقد اكتشفت في الرجل ايضاً نزعته النقدية وقدرته على تحجيم الخصوم بتهميش ما يقولون وجعل رأيه المحور الاساس في التعامل. وعليه، فان خصومه معروفون دوماً وليس في استطاعتهم منازلته اذ يدركون جيداً مدى قوته ازاءهم.

بعض افكاره الجديدة

غسان تويني الذي رأيته وأنا احضر زائراً في مبنى "نايسلي هول" في محاضرة "منتدى الدراسات الحضارية" في الجامعة الاميركية ببيروت وقدمته الدكتورة منى تقي الدين اميوني، ارتجل الكلام وبدأ يخوض في ظاهرة الارهاب ويحللها سياسياً على نحو رائع متسائلاً: هل الدين هو المسألة، ام الاقتصاد؟ ولم يقتصر على تحليل الحاضر تمهيداً لاستكشاف المستقبل، بل عاد الى التاريخ قائلاً ان جذور الصراعات الحالية تعود الى عهد الفتوحات الغربية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وكان اكثرها تأثيراً احتلال بونابرت مصر الذي يعتبر منطلق العصر الحديث. لقد وجدت تويني يستدعي التواريخ افضل بكثير من مؤرخين عرب مختصين بحقبة التاريخ الحديث والمعاصر، اذ يمتلك ثقافة واسعة في هذا المجال اهلته مثلاً كي ينفي صفة الحرب الاهلية في لبنان لأن تمويل الحرب وميليشياتها واسلحتها والتدخلات فيها لم تكن لبنانية صرفة! غسان له افكاره عن العولمة والشرق الاوسطية والمتوسطية وعن دور كل من تركيا وايران واسرائيل مع معرفة معمقة بالشأن الامبراطوري الاميركي وروما الجديدة. انه الاعرف بتفكك العرب وتساؤلات المستقبل عن كيفية اعادة تركيب أنفسهم، وله رؤيته في سبل نهضتهم بعيداً عن الاستبداد والزيف واقتراباً من الحرية والعصرنة، والحاجة الى مشروع عربي لمجتمع اكثر استقراراً في المستقبل.

واخيراً: ما الذي لا بد من قوله؟

انني اذ اهنئ لمناسبة السنة 2005 الجديدة لبنان الحبيب وكل الاصدقاء والاحبة فيه، ابارك لـ"النهار" الزاهرة هذه السنة الجديدة كواحد من كتابها المعاصرين، ولا يسعني المقام الا ان ازجي بتحياتي وتبريكاتي للاستاذ الكبير غسان تويني كواحد من عمالقة لبنان الكبار، متمنياً له دوام الصحة والعافية وان يبقى شمعة منيرة للاجيال القادمة في رسم معاني المستقبل.