قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

في نوفمبر 1988 زرت دمشق زيارة طويلة امتدت لأكثر من عشرة أيام. كانت زيارتي الثانية لها. والأولي كانت بعد حرب اكتوبر بعام. كانت حوالي منتصف السبعينيات. وفي زيارتي الثانية تعرفت ضمن من تعرفت عليهم إلي ثلاثة من الاصدقاء رحلوا جميعا عن عالمنا. كان أول الراحلين الكاتب المسرحي المتميز سعد الله ونوس وكان ثانيهم الروائي الجميل عبد الرحمن منيف، أما ثالثهم والذي رحل عن عالمنا مؤخرا شعلة العمل والكاتب الموسوعي ممدوح عدوان. الغريب وما أكثر غرائب تلك الأيام إنهم - الثلاثة - ماتوا بمرض واحد هو السرطان اللعين. رغم إننا نسمع حكايات كثيرة عن مرضي انتصروا علي هذا السرطان اللعين. ولكن - وكما قال لي صديق من الأطباء - أنتم تتكلمون عن السرطان باعتباره مرضا واحدا. وتنسون إنه أنواع. عدت إلي أوراقي التي دونتها عن رحلتي الدمشقية بعد العودة منها مباشرة. وتوقفت امام ما دونته عن ممدوح عدوان ثم ما كتبته وقتها عن عبد الرحمن منيف. وسعد الله ونوس. قالوا - من قبل - إن الكتابة للإنسان عمر ثان. وأقول هي عمر أول. وفي قريتي كانوا يقولون إنهم أمسكوا بفرعون ولكن من خطه. وربما لم يكن الفرعون من الذين يقرأون ويكتبون ولكنه الخيال الشعبي الذي يحترم ويقدس الكتابة حتي وإن كان الذين يتكلمون عنه من الأميين. وفي بلاد الشام لي أصدقاء لم أكن قد رأيتهم من قبل، وهناك صداقات التقيت بأصحابها قبل ذلك.
ممدوح عدوان وجه دمشقي أصيل. يترجم ويقول الشعر ويكتب النص المسرحي. وله حضور متفرد ونادر. ومن لا يراه كأنه لم ير دمشق كلها. كنا قبل هذه الرحلة أصدقاء دون أن نلتقي، قرأت له وقرأ لي وكان هو في قراءته لي أكثر ايجابية مني. ما إن قرأ روايتي يحدث في مصر الآن حتي أكلته يده اليمني وحول الرواية إلي نص مسرحي قدم في دمشق ولم أتمكن من مشاهدته في حينه، لأن ذلك كان مستحيلا في زمن السادات.
وحيوية وحضور ممدوح عدوان ليستا علي مستوي القراءة والكتابة فقط، ولكن في الحياة اليومية والمناقشات وتناول قضايا الواقع وهو من أسعد المثقفين العرب حظا برفيقة عمره إلهام التي تبدو مثل ضابط الايقاع الذي لا بد منه لكل فنان يحتاج إلي المايسترو الذي يضبط له ميزان الأمور في الأوقات الحرجة.
أما عبد الرحمن منيف. فلم يكن اللقاء الأول معه. كنت قد قابلته قبل ذلك بسنوات تزيد علي العشر في بغداد كان رئيس تحرير مجلة النفط والتنمية العراقيه وكان قد فاجأ الواقع العربي بروايته الأولي: الأشجار واغتيال مرزوق. ورغم إنها كانت نصه الأول. إلا إنها كانت مكتملة النمو لأن منيف عندما أصدرها كان قد ودع الشباب ويعيش حالة من النضج الانساني والفكري والثقافي والروائي.
كان لقائي بمنيف في دمشق مفاجأة بمعني أن الإنسان لم يتوقعها كنت أسمع إنه يعيش في باريس، وهذا ما أعطي اللقاء به طعم المفاجأة.
وفي مبني اتحاد الكتاب العرب بدمشق، سهرنا ليلة شامية جميلة، كانت معنا السيدة سعاد زوجته التي قابلتها منذ أكثر من عشر سنوات في بغداد.
وكعادة عبد الرحمن منيف في النفاذ إلي جوهر الأشياء والبعد عن كافة التفاصيل الصغيرة، التي ربما نتوه فيها في زحمة الحياة اليومية، قال لي : بحصول نجيب محفوظ علي نوبل، تكون كربلاء العربية قد انتهت إلي الأبد. هذه البكائية السنوية العربية التي كانت تصاحب إعلان الفائز بجائزة نوبل، والأهم إنها جاءت لمن يستحقها فعلا من بين كل الأدباء العرب الأحياء.
وعبد الرحمن منيف كان مشغولا منذ سنوات بثلاثية روائية هي مدن الملح وكان قد أصدر الجزء الأول منها: التيه، والثاني الأخدود، والثالث تقاسيم الليل والنهار ، لم يصدر بعد، ولكن الرجل اكتشف أن الأجزاء الثلاثة ربما لا تكفي للانتهاء من هذه الملحمة الروائية ولهذا أًصبحت الأجزاء الثلاثة خمسة أجزاء انتهي من كتابتها جميعا وستصدر تباعا. هذا الكلام دونته وقتها وبعده صدرت الخمسة أجزاء.
سعد الله ونوس. لم يكن المرض قد عرف طريقه إليه عند تعرفي عليه. ولكني أدون في أوراقي والورق خير شاهد علي كل شيء. إنه يذكرنا - دائما وأبدا - بما يمكن أن ننساه من تفاصيل الواقع. كتبت بالحرف الواحد تعرفت في هذه الرحلة إلي الكاتب المسرحي السوري سعد الله ونوس، الذي يخرج في هذه الأيام من مشارف حالة نفسية أقرب إلي الاكتئاب ومن لا يعاني من الحزن والاكتئاب في هذه الأيام لبعض الوقت، ليس فنانا وليس انسانا. أيضا، وتعرفت علي الشاعر الكبير محمد الماغوط الذي كان يمر بحالة وفاة حماته، فكان مشغولا. والحماة المتوفاة هي أيضا حماة أدونيس وأسعد فضة وحسن كركوتلي. قابلت سعد الله بعد ذلك في القاهرة. وعندما زارني في دار الهلال. اتصل بي في اليوم التالي لهذه الزيارة ليقول لي إنه نسي نظارتين طبيتين عندي واحدة للقراءة والثانية للطريق وعندما بحثت عنهما وجدتهما تحت جريدة كانت ما تزال مفرودة علي المكتب منذ زيارة سعد الله لي.
ممدوح عدوان مولود في عام 1940 وكان مقاتلا في صفوف الجيش العربي السوري في حرب السادس من أكتوبر 1973، من يذكر تلك الايام الآن ونحن نعاني في مصر هوان الكويز رغم أن بعض الاصدقاء من المصريين الذين يعيشون خارج مصر قد قالوا إنهم ليس لديهم مانع من عقد الاتفاقية أو رحبوا بها نصف ترحيب أو من تحت الدرس. عموما هذا موضوع آخر.
فترة الجندية تركت عند ممدوح عدوان روح المقاتل. وصف لي السرطان بعد اصابته به إنه عدو ما من صداقته بد. توقفت أمام كلمة عدو قبل الخروج من تأملي لها سمعته يقول أن صداقة هذا العدو لا تعني الانتصار النهائي عليه. يخيل إلي أن بصمة سنوات الجندية في مواجهة العدو الصهيوني قد تركت عند ممدوح قاموسا كاملا من المفردات التي يستخدمها في أحاديثه حتي ولو لم يدر هذا.
عرفت منه أن لديه ولدين زياد ومروان وأنا أعرف إنه يكون وراء تسمية اي ابن من ابنائنا قصة. تشكل جزءا من وجداننا نحوه. فقد حزنت بعد وفاته لأنني لم أر الولدين ولم أعرف منه قصة التسمية. لماذا زياد ولماذا مروان؟ أما زوجته إلهام. فقد كانت جزءا منه. فكرت أن اكتب إنها كانت كظله ولكن الجملة توقفت عند سن قلمي. لأن فيها نظرة دونية للمرأة أسأل نفسي لماذا لا يقال أن الرجل هو الذي يكون في ظل المرأة؟ مع أن بعض النساء هن اللاتي يرضين لأنفسهن هذا.
اتصلت بي المرحومة سميحة غالب بعد رحيل صلاح عبد الصبور بسنوات. قالت لي إنها انتهت لتوها من كتابة مذكراتها عنه وأن عنوانها. في ظل شاعر أو رجل عظيم ولم أشأ مناقشتها في حكاية الظلال هذه وأجلنا الكلام لحين حضورها ومعها المخطوط من أجل نشره. ولكن أجلها كان أسبق من حضورها. ولا أعرف مصير هذا الكتاب.
إلهام كانت ضابط إيقاع حياة شاعر وكاتب مسرحي ومترجم مندفع يعانق الحياة في كل لحظة يعيشها. وربما فكرت هي الأخري في الكتابة عن تجربة ممدوح مع الكتابة والقراءة والحياة. وتجربتها هي معه إذ أنني اعتقد إنها لعبت دورا هاما في حياته يتعدي دور الزوجة في واقعنا العربي.
ترك ممدوح حوالي 80 كتابا في المكتبة العربية. منها كتب ضخمة تستلزم سنوات طويلة من أجل إنجازها. مثل ترجمته لسيرة حياة نيكوس كازنتزاكيس بجزأيها الأول والثاني والتي كتبها تحت عنوان تقرير إلي غريكو وايضا ترجمته لإلياذة هوميروس الشهيرة اعتقد إنه ترجمها عن اللغة الانجليزية التي كان يجيدها وإنه ترجمها نثرا وليس شعرا مثلما فعل البستاني وأتصور إنه كان يترجم بسرعة القراءة وكانت لغته العربية تطاوعه وتمكنه من هذه السرعة فضلا عن أن إلمامه بالانجليزية كان أكثر من جيد. قابلته لآخر مرة في ندوة الترجمة بالمجلس الأعلي للثقافة. جاء ليقدم شهادة عن تجربته في ترجمة الإلياذة. باعتبار أن المجلس أصدر ترجمة جديدة للالياذة مع انعقاد هذا المؤتمر. ورغم أن شعر رأسه كان قد تساقط تماما. إلا أن ابتسامته كانت أبرز ما في وجهه والحقيبة الصغيرة التي يعلقها في كتفه. والتي أصبحت جزءا من صورته العامة. وقبلها حضر إلي مصر في مؤتمر عن أمل دنقل وعندما وقف علي المسرح لكي يلقي قصيدته ارتجل كلمة سريعة قال فيها إنه مريض بنفس المرض الذي مات به أمل.
لست متأكدا إن كان قد ذكر الواقعة ليعبر عن سعادته بالمرض الذي جمعه مع أمل أو ليعلن عن مجابهته، ولكن ذكره للمرض علي مسرح الأوبرا في مصر ترك أثرا لا يمكن وصفه لدي الذين استمعوا إليه في تلك الليلة.
أرسل لي من دمشق روايته الأخيرة. كانت ضخمة وكان عنوانها: أعدائي. ظلت تنتظر دورها في القراءة حتي دهمني خبر رحيله الذي لم أكن أتوقعه أعرف أن الأعمار بيد الله سبحانه وتعالي. ولكن أخبار الانتصار علي هذا المرض اللعين. كانت تعطي الكثير من الأمل. في الانتصار النهائي عليه ، ولكن يبدو إنه ما زالت أمامنا فصول أخري قادمة. في حكاية هذا المرض مع الانسان.
كان ممدوح عدوان من الكتاب أصحاب المشروعات الكبري رغم أنه كان يقول دائما عن نفسه إنه كاتب بلا مشروع. كان غزير الانتاج قال لي في اللقاء الأخير إنه قرر ترجمة الأوديسة ايضا. وإنه بدأ في ذلك، نتاجه الأدبي توزع بين دواوين الشعر والروايات وكتابة النص المسرحي. وفي آخر لقاء قال لي إنه قرر أخيرا الاتجاه إلي كتابة المسلسل التلفزيوني. بعد أن أصبح لغة العصر. وأدب هذه الأيام ومن الأعمال التي أنجزها مسلسل الزير سالم ، و دائرة النار . و جريمة في الذاكرة ، و المتنبي .
كانت له قدرة فريدة علي اختيار عناوين أعماله الأدبية ربما لأنه بدأ حياته بالعمل في الصحافة ثم اتجه إلي الصحافة الأدبية قبل أن يتفرغ تماما للترجمة وكتابة الأدب فقط. من عناوين مسرحياته. محاكمة الرجل الذي لم يحارب. ومن دواوينه أقبل الزمن المستحيل. أمي تطارد قاتلها. لو كنت فلسطينيا.
أهم ما يمكن قوله عن ممدوح عدوان. ذلك الالتزام الحقيقي الذي ميز مواقفه تجاه الواقع وعدم تخليه عن هذا الالتزام بل واعتباره خطا أحمر. لا يمكن المساومة بشأنه ولا حتي الكلام فيه أو حوله. كان لديه حس قومي. وعنده موقف ضد أعداء الوطن العربي. ولم ينس أبدا كفاحه وحروبه ضد العدو الصهيوني. لا يذهب بال أحد إلي أنه كان شخصا متجهما. كان بشوشا. أول ما تراه من وجهه ابتسامته. وآخر ما يبقي في الذهن بعد اللقاء نفس الابتسامة العذبة يخيل إلي أنه استبدل بعض أسنانه ولكن نورها كان شديد الوضوح.