قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

لم افاجأ مثل كثيرين هنا في بلاد الغرب بالمقال الذي كتبه روان وليامز اسقف كانتربري، الذي يرعى اكثر من سبعين مليون مسيحي انغليكاني في العالم، ونشرته صحيفة صنداي تلغراف البريطانية هذا الاسبوع. وجعلت الصحيفة عنوانها الرئيسي على الصفحة الاولى تحقيقا حول مقال الاسقف، وخصوصا ما اشار اليه من ان المسيحيين لابد وان يتشككوا في رحمة ربهم بعد كارثة الزلزال الاسيوي والدمار الذي خلفه. ورغم ان الاسقف طرح كثيرا من الاسئلة، وحاول ان يوصل رسالة ان الدين ليس بالضرورة اجابة سهلة وشافية لكل الاسئلة الحياتية التي تتعلق باستغلال الانسان للطبيعة، الا ان ما لفت الانتباه هو فكرة التشكك في الرحمة الالهية التي تسمح بكارثة كهذه.
وكتب الاسقف مقاله مدفوعا بحادث وفاة طالب وامه من كانتربري في الزلزال (الذي حصد ارواح مائتي الف ضحية من فقراء اسيا)، وتلك في رأيي هي النقطة الاساسية في تناول الكارثة الطبيعية والتي تعيق الى حد كبير الاستفادة من درسها على الصعيدين الحياتي والديني، ليس في الغرب فقط بل في العالم اجمع. فالاوروبيون صدموا بالكارثة لانهم يسيحون بالالاف على تلك الشواطئ الدافئة، وهناك مئات من ذويهم ماتوا في الكارثة. وعلى رغم ان الناس، خصوصا في بريطانيا، لديهم ثقافة التبرع الخيري والمساعدة الانسانية الا ان الدافع لتشجيع تلك الموجة هو ما تضمنته حملة التشجيع عليها من مقولات مثل كان يمكن ان نكون انا وانت ضحايا الكارثة، وكثيرون تبرعوا لأن احدا يعرفونه قضى عطلة هناك او انه كان يخطط لقضاء عطلة هناك.
ولا غبار على ذلك الشعور الانساني الطبيعي، الا تدرك حجم الفاجعة تماما الا اذا اصابتك او اقتربت منك. لكن فكرة البحث عن اجوبة لاهوتية للكارثة الطبيعية تبدو امرا مغالى فيه الى حد كبير. وليس المرء هنا بصدد ترديد ما نؤمن به نحن المسلمين من ان ما يصيبنا من شر فهو من انفسنا، ولكن عودة بسيطة الى تحكيم العقل تقود المرء الى ان المقدمات تؤدي الى نتائج ـ وليس اصدق من علاقة الانسان بالطبيعة مثالا على ذلك المنطق.
ولكن قبل ان نترك مسألة الدين، نشير الى ان المسلمين والمسيحيين والبوذيين ـ وتقريبا كل المؤمنين ـ من مواطني البلاد المنكوبة استغفروا ربهم وصلوا له. من بقي منهم حيا شكر ربه على سلامته، ومن فقد عزيزا او قريبا دعا الله له بالرحمة لانه راح ضحية عمل لم يتسبب فيه، وطلب الجميع العفو من خالقهم على ما قد يكونون وقعوا فيه من اثام يعاقبون عليها بمثل تلك الكوارث الطبيعية. وربما قنع الجميع برحمة السماء ان حدث الزلزال في المحيط ولم يحدث في اليابسة، والا لكان ضحاياه اضعاف اضعاف من راحوا. وما يقلق الغرب، الذي بعد كثيرا عن الدين وبدأ يعود اليه مؤخرا، هو ان تلك الكارثة قد تقع غدا في الاطلسي على مدى اكبر وقد تغرق بلادا باكملها هنا. والتعلق بالدين في الغرب كان فيه قدر من النفاق، اذ يلجأ الغرب العلماني الى السماء فقط عندما يخشى ما لا يقدر على مواجهته بينما يطالب السماء بتيسير كل ما يفعله بالطبيعة حسب ما يراه في مصلحته المادية المباشرة.
واذا صحت تفسيرات الخبراء بأن التجارب النووية، او غيرها من نشاطات البشر التي تدمر الطبيعة، اسهمت في حدوث الزلزال وبالتالي الكارثة يصح القول باننا نفعل بانفسنا ما يضرنا. واذا كانت تجارب نووية هندية حركت طبقات الارض في المحيط الهندي فبريطانيا وفرنسا، وقبلهما الولايات المتحدة انهكوا المحيط الاطلنطي بما يكفي لزلازل تطيح بدول بكاملها كبريطانيا وايرلندا وربما اجزاء من فرنسا وغيرها من غرب القارة الاوروبية. ومع كل التدخل البشري في تركيبة الطبيعة المتوازنة، من الاضرار بالارض بتنشيط عناصر ضارة الى التحوير الجيني واللعب في تركيبة السلالات الحيوية التي تحفظ التوازن البيئي، لا يمكن الا القاء تبعات اي كوارث على الانسان. وليس القصد الحد من التطور العلمي والتقني الذي يفيد البشر، لكن من المهم ان يحاط التطور بسياج اخلاقي ـ وتحديدا ديني ـ يضمن الا تهلكنا الكوارث كما اهلكت سلالات حيوية من قبلنا.
وهنا يتضح التداخل الديني والعلماني في نفاق الغرب واستكانة فقراء الشرق. فالاغنياء العلمانيون يريدون لخبطة الطبيعة، وينتظرون من السماء ان تحميهم. واذا حاججهم احد بأن الله لا يرضى عن بعض ما يفعلون اتهموه بالتخلف والرجعية والظلامية ... الى اخر ما نعرف من الكليشهات. وفي المقابل، يستكين فقراء الشرق الى تدينهم، ويعتقدون ان التعاويذ قد تحميهم من شرور لم يقترفوا ذنبا في تطويرها، دون ان يعملوا عقلا فيما يتعاطونه من ابتكارات الاخر واسهامهم فيه ولو بالسلب. انها دائرة تدفع نحو القناعة البسيطة لدى المتدينين العاقلين بأن حكمة الله من استخلاف البشر في الارض هي ان يعمروها وينعموا بخيراتها دون تبختر وسعي لامتلاك ناصية امرها، التي تظل للخالق سبحانه وتعالى.
فليشك اسقف كانتربري في رحمة السماء، وليلقي العلمانيون بتبعة الكارثة على عدم استعداد الفقراء وتسلحهم بالتكنولوجيا الحديثة لمواجهة اثار الطبيعة التي لم يطوعها العلم بالكامل بعد. وليسكن الفقراء في العالم الى رحمة ربهم، منتظرين منه ان يحميهم من شرور انفسهم، او نتائج ما يفعله اقرانهم البشر.
لكن المؤمن حقا هو من يتدبر ما جرى، ويخلص منه الى ان الله سبحانه وتعالى انما يريد بعباده الخير بأن رسم لهم طريق الهدى الاخلاقي الذي يسيج شطط العقل. ولا شك ان تلك الكارثة تدفع البشرية خطوة نحو الطريق القويم، بين العلمانية المدمرة والتواكل الخرافي.