قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

لم يخف وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي فرحته بـ«الانتصار» الذي حققته بلاده حين وافقت مجلة «ناشونال جيوغرافيك» على سحب تعبير الخليج العربي من أطلسها لتعتمد من الآن فصاعداً عبارة «الخليج الفارسي». واحتفلت وكالة الأنباء الإيرانية بـ«تصحيح التسمية» ورأت في الخطوة «انتصاراً لكل إيراني». وأزالت المجلة عن موقعها في الانترنت الاشارة إلى الخلاف الإيراني - الإماراتي حول الجزر الثلاث في الخليج.
لنترك جانباً مسألة المجلة والتسمية، ونلتفت إلى الحقائق في المنطقة. في المثلث الإيراني - العراقي - التركي المستند إلى توازنات تاريخية وذاكرة مثقلة بالحروب الامبراطورية يمكن القول إن الضلع العربي قد سقط فعلاً ولا شيء يشير إلى ترميم موقعه في المدى المنظور. لا نقول ذلك من باب حراسة «البوابة الشرقية» عن طريق الاشتباك مع إيران، وهو ما فعله صدام حسين، بل من باب قراءة التوازنات الجديدة التي أنجبتها عوامل عدة بينها النكبة التي ضربت العراق. فتركيا المقيمة تحت قبعة الأطلسي في عهدة حزب ذي جذور إسلامية يتعامل بواقعية مع إرث أتاتورك، انتزعت لنفسها موعداً لبدء المفاوضات لدخول النادي الأوروبي، فيما وحدة العراق مهددة وأرضه مستباحة.
في المقابل، نجحت إيران في إعادة بناء ترسانتها العسكرية في ظل نظام مستقر تسرّب الانتخابات اختناقاته. ولم تكتف طهران بالترسانة التقليدية، بل تزايدت الشكوك حول استعداداتها للتسلل إلى النادي النووي أسوة بالهند وباكستان وإسرائيل. صحيح أن العلاقات بين طهران وواشنطن لم تستأنف، وأن الإدارة الأميركية لا تبخل على النظام الإيراني بالضغوط والحملات، لكن الصحيح أيضاً أن إيران أظهرت براعة في الرقص مع الأميركيين فوق المسرحين الأفغاني والعراقي، وشهدت تهاوي نظامين معاديين لها من دون خسارة نقطة دم واحدة. في الوقت ذاته نجحت إيران في ترتيب حضور لها على خط التماس العربي - الإسرائيلي عبر جنوب لبنان وانتشار «حزب الله» فيه. كما نجحت في الاحتفاظ بعلاقات صداقة وتشاور مع سورية على رغم اختلاف الحسابات في عدد من الملفات.
أما أخطر ما حققته إيران حتى الآن فهو تحولها لاعباً مقرراً في المستقبل العراقي، وهي تمتلك على الأقل القدرة على منع قيام عراق معادٍ لها. وسيكون الأمر بالغ الخطورة إذا تحولت إيران جزءاً من النسيج العراقي الداخلي وبدت في صورة الداعم لشيعة العراق أو الحامي لهم أو العراب لفوزهم بالقسط الأكبر من السلطة.
لا مصلحة للعرب في العداء لإيران أو التحريض عليها. لكن من حقهم الالتفات إلى تقدم موقعها في الاقليم فيما يتراجع موقعهم بفعل الانهيارات المتلاحقة. ثم أن من حقهم الالتفات إلى أن امتلاك إيران ترسانة نووية يجب أن لا يقرأ فقط من زاوية التوازن مع إسرائيل، لأنه يضاعف الخلل أيضاً في ميزان القوى بين إيران والدول العربية. للعرب مصلحة في أوثق علاقات التعاون مع إيران، لكن من حقهم أن يفكروا في موقعهم المقبل في اقليم الشرق الأوسط، خصوصاً إذا اختارت واشنطن الاعتراف لإيران ببعض ما تسعى إلى تكريسه بعد انهيار «البوابة الشرقية». وسيكون ذلك الانتصار أهم بكثير من احتفال خرازي بعبارة «الخليج الفارسي» في المجلة الأميركية.