الفساد هو الشيطان الرجيم، الذي يلعنه ويذمّه كل الناس؛ ولكنّه يظلّ في حياتنا مثل الثقب الأسود، الذي من فرط جاذبيته يشدّ إليه كل الناس، ولا يفلت من قبضته إلا قلّة من الناس الذين اجتهدوا في التخلُّق بأخلاق الأنبياء، وشرحوا، بالمعاناة والألم والعذاب والدم، معنى الجهاد الأكبر، أي الجهاد الدائم واليومي في سبيل قهر وهزم النفس الأمّارة بالسوء، وفي سبيل تأكيد تساميهم عن متاع الغرور. ومع استثناء هذه الفئة من الناس القابضة على ما يشبه الجمار، يمكن القول إنّ الفساد قد عمّ وانتشر واستفحل، فمِن البشر مَنْ يسعون في الأرض فسادا، ففسدوا وأفسدوا، ومنهم مَنْ ينتظر فرصة للفساد، فيظلّ قويم المبدأ والسلوك حتى تسنح له!
مِنْ قَبْل، كانت السلع، أي الأشياء التي تُباع وتُشرى، قليلة جدا، فالغالبية العظمى من المنتِجين كانوا يستهلكون ما ينتِجون؛ ثم توسَّع الاقتصاد البضاعي حتى تحوَّل كل منتَج إلى سلعة. وظلّ هذا التسليع محمودا حتى أتى على أشياء كان يجب أنْ تبقى بمنأى عنه؛ ولكنّ وحش الرأسمالية لا يرحم، فافترس حتى القيم والمبادئ الأخلاقية والإنسانية. وهكذا قامت سوق جديدة تُباع فيها وتُشرى أشياء من قبيل الذّمة والضمير والشرف والأخلاق والأطفال وأعضاء الإنسان وصوت الناخب ورأي الكاتب، فكل ما قدَّسه البشر، مِنْ قَبْل، ونزَّهوه عن البيع والشراء، تحوَّل، في الرأسمالية وبالرأسمالية، إلى سلع في أسواق تفوقها إنسانيةً حتى أسواق النخاسة وأسواق العبيد في روما القديمة.
هذا الفساد، الذي نمّته الرأسمالية تنمية لا مثيل لها مِنْ قَبْل، هو في كلام جامع مانع اتّخاذ تلك الأشياء، التي ليست بالسلع، سلعاً، تُباع وتُشرى، توصّلا إلى المال والثراء. إنّه هذا التأليه للمال، الذي فيه وبه يكفر الإنسان بكل ما يمكن أنْ يردعه ويزجره عن بيع أو شراء تلك الأشياء توصّلا إلى المال والثراء.
قد نسمِّيه الكسب (المادي) غير المشروع إرضاءً للمنافحين عن الرأسمالية والسوق الحرَّة والمذهب الليبرالي، والذين ينظرون إلى الربح الرأسمالي على أنّه الكسب (المادي) المشروع بعينه؛ ولكنّ الفساد، في نموِّه واستفحاله، إنّما هو الكسب غير المشروع الذي تزداد نسبة نموّه في استمرار ازديادا هو الوجه الآخر للتناقص المستمر في نسبة نموّ الكسب المشروع، فالزيادة هناك نقص مساوٍ هنا.
لو كان الفساد ظاهرة فردية، وسلوكا مشينا يسلكه فرد أو أفراد، لهان أمره، ولسهُلت محاربته والقضاء عليه؛ ولكنّ الفساد صار نمط عيش، ومؤسسة، ومثل الغاز يتسرَّب إلى حياة الشعوب بكل أوجهها من كل الثقوب والشقوق، التي هي نتاج حتمي وطبيعي لمرحلة العولمة، التي فيها ارتفع منسوب الفساد ارتفاعا لم يعرفه مِنْ قَبْل.
لولا استشراء الفساد واستعصاء محاربته، التي فيها قد يُحارِب المُحارِب ذاته، لما رأينا المنصب، في دول كثيرة، وسيلة للكسب المادي غير المشروع، فلا يتركه صاحبه، الذي كان فقيرا، إلا ليستثمر المال، الذي جمع، في القطاع الخاص، وكأنّ المناصب والوظائف والقطاع العام هي رافد لذاك النهر المسمّى القطاع الخاص، الذي يُضخُّ فيه مزيد من أرباب العمل.
إنَّ ضعاف النفوس، الذين لا يخلو منهم أي مجتمع، في سعي دائم إلى منصب عام أو وظيفة حكومية ليس حبّاً بخدمة المجتمع والناس والمواطن؛ وإنّما حبّاً بهذه الدجاجة التي تبيض ذهبا. الراتب زهيد؛ ولكن لا بأس عليهم، فالمنصب أو الوظيفة يأتيهم بغنى بعد فقر، ويمهِّد ويقصِّر لهم الطريق إلى القطاع الخاص. وهُم لا يكتشفون الفساد وأهمية مكافحته ومحاربته إلا إذا عاد الفساد على منافسيهم فيه بنفع يحسدونهم عليه، فلا تضع الحرب أوزارها إلا عندما ينال كل ذي حق حقه!
الشجرة لا تُستأصل بقطع فروعها!
كل من درس وحلّل تاريخ السلطة في البلدان الرأسمالية الغربية لا بد له من أنْ يصل إلى الاستنتاج الآتي: مَنْ يملك المال يملك السلطة؛ أمّا من درس وحلل تاريخ الثراء في بلاد الشرق، التي لم تعرف من التطور الرأسمالي إلا القليل والمشوَّه منه، فلا مهرب له من أنْ يصل إلى استنتاج معاكس، هو: مَنْ يملك السلطة يملك المال، أي يملك وسيلة للثراء.
ذوو المال لا يملكون من دافع، في وجودهم الاجتماعي، أقوى من دافع زيادة ثرواتهم المالية وزيادة نفوذهم الشخصي (والاجتماعي) في هيئات السلطة المختلفة؛ لأنّ التجربة علّمتهم، وتعلّمهم في استمرار، أنّ رب العمل أو المستثمِر الذكي هو الذي يكون له أهل وأقارب ونفوذ في أجهزة ومؤسسات الدولة وحيث يُصنع القرار، الذي قد يؤثِّر، سلبا أو إيجابا، في مصالحهم وحياتهم؛ أمّا ذوو السلطة الذين تلفَّعوا بالشعارات الثورية فإنّ التجربة علَّمتهم أنّ الذكي هو الذي لا يضيِّع هذه الفرصة، ويعرف كيف يتخذ ما يُسمّى إساءة استخدام السلطة، أي إساءة ما يملك من صلاحيات ونفوذ، وسيلة لجعل الراتب الذي يتقاضاه مصدرا ثانويا لدخله، الذي، عند بعض الموظَّفين، ظلّ ينمو بهذه الوسيلة المذمومة، والتي يذمّها، في العلن، حتى المنتفعون منها، حتى غدا صاحبه قادرا (من الوجهتين القانونية والاقتصادية) على الاستثمار في القطاع الخاص، الذي هو مغسلة يُغسل فيها الوسِخ من المال، أي المال الذي أثمره جهد الفساد.
في الغرب الرأسمالي عرفنا أرباب عمل وأثرياء ومديري شركات كبار يصبحون نوّابا ووزراء ومسؤولين من الدرجة الأولى في هرم السلطة، فهم عرفوا كيف يستثمرون جزءا من مالهم الطائل في القطاع السياسي، وهو قطاع يعود الاستثمار فيه بربح جزيل على كل مغامر ذكي. لقد عرفنا كبار الأثرياء في القطاع الخاص وهم يتحوّلون إلى صُنّاع قرار في أجهزة ومؤسسات الدولة، أو إلى جماعات ضغط منظَّمة، تتحكم في صُنّاع القرار.
وفي العديد من بلدان الشرق أو ما تسمى بالبلدان النامية عرفنا الظاهرة المعاكسة، فأرباب العمل والأثرياء كانوا في نفوذهم السياسي أقرب إلى البروليتاريا منهم إلى الرأسمالية، أي أنّ نفوذهم السياسي والحكومي كاد أنْ يكون معدوما مقارنة بوزنهم الاقتصادي النسبي، فلم يختلفوا، في حالهم السياسية، إلا قليلا عن عامة الشعب حتى أنّ بعضهم كان مضطرا إلى أنْ يدفع ما يشبه الجزية إلى الموظَّف الحكومي، الذي يستمد سلطته من اغتصاب الجيش وأحزابه السياسية للسلطة، التي لانفصالها بجذورها عن المجتمع المدني بدت سلطة فوق المجتمع كله.
لقد جاء هؤلاء العسكريون والمثقفون إلى الحكم وقد كانوا ممن أغناهم فقر الجيوب بالقيم السياسية الثورية؛ ولكن ما أنْ أمسكوا بمفاتيح السلطات كافة، ومنها سلطة تطوير القطاع العام في الاقتصاد، حتى شرعت جيوبهم تغتني، وفكرهم السياسي الثوري يفقر. ومن هذا التزاوج بين السلطة والإثراء عبر نهب المال العام وتحصيل الجزية من القطاع الخاص وُلِد الرأسماليون الجدد، الذين قاموا، أوّلا، باستثمار ثرواتهم المالية الطائلة في خارج الوطن الاشتراكي؛ ثم قاموا باستثمارها في داخل الوطن، بعدما أطلقوا يد الخصخصة في الاقتصاد. وهكذا اتُخِذت الخصخصة مَطْهراً، يتحوّل فيه المال الحرام إلى مال حلال.
ربما نفهم الفساد، الآن، في وجهه الاقتصادي، على أنّه الكسب المادي (المالي) غير المشروع الذي يسعى إليه، ويحققه، موظَّفون ومسؤولون حكوميون يتقنون لعبة إساءة استخدام السلطة. وربما نفهمه، في وجهه السياسي، على أنّه الكسب السياسي غير المشروع، الذي يسعى إليه، ويحققه، مالكو وقادة ومديرو القطاع الخاص، الذين يتقنون لعبة الاستثمار في القطاع السياسي.
على أنّ الأهم من ذلك هو أنْ نفهم الفساد على أنّه النتيجة الطبيعية الحتمية لتركُّز السلطة، ولتركُّز المال، بين أيدي حفنة من مواطني هذه البلدان، فحيث يتركَّز هذا وتلك يعمّ الفساد ويستشري، وتُمنى جهود مكافحته بمزيد من الفشل.
الفساد في بعض من فتوحاته الجديدة!
الفساد، لولا استشراؤه واستعصاء محاربته لما رأيناه يُوقِع في قبضته حتى الطب والأطباء وبعض المرضى.
أُنظروا إلى هذه المهنة الإنسانية، التي هي أيضا وسيلة للكسب المادي المشروع، وقد تحوَّلت إلى مرتع للفساد!
إنّ تجربة كل مريض تكفي لإقامة الدليل على استشراء الفساد في الوسط الطبي في معظم بلدان الشرق او البلدان النامية، فالطبيب ما عاد قادرا على القيام بعمله على خير وجه من دون التعاون مع زملائه، فالمريض، ولو كان مرضه الأنفلونزا، يجب أنْ يرسله طبيبه إلى المختبَر الذي يريد، فمرضه لن يُشخَّص، في دقة، إلا بعد إجراء فحوصات عديدة له، أي بعد أنْ يتقاسم أعضاء هذا الفريق الطبي كل ما أنفقه المريض من مال في سبيل الشفاء!
وويل للمريض إذا ما كان طبيبه جرّاحاً أيضا، فهذا المريض لن يُشخَّص مرضه، على خير وجه، إلا بآلة طبية تسمّى المنظار، ولن يُعالَج، على خير وجه، إلا بعمل جراحي. والطبيب لا يثق بأيٍ من الفحوصات التي أُجريت لمريضه بأمر من غيره من الأطباء ولو كان مثله في الاختصاص، فالمريض يجب أنْ تُجرى له الفحوصات ذاتها؛ ولكن في المختبَر الذي يريده طبيبه الجديد، فكل طبيب يبدأ معالجة مريض من نقطة الصفر.
والفحوصات التي يأمر الطبيب بإجرائها ليست كلّها من أجل تشخيص المرض، فمعظمها إنّما يُجرى من أجل النفي، فالمصاب بمرض الأنفلونزا يجب أنْ يُجرى له فحص لنفي إصابته بالسرطان، وفحص ثانٍ لنفي إصابته بالدوالي، وفحص ثالث، فرابع، فخامس..
وكم يفرح المريض، الذي أنفق كل ما في جيبه من مال، عندما يزفّ إليه الطبيب خبر أنّه مصاب بالأنفلونزا وليس بالسرطان، فيغادر العيادة الخاصة وقد أنسته الفرحة مأساته المالية؛ وربما سبّح بحمد هذا الطبيب الذي أكد له أنّه غير مصاب بالسرطان!
والفحوصات التي يطلبها الطبيب، ويدفع ثمنها المريض، قد يتبلّغ بنتائجها الطبيب عبر التلفون، وليس لدى المريض من خيار إلا أنْ يُصدِّق، فكم من مريض دفع ثمن فحوصات لم تُجرَ له!
والتعاون يشمل حتى سائقي سيّارات الأجرة، فهؤلاء يمدّون الأطباء بالمرضى من الركّاب؛ ثم يتقاضون الأجور!
أمّا المريض الذي تتكفل الدولة بنفقات علاجه فهو صيد الأطباء الثمين، فما مِنْ فحص إلا ويُجرى له، فالدولة، جزاها الله خيرا، تدفع الحساب، والمريض ليس له مصلحة مادية في الممانعة؛ ولكنّه قد يُدرِك، بعد فوات الأوان، أنّه عولج في طريقة اصابته بأمراض عديدة!
إنَّ التبديد في الاقتصاد، هو أنْ ينفق المجتمع أمواله وثرواته وجهوده في وجه لا نفع منه؛ ولكن بعض التبديد لا مفرَّ منه، فهو العاقبة الحتمية للإنتاج، فكل مجتمع لا يستطيع أنْ يُنتِج ما يلبِّي احتياجاته، ولا يستطيع أنْ ينمو ويتطور اقتصاديا، من دون أنْ يبدِّد، في هذا السياق، جزءا من جهده وماله وثروته، أي من دون هذا التبديد الاقتصادي الموضوعي. وهذا الشكل من التبديد ليس بالظاهرة التي يعنينا أمر انتقادها والحضّ على مكافحتها وإنهائها، فهي شرّ لا بد منه.
الشكل الآخر من التبديد، وهو التبديد الواعي، هو الذي ينبغي توجيه النقد إليه، والعمل على مكافحته، ففي معظم اسواق بلدان الشرق مقادير هائلة ومتزايدة، في استمرار، من المنتجات والبضائع والخدمات، التي يتجسَّد فيها التبديد المتعاظم للمال والثروة والجهد، والتي، في استهلاكنا لها، عن اضطرار، لا نلبِّي أي حاجة حقيقية، فهي لا تُنتَج وتُباع إلا لتمكين الشركات في هذا القطاع الاقتصادي الطفيلي من جني الأرباح وزيادتها.
وأحسب أنّ المرأة هي المستهلِك الأكبر لما تُنتِجه شركات هذا القطاع من سلع وخدمات، يبدِّد في إنتاجها مقدارا هائلا ومتزايدا من الجهد والمال والثروة في سبيل الربح الشخصي لأصحاب هذه الشركات.
إنّهم يستثمرون أموالهم وجهودهم في الضعف الإنساني والاجتماعي (والتاريخي) للمرأة، والذي لهم مصلحة حقيقية في زيادته وتنميته، فكلّما زاد هذا الضعف اتَّسعت وازدهرت أسواق منتجاتهم وخدماتهم تلك. وغني عن البيان أنّ الإعلان التجاري، الذي ينشرونه عبر وسائل الإعلام المختلفة، هو أهم سلاح يستخدمونه في تحطيم كل مقاومة يمكن أنْ تبديها المرأة لسعيهم إلى اختلاق مزيد من الحاجات النسائية الوهمية، التي معظمها من النوع الجمالي، فالمرأة يجب أنْ تشعر دائما بالنقص، وبأنّها في حاجة إلى استهلاك كل منتَج جمالي أو تجميلي جديد، أي يجب أنْ تظل سوقا دائمة متجددة متسعة لهذه المنتجات والخدمات، التي تبدِّد مال المجتمع وجهده في سبيل زيادة أرباح منتجيها.
هذا الإعلان التجاري النسائي، مثله مثل معظم الإعلانات التجارية، إنّما يمتلئ بخواص وتأثيرات للمنتَج لا أساس لها من الصحّة، وإنْ سعوا في إلباسها، أحيانا، اللبوس العلمي والطبّي. وكثيرا ما أثبتت تجربة الاستعمال أنّ الضرر المترتب على استعمال واستهلاك المنتَج يفوق كثيرا نفعه وفائدته.
المرأة العصرية الجميلة المثالية هي تلك التي نرى صورتها في الإعلان التجاري الخاص بالمنتجات والخدمات النسائية. ومع غرس هذه الصورة التجارية في عقول النساء يصبح ممكنا ايجاد شعور بالنقص في نفس كل امرأة، ثم ايجاد دافع لديها إلى سدّ هذا النقص بطريقة واحدة فحسب هي تلك التي تلبِّي حاجة المنتجين إلى زيادة أرباحهم. إنّ المرأة المثالية هي تلك التي تسعى دائما إلى أنْ تغيِّر شكلها ولباسها وأسلوب عيشها بما يجعل وجودها الواقعي نسخة طبق الأصل من صورة المرأة في الإعلان التجاري.
لقد مسخوا عقل المرأة وروحها ومشاعرها حتى غدا الصراع بين ذاك الوجود الواقعي وهذه الصورة جوهر حياة المرأة. وكلّما اشتد هذا الصراع وعنف بدَّد المجتمع مزيدا من الجهد والمال والثروة في سبيل حل هذا الصراع، أي في سبيل ايجاد مزيد من النساء على مثال اختارته مصالح صاحب الإعلان التجاري.
وهكذا نرى في الإعلان التجاري الخاص بالمنتجات والخدمات النسائية مصالح اقتصادية فئوية تقضي بجعل المرأة في ضعف إنساني واجتماعي متزايد، فالمرأة التي تعي حقوقها وحاجاتها الفعلية والمعنى الإنساني والاجتماعي لوجودها هي قوة هدم لتلك المصالح التافهة المضرِّة ليس بالمرأة فحسب؛ وإنّما بالمجتمع، الذي يمنعه هذا التبديد الاقتصادي من تركيز الاستثمار فيما يلبّي حاجاته الحقيقية، ويحقق له مزيدا من التنمية الاقتصادية والاجتماعية.