قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

لا يقلق وزير الخارجية الأمريكي كولن باول، من المذابح التي ترتكبها “اسرائيل” بحق الشعب الفلسطيني، على مدار الساعة، في رفح وخان يونس وبيت حانون وجنين وطولكرم، ومختلف انحاء قطاع غزة والضفة الغربية.
بالنسبة له - وهو الحمامة الوديعة في وسط ادارة المحافظين الصقور بواشنطن - إن ما “تفعله” الطائرات والدبابات والجرافات “الاسرائيلية” في هذا الشأن، هو “تحصيل حاصل” لمهمة حكومة أرييل شارون القائمة على الاجتياح والقتل والتشريد ونسف المباني وتجريف الأراضي، الى جانب مواصلة بناء جدار الفصل العنصري والتوسع الاستيطاني، وعزل القدس وتهويدها، وصولاً الى تحقيق “رؤية” رئيس الولايات المتحدة جورج بوش، بإقامة دولة فلسطين على عتبة العام ،2009 بعد اربع سنوات بالتمام والكمال!
كولن باول، على قناعة تامة من أن هذه الدولة العتيدة التي ترصدها عين سيده بوش منذ الآن، بدقة متناهية، ستقام وفق سياسات هذا الرصد الدقيق ذاته، على الخرائب والانقاض، وعلى الموت والكراهية. وهو ما يطمئن، “الحمامة الوديعة” باول، ويوفر له الاحساس في أن حمائميته ليست أقل شأناً من صقورية أولئك المحافظين الذين جعلوا من البيت الابيض بيتاً لشارون أكثر دفئاً من بيته في تل ابيب.
مع ذلك، إن باول يقلق أحياناً، وقد كشف لشبكة “ان.بي.سي” التلفزيونية الامريكية، مؤخراً، عن أمر خطير أقلقه، وأقض مضجعه، فعلاً. قال، وقد اكتسى وجهه بجدية الحريص على رؤية بوش ومهمة شارون، ان ما أثار القلق الشديد في نفسه، هو استقبال رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ومرشح “فتح” للرئاسة، محمود عباس، استقبال الأبطال من قبل مئات العناصر والكوادر والقادة الشبان من كتائب شهداء الأقصى، حتى إنهم رفعوه على اكتافهم وطافوا به بين بنادقهم، وهو يرفع اشارة النصر، ويؤكد لهم على حق العودة وإقامة الدولة المستقلة والخالية من الاستيطان وعاصمتها القدس.
إن قلق باول في محله تماماً. فإذا كان ثمة شيء من ظن لايزال باقياً لديه، أن محمود عباس الذي يقول علانية أنه ضد عسكرة الانتفاضة، سوف يتخلى على أرض الواقع، عن “عساكر” الانتفاضة، في مواجهة الاحتلال “الاسرائيلي” وفي طوفانات التفاوض المقبل مع حكومة هذا الاحتلال، وسوف يصادر بنادق الانتفاضة بالقوة، ولو ادى الحال الى حد الاحتراب الداخلي، فإن محمود عباس قد نسف هذا الظن من أساسه، وكان لقاؤه مع كتائب شهداء الاقصى، رسالة واضحة وصريحة، وغير قابلة لأي تأويل مغاير، في هذا السياق.
مع ذلك، قد يظن باول نفسه، أنما يفعله ويقوله محمود عباس خلال الحملة الانتخابية، هو من باب الدعاية الانتخابية فقط. وأن هذا “الباب” لا قيمة له، بعد التاسع من يناير/كانون الثاني الجاري، حين يكون عباس قد أصبح رئيساً للسلطة الوطنية، بفضل ذلك “الباب” ذاته. وبالتالي، فإن قلق باول لن يطول كثيراً، ليعود الى اطمئنانه وقناعته بخرائب وأنقاض رؤية بوش ومهمة شارون.
وللمرة الثانية، سوف يخيب هذا الظن، ويطير في الهواء، كما سيطير صاحبه ومنتجه السيد باول في هواء الأحالة على التقاعد، بعيداً عن تاريخ فلسطين، وعن المنطقة كلها.
باول وزير خارجية الدولة الاعظم، يقلق من هذه الحقوق، ويقلق من قدرة الضحية على مواجهة الجلاد، ومن وعيها وثقافتها وذكائها في التحدي. وبالمقابل، فإنه يطمئن الى الخراب، والى الموت، والى كل المذابح التي ترتكبها “اسرائيل”، مرة بعد أخرى، اطمناناً عجائبياً، يريد من الشعب الفلسطيني المذبوح نفسه، أن يحس به معه! أي أنه يريد من الضحية أن تقبل بدور الضحية، برحابة صدر، وبمزيد من نزف الدم، الى الأبد، ليبقى الجلاد هو الجلاد، بالارادة ذاتها، والى الأبد أيضاً!
سياسة غبية، لا ينتج عنها سوى الارهاب، ارهاب الدولة الأعظم على وجه الخصوص، وهو يتنقل من حرب الى حرب، على امتداد القارات.
صحيح، إن الغباء صناعة امريكية لا منافس لها، تماماً كما هي الحرب.. وكما هو الأرهاب.