قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

القاهرة من محمد أبو زيد: في عام 1881 كانت مصر تمر بأيام قاتمة تحت حكم الخديوي توفيق، وعهد إلى عثمان رفقي باشا بنظارة الجهادية (الحربية)، وهو شركسي متعصب، فتمت ترقية الضباط الشراكسة فقط، فاشتعلت بذور الفتنة العنصرية في الجيش على أوسع نطاق، فقد احتمل ضباط الجيش في عهد إسماعيل الكثير، من حيث تأخر رواتبهم وقجمدت ترقيتهم، وألقي بهم في غياهب أفريقيا، وتشتت منهم الكثير في الحرب الحبشية التي خسرتها مصر، ونفد مخزون الصبر لدى أحمد عرابي، فتقدم مع علي فهمي وعبد العال، بطلباتهم إلى الخديوي، لعزل رفقي باشا من نظارة الحربية، بالإضافة إلى زيادة عدد الجيش المصري لكي يصبح 18 ألف جندي، طبقا للفرمانات، لكن ما حدث هو أن تم اعتقال عرابي وزميليه استعدادا لمحاكمتهم أمام المجلس العسكري في قصر النيل. وحين شاع هذا النبأ زحف الجيش إلى نظارة الحربية، وتم إخراج عرابي بالقوة، وتوجه الجميع إلى سراي عابدين ( الواقعة في حي عابدين بالقرب من وسط القاهرة الآن) في سبتمبر (أيلول)1881، فخرج لهم الخديوي توفيق، فطالبوه بعزل عثمان وتعيين صاحب السيف والقلم محمود سامي البارودي ناظرا للحربية، وإصلاح البلاد دستوريا، وتشكيل مجلس النواب على النسق الأوروبي، فأجابهم بعبارته الشهيرة «أنا ورثت هذه البلاد عن آبائي وأجدادي وما انتم إلا عبيد إحساناتنا»، فرد عليه عرابي بمقولته الأشهر التي يرددها الطلاب في المدارس المصرية إلى اليوم «لقد خلقنا الله أحرارا، ولم يخلقنا عقارا أو تراثا، فلن نورث، ولن نستعبد بعد اليوم». وكانت هذه هي بداية شرارة الثورة العرابية الشهيرة، التي شهدتها مصر في ذلك الحين انطلاقا من ميدان عابدين.
ميدان عابدين الذي عاد للأضواء في الفترة الأخيرة حينما قرر ما يسمى بـ«تجمع توافق أحزاب المعارضة المصرية» إقامة مؤتمر شعبي في ميدان عابدين، ربما لكي يستعيدوا تلك الوقفة الشهيرة، وهو الأمر الذي رفضته الحكومة.
لكن بين الموقفين، موقف عرابي الأول وموقف أحزاب المعارضة الثاني، حكاية طويلة لحي عابدين.
* عابدين باشا
* كنت أقف في ميدان التحرير بوسط القاهرة وعيني علي شارع الشيخ ريحان بجوار الجامعة الأميركية، وكنت أقول لنفسي إنني لو سرت في هذا الشارع مباشرة سأصل إلى أشهر قصور القاهرة، قصر عابدين. كنت أفكر، عندما وجدت نفسي أقطع الطريق بالفعل متجها إلى القصر الذي شهد أزهي عصور عهد الخديوي في مصر، والذي سكنه الملوك والسلاطين والخديوية أيضا، فهو أهم وأشهر القصور التي شيدت خلال حكم أسرة محمد علي باشا لمصر، فقد كان القصر مقرا للحكم من 1872 إلى عام 1954، وشهد خلال هذه الفترة أهم الأحداث التي كان لها دور كبير في تاريخ مصر الحديث والمعاصر، وكان الخديوي إسماعيل قد أمر ببناء قصر عابدين فور توليه الحكم في مصر عام 1863.
لعلكم الآن تسألون ومن هو عابدين الذي تنسب المنطقة كلها والقصر أيضا إليه؟ سأقول لكم، يرجع الاسم إلى عابدين بك، أحد القادة العسكريين في عهد محمد علي باشا، وكان يمتلك قصرا صغيرا في مكان القصر الحالي، فاشتراه إسماعيل من أرملته وهدمه وضم اليه أراضي واسعة ثم شرع في تشييد هذا القصر العظيم.
وقصر عابدين يعد البداية الأولي لظهور القاهرة الحديثة، ففي نفس الوقت الذي كان يجري فيه بناء القصر أمر إسماعيل باشا بتخطيط القاهرة على النمط الأوروبي في إطار حلمه الأجمل «قطعة من أوروبا» لتحويل مصر إلى قطعة حقيقية من باريس في ميادينها الفسيحة وشوارعها الواسعة، وقصورها ومبانيها وجسورها التي تحرس النيل، وحدائقها الغنية بالأشجار وأنواع النخيل بها، والنباتات النادرة التي تتخللها أكشاك الموسيقي. وبالفعل أصبحت القاهرة في عهد إسماعيل تحفة حضارية ينبعث منها عبير الشرق الساحر، وحداثة الغرب الجميلة. وبعد الانتهاء من تشييد القصر وتأسيسه انتقل إليه الخديوي إسماعيل في عام 1822 مع أسرته وحاشيته وخدمه، تاركا القلعة التي كانت مقر الحكم في مصر منذ أن شيدها صلاح الدين الأيوبي عام 1171م.
ولأكثر من 80 عاما ظلت الأنظار في مشرق الأرض ومغربها، تتطلع إلى قصر عابدين، قبل أن تأفل أنواره، شأنه شأن كل شيء في الحياة. وفي هذه الثمانين عاما حكم هذا القصر، أو من كان يجلس علي عرشه، مصر وتفاعل مع العالم، وأولهم هو الخديوي إسماعيل، ثم الخديوي توفيق، ثم الخديوي عباس حلمي، ثم السلطان حسين كامل، ثم الملك فؤاد، والملك فاروق، وأخيرا الرئيس محمد نجيب، أول رئيس لمصر بعد قيام ثورة 1952. لكن نجيب لم يمكث فيه طويلا، حيث قضي فيه عاما واحدا، ثم خرج منه عام 1954 إلى فيلا زينب الوكيل (التي كانت تملكها حرم زعيم الوفد قبل الثورة، مصطفي النحاس) في منطقة المرج، حيث حددت إقامته.
بعد هذا خفتت الأضواء قليلا عن قصر عابدين، حيث لم يحب الرئيس جمال عبد الناصر (الرئيس التالي لمحمد نجيب)، وهو يتحدث عن العدالة الاجتماعية والمساواة ومبادئ الاشتراكية، أن يسكن في قصر، ففضل أن يسكن في بيته في منطقة منشية البكري، وأمر بأن بتحويل القصر إلى متحف ليرى المصريون كيف كان يعيش ملكهم السابق بين الأثاث الفاخر والرياش الناعمة والتحف والمجوهرات التي لا تقدر بثمن.
لكن يبدو أن الرئيس أنور السادات، الذي كان يحب دائما أن يكون ضد جمال عبد الناصر في كل ما يفعله، فهو لم يكتف بتغيير السياسات العامة لمصر وتحويل مصر من خانة الاشتراكية إلى خانة الرأسمالية ونقل الأوراق من يد الاتحاد السوفياتي لتصبح، حسبما قال، 99% من أوراق اللعبة في يد أميركا. ولم يكتف بذلك بل قرر أواخر عام 1970 أن يلغي ـ داخليا ـ الوضع المتحفي لقصر عابدين، كما أمر جمال عبد الناصر واستخدمه كقصر رسمي.
ولكن يبدو أن القصر يفضل أن يحتفي بنفسه باستعادة تاريخه الثوري، واحتكاكه بالشعب، فاستعاد الثورة العرابية، ولكن هذه المرة في انتفاضة 1997، والتي سماها السادات «انتفاضة الحرامية»، فيما سماها الكاتب المسرحي لطفي الخولي «انتفاضة الجوعى»، وكان من بين الهتافات التي رددها المنتفضون «قولوا للنايم في عابدين.. فين الحق.. فين الدين»، يقصدون بقولهم هذا الرئيس أنور السادات، المقيم في قصر عابدين.
وكالعادة.. وكما تعود المصريون من أيام الفراعنة، فإن كل رئيس يأتي.. يغير ما كان فعله الذي قبله، وهكذا حينما جاء الرئيس حسني مبارك للحكم في عام 1981، لم يجعله من القصور الملكية كما كان في عهد السادات، بل نقل مقر إقامته إلى منطقة مصر الجديدة، وأمر قبل نهاية القرن الماضي بسنوات معدودة بتحويل قصر عابدين إلى متحف تاريخي بمحتوياته النادرة التي تشهد علي فترة تاريخية مهمة في تاريخ مصر الحديث. لكن مع ذلك سنتحدث قليلا عن القصر وعن تحفه، فللقصر عدة مداخل، أهمها المدخل الذي أطلق عليه اسم «باب باريس» ويقع في وسط السور الشرقي للقصر.. وقد أطلق على المدخل هذا الاسم لأن إسماعيل باشا كان يأمل في الانتهاء من تشييد القصر وتأسيسه مع البدء باحتفالات افتتاح قناة السويس في 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 1869، لكى يستقبل فيه ضيوفه من ملوك وأمراء أوروبا ودول العالم الأخرى، وفى مقدمتهم الإمبراطورة أوجينى، زوجة الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث، التي كانت السبب في أن يطلق اسم «باريس» على الباب تكريماً لها.
كان أبناء وأحفاد الخديوي إسماعيل، الذين حكموا مصر من بعده، مولعين بوضع لمساتهم على القصر، وعمل الإضافات التي تناسب ميول وعصر كل منهم... ومن ذلك ما قام به الملك فؤاد الأول، ابن إسماعيل، الذي حكم مصر في الفترة من 1917 إلى 1936، من تخصيص بعض قاعات القصر لإعداد متحف لعرض مقتنيات الأسرة من أسلحة وذخائر وأوسمة ونياشين وغيرها، ثم أقام ابنه الذي حكم مصر من بعده، متحفا خاصا للأسلحة بأنواعها، وألحق بالمتحف مكتبة متخصصة في هذا المجال. وفي عهد الرئيس محمد حسني مبارك عاد الاهتمام بهذا القصر، فتم ترميمه ترميماً معمارياً وفنياً شاملاً... وشملت هذه الأعمال تطوير وتحديث متحف الأسلحة بإعادة تنسيقه وعرض محتوياته بأحدث أساليب العرض، مع إضافة قاعة إلى المتحف خصصت لعرض الأسلحة المختلفة التي تلقاها الرئيس محمد حسنى مبارك من جهات مختلفة. والمتحف الحربي بما شمله من تطوير وما يحويه من مقتنيات، أصبح من المتاحف القليلة المتخصصة في هذا المجال على المستوى العالمي.
في متحف الأسلحة الملحق بالقصر سيجد المرشد أن هذه فرصة مناسبة لكي يقول إن الله خلق الإنسان، وخلق معه وسائل الدفاع عن نفسه حتى يستطيع البقاء والاستمرار في الحياة، فقد اعتمد الإنسان في حياته الأولى على ساعديه وجسده في الدفاع والهجوم والصيد، ثم اعتمد على عقله في صنع أسلحة بدائية من البيئة المحيطة به، مثل فروع الأشجار بعد تهذيبها وتطويعها لأغراضه إلى أن توصل إلى استخدام النار في حياته اليومية واستخلاص المعادن من خاماتها... فاستطاع أن يصنع الأسلحة المعدنية مثل السكاكين ورؤوس الرماح والسهام والخناجر والسيوف وغيرها، إلى جانب صنع وسائل حماية جسده أثناء القتال مثل الدروع والتروس. وكانت النقلة الكبرى على سلم التطور في مجال السلاح عندما توصل الإنسان إلى اكتشاف البارود واستغلال القوة الشديدة المنبعثة من انفجاره لإطلاق المقذوفات نحو العدو، وبذلك بدأ الإنسان في صناعة السلاح الناري. ويرجح معظم المؤرخين أن الصينيين هم أول من اكتشف البارود، ومن الصين انتشر في العالم، والطريف أن الفرسان الذين اعتادوا النزال بالسيوف والرماح لم يتقبلوا استخدام السلاح الناري، ومثال ذلك أن أحد التجار استطاع الحصول على سر السلاح الناري (المدافع والبنادق) من العثمانيين، وهرب بالسر من الاستانة (اسطنبول) إلى مصر وعرضه على السلطان قنصوه الغوري والمماليك، ولكنهم رفضوا تصنيعه واستخدامه، واعتبروه رمزا للغدر والجبن، بعكس السلاح الأبيض الذي يظهر شجاعة الفارس ومهارته، وكانت النتيجة أن السلطان العثماني سليم الأول، سحق المماليك في الشام واستولى عليها عام 1516م، ثم دخل مصر عام 1517م. وتقوم فكرة السلاح الناري على إشعال كمية من البارود تكفي لإطلاق مقذوف، وتتوقف كمية البارود على حجم المقذوف، وقد توقف تطور السلاح الناري على كيفية إشعال البارود بأسلوب سهل وسريع. كما يعرض في هذا المتحف بعض الأسلحة الشراكية (الخداعية)، وهى عبارة عن مجموعة من بنادق أو سيوف، نفذت على شكل عصا مما يتوكأ عليها، ومجموعة من السيوف والخناجر المزودة بالمسدسات، فتجمع بين السلاحين الأبيض والناري في آن.
وقسم الأسلحة النارية، هو أكبر أقسام المتحف، الذي يبدأ بقاعات السلاح الناري التي عرضت حسب تسلسلها التاريخي، أي حسب تطور جهاز الإطلاق بها (أسلوب إشعال البارود)، فتبدأ بمجموعة البنادق التي كان يتم إشعال البارود بها بواسطة الكبريت، ويعرف هذا السلاح باسم «ماتش لوك»، ثم باستخدام العجلة «الوويل لوك»، وفكرتها تقوم على إدارة عجلة مسننة تلامس قضيبا صغيرا من المعدن فتتولد شرارة تدخل من ثقب صغير في مؤخرة الماسورة فتشعل البارود الذي تنتج من انفجاره قوة تعمل على إطلاق المقذوف خلال الماسورة إلى الهدف الذي اعتبر تطويراً في وسيلة الإشعال من استخدام الشطف بواسطة حجر صغير من الصوان المشطوف يتم الطرق به على جزء معدني بالقرب من ثقب الماسورة فتتولد شرارة تدخل إلى البارود فتشعله. ثم استمر التطوير إلى استخدام «الكبسول» الأكثر دقة في إدخال الشرر إلى البارود، وأخيراً تم التوصل إلى استخدام الطرق بالإبرة على مؤخرة المقذوف المعبأ بالبارود داخل ظرف يجمعهما، فتتولد الشرارة التي تشعل البارود فينطلق المقذوف تاركاً الظرف الفارغ ليخرج من فتحة في مؤخرة الماسورة. وتعرض بهذا القسم مجموعات من الأسلحة النارية المختلفة من حيث التنوع والندرة وأساليب الصناعة، والطرز والأشكال المختلفة، وبعض هذه الأسلحة يرجع إلى القرنين السابع عشر والثامن عشر، وتتمثل في البنادق والغدارات المملوكية والعثمانية والإيرانية، والبعض الآخر يرجع في تاريخ صناعته إلى القرن التاسع عشر، تم إنتاجه في مصر وبعض الدول العربية والإسلامية، أو أوروبا خاصة إنجلترا وألمانيا وفرنسا وبلجيكا وإيطاليا وأسبانيا وغيرها، بجانب ما أنتجته أميركا. وقد انتقل الصانع الفنان من زخرفة السلاح الأبيض إلى زخرفة السلاح الناري متبعاً ذات الأساليب الزخرفية من تطعيم بالأحجار الكريمة، أو التكفيت بالذهب والفضة على قبضة السلاح والماسورة معاً، وقد وصل الإبداع إلى حد تنفيذ مناظر صيد على قبضة السلاح منفذة بأسلوب التفريغ بدقة بالغة.
ومن الأسلحة المعروضة مجموعات نادرة، منها أسلحة عليها اسم محمد على باشا، وأسلحة تخص نابليون بونابرت، وأسلحة تخص كلا من الوالي سعيد باشا (ابن محمد علي باشا)، وأسلحة للخديوي اسماعيل (ابن إبراهيم باشا، حفيد محمد على باشا)، والخديوي عباس حلمي الثاني (ابن الخديوي إسماعيل)، والملك فاروق الأول (ابن الملك فؤاد الأول)، والملكة فريدة، زوجة الملك فاروق. وهناك طبنجتان «كولت» صنعتا بمناسبة افتتاح قناة السويس.
كما تعرض بهذا القسم أعلام كان يستخدمها القائد الشهير إبراهيم باشا في فتوحاته، إلى جانب وجود نصب تذكاري لمحمد على باشا وهو يعتلى صهوة جواده، تحيط به لوحات تمثل أهم المعارك، وأهم الإنجازات التي تمت في عهده في الري والزراعة والصناعة وغيرها... وهذا النصب التذكاري منفذ بالغرانيت. أما اللوحات والتماثيل فمن النحاس والبرونز. وفى الممر الفاصل بين قسمي المتحف الحربي يوجد تليسكوب كبير من النحاس خاص بإحدى الغواصات.
وتضم قاعات قسم الأسلحة النارية بالمتحف مجموعات نادرة من الأسلحة البيضاء، أخرجتها أيدى صناع مهرة من بلاد العالم الإسلامي وأوروبا، من عصور مختلفة. من هذه الأسلحة فؤوس ودبابيس قتال ومطارق وسيوف وخناجر وياطاجانات (سيوف تركية قصيرة)، وسكاكين، وأدوات صيد وسيوف مبارزة (شيش)، بعضها ذو مقبض وغمد من الذهب أو الياقوت والزمرد والمرجان والفيروز... وغيرها من الأحجار الكريمة، وعلى البعض منها زخارف نباتية أو هندسية دقيقة التنفيذ، وعلى البعض الآخر كتابات قرآنية أو أدعية وأشعار أو أسماء أصحابها، نفذت جميعها بالتكفيت بأسلاك الذهب أو الفضة.
وبجانب أسلحة الهجوم توجد أسلحة دفاعية مثل الدروع والتروس والصدريات والظهور والخوذات وواقيات للأذرع والأرجل... عليها زخارف نباتية وكتابات أو رسوم لمعارك منفذة بالتكفيت والتذهيب. كما يعرض زرد مصنوع من نسيج معدني لحماية المقاتل أثناء المعارك، كان يستخدم في العصرين الأيوبي والمملوكي، وقد صنع بأسلوب يعطى للفارس حرية الحركة، بعكس «اللاما» المعروض منها نموذجان، أحدهما كان يستخدمه الفارس الأوروبي في العصور الوسطي، وكان ثقيلا يجعل الفارس بطيء الحركة، وعرضة للسقوط على الأرض والقضاء عليه.
ومن أهم المعروضات بهذا القسم:
* سيف للسلطان العثماني سليم الأول، (القرن 16).
* سيف وفأس قتال للسلطان سليمان القانوني، ابن سليم، (القرن 16).
* سيوف وخناجر خاصة بمحمد على باشا، (القرن 19).
* سيوف وخناجر خاصة بـإبراهيم باشا، ابن محمد علي، (القرن 19).
* سيف خاص بسليمان باشا الفرنساوي، ناظر الحربية في عهد محمد على باشا، (القرن 19).
* سيف عليه اسم الملكة فيكتوريا، (القرن 19).
* سيف خاص بالملك الإيطالى غليوم، (القرن 19).
* خنجر خاص بالقائد الألمانى روميل، (القرن 20).
* سيوف وخناجر أهديت للملك فؤاد والملك فاروق من الملك عبد العزيز آل سعود، مؤسس المملكة العربية السعودية، والملك محمد الخامس، ملك المملكة المغربية، والملك فيصل، ملك العراق، والأمير محمد آل خليفة، أمير البحرين، والإمبراطور هيلاسيلاسى امبراطور الحبشة.
وفي متحف النياشين والأوسمة بقسم المقتنيات الملكية، هناك مقتنيات وتحف متنوعة، منها مجموعة من أسلحة الصيد الثمينة المعروفة باسم «هولند آند هولند»، وهي أغلى أنواع بنادق الصيد في العالم، بعضها لإطلاق الخرطوش فقط، والبعض الآخر لإطلاق الخرطوش والرصاص معاً، وقد سجل على بعضها اسم الملك فؤاد والبعض الآخر اسم الملك فاروق، والتاج الملكي وجميعها منفذة بالذهب.
ويوجد في هذا القسم سيف نادر مرصع بالأحجار الكريمة بأحجام مختلفة، بالإضافة إلى الزخارف المنفذة بالمينا الملونة، ويعرف باسم «سيف التتويج»، حيث كان يتم به تتويج أباطرة روسيا، وقد صنع في ألمانيا... وكان الملك فاروق قد اشتراه من أحد المزادات العالمية. كما يعرض طاقم «كمر» من الجلد الطبيعي المحلي بالذهب المشغول، لحمل طلقات الرصاص مهدى من الملك عبد العزيز آل سعود إلى الملك فاروق.
ومن التحف المعروضة أيضاً الشارات التي كان يستخدمها رجال ونساء لبلاط الملكي في القصر، وهى مصنوعة من الذهب المطعم بالماس. كما تعرض مجموعة من علب السجائر والنشوق من الذهب عليها رسوم لمناظر طبيعية منفذة بالمينا الملونة... ومن بين المعروضات أدوات مكتب خاصة بالملك فاروق، بجانب مجموعات من نماذج لأسلحة بيضاء ونارية صغيرة الحجم دقيقة الصنع، ومجموعات مختلفة من التحف الثمينة
* الناس
* نسيت في غمرة حديثي عن قصر عابدين أن أحدثكم عن أهم ما في حي عابدين، ناس هذا الحي، الذين قاوموا الاحتلال وصمدوا في وجهه، كما نسيت أن أقول لكم انني وصلت إلي نهاية الشارع الذي كنت أسير فيه لأجد قصر عابدين أمامي برائحة التاريخ الذي تنبعث منه، ومن حوله تتناثر نباتات عدة تختلط فيها رائحة الماضي، لكنها تدلني حتما إلى تاريخ حقيقي عاشته المنطقة وعاشه حي عابدين. لم يكن حي عابدين، رغم الثمانين عاما الماضية التي تحدثنا عنها، حيا للملوك والسلاطين فقط، بل كان فيه أيضا الناس البسطاء، الشعبيون، الذين ينتمون إلى طين هذه الأرض.. والذين يتناثرون حول الحي كإطار واق له من علامات التغريب التي أصبحت تحيط بكل شيء في مصر, مسجد الطباخ الذي يقع بجوار قصر عابدين حين انتهيت من صلاة العصر به، جلست مسندا ظهري على العمود الرخامي متأملا، المسجد ورغم محاولات التجديد المستمرة به، إلا أنه لا يزال محتفظا برونقه التاريخي.
بعد انصراف جميع المصلين.. بقي عم عبد الله.. مؤذن المسجد والذي يقترب من الـ85 عاما.. عندما رأيت وجهه الطيب الوضاء.. وملامحه التي تؤكد انه يختزن الكثير من الذكريات، حينما رأيت ابتسامته التي أضاءت وجهه حينما رآني، أدركت انني سأجد عنده ما أريد..
بائع البسبوسة في حجرة جانبية في المسجد مضاءة بمصباح واحد، ومعلقة عليها لوحتان، الأولى بها أسماء الله الحسن، والأخرى عليها آية الكرسي بالخط الثلث، في هذه الحجرة جلست مع عم عبد الله، الذي انهمك في إشعال موقد بدائي لإعداد كوبي شاي..
كان يعمل وهو يحكي لي عن مسجد الطباخ، الذي يبدو أن صاحبه كان أحد طباخي قصر عابدين في عهد الخديوي إسماعيل، حيث كان إسماعيل يسمح لخدمه وطباخيه بإنشاء المدارس والمساجد، وكان أشهرهم خليل آغا، وله مرسدة شهيرة ما زالت تحمل اسمه في شارع الجيش على مقربه من حي العباسية.
عم عبد الله حدثني أيضا عن مبني محافظة القاهرة حاليا، والذي يقع في حي عابدين، وقال لي إنه كان في البداية ثكنات للحرس الخديوي، لكن هذه الثكنات هدمت في عهد الملك فؤاد، وأعيد بناؤها لتصبح ثكنات كما نراها حاليا، كما فتح الخديوي شارعي عابدين وعبد العزيز، وجعلهما من الطرق المؤدية إلى القصر، وخطط منطقة عابدين كلها وردم ما كان حولها من برك مثل بركة الناصرية وبركة السقايين وبركة الفوالة حتى أصبح هذا الحي من أجمل أحياء القاهرة.
عم عبد الله حكي لي أيضا عن حي شارع البلاقة، الذي كان في صباه كما يذكر، الحي الرئيسي في عابدين، كما حدثني عن حي الشيخ عبد الله في ذلك الوقت، والذي كان جبانة أزيلت، ولم يبق من معالمها غير مسجد الشيخ عبد الله، وضريح الشيخ ريحان وبقربه ضريح عماد الدين، صاحب الشارع الشهير المجاور لضريحه.
وحين طلبت من عم عبد الله أن يحكي لي عن ناس حي عابدين الذي عاشوا في هذا الشارع بعيدا عن السلاطين والملوك والرؤساء، أطرق قليلا ثم أطفأ موقده، وصب كوبين من الشاي.. لي وله، رشف رشفة من الكوب وقال لي سأحدثك عن جمعية اليد السوداء.
وعندما فتحت عيني متسائلا قال عم عبد الله لم أعش تلك الأيام وربما عشت أواخرها وأنا بعد طفل صغير، لكن آبي الذي كان يعمل في مصنع للحلوي في حي السيدة زينب (القريب من هنا) حكي لي الكثير، فعندما انتهت الحرب العالمية الأولي في 4 نوفمبر 1918، كان حي عابدين أخطر أحياء القاهرة، خاصة بعد نفي زعيم الأمة في ذلك الوقت سعد زغلول ورفاقه، وقيام ثورة 1919، ففي سنوات الثورة لم يكن أهل عابدين آمنين على أنفسهم بسبب سكن بعض الجاليات الأجنبية معهم، مثل الفرنسيين والروس، الذين كان الإنجليز يتعاملون معهم ويعملون معا. وكان الأهالي لا يستطيعون فتح نوافذهم لأن هؤلاء الأجانب كانوا يطلقون عليهم النار داخل الحارات الضيقة التي لا يزيد عرضها على ستة أمتار.
* حارة السقايين
* من أهم حارات حي عابدين حارة السقايين، التي نتذكر معها دائما أغنية: «ماتروحش تبيع الميه في حارة السقايين»، ورغم عدم وجود «سقايين» في هذه الحارة، إلا إنني اكتشفت في جولتي فيها أنها ليست حارة، بل هي شارع كبير تتفرع منه حواري عدة تمتد حتى حارة «الزير المعلق» عند شارع الشيخ ريحان.
أسير في شوارع حي عابدين، أتنسم تاريخ حواريه أتسمع أصوات الثورات والمظاهرات والهتافات والبكاء والضحك والفرح والحزن، وأقول لنفسي هنا لم يعش السلاطين فقط، بل عاش أبسط الناس أيضا، فأنا أسمع دقات قلوبهم الآن.