قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

أصبح الآن واضحاً جلياً أن المسار السياسي المقترح في العراق قد فشل تماماً. وإذا ما أريد البحث عن مخرج للمأزق الدامي السائد فلا بد من الانطلاق من أسس جديدة، فساعة الحقيقة في العراق تدنو بسرعة.
الخطوة الأولى في المسار السياسي، أي الانتخابات التشريعية في 30 الجاري لاختيار 275 عضواً للجمعية التأسيسية التي ستضع الدستور الذي ستجرى على أساسه الانتخابات في الشهر الأخير من هذا العام، هذه الخطوة الأولى أصبحت الآن موضع شكوك كبيرة في إمكان تحقيقها. فالانتخابات إما أن لا تجرى أو أن ترفض بوصفها غير شرعية من جانب شطر كبير من الأهالي. وهي في كل حال لن تضع حداً لإراقة الدماء ولن تحقق «الديموقراطية».
وهنالك عدد من الشخصيات البارزة طالبت بتأجيل الانتخابات، منها رئيس الدولة بالنيابة غازي إلياور، وهو من كبار زعماء العشائر، الذي طالب الأمم المتحدة هذا الأسبوع بأن تعيد النظر في الموعد المحدد لإجراء الانتخابات، مؤيداً رأي وزير الدفاع حازم الشعلان وعدنان الباجه جي وهو من ألمع الشخصيات السياسية القديمة ويتمتع باحترام الجميع فيما يرأس الآن تكتلاً علمانياً باسم «الديموقراطيين المستقلين».
وواضح أن هناك أسباباً عديدة وقوية تدعو الى تأجيل الانتخابات. ذلك أنه يصعب في مناخ العنف السائد تأمين سلامة الناخبين والمرشحين وأمن مراكز الاقتراع ومراقبي الأمم المتحدة. ولقد توقفت الدعاية الانتخابية ولم تعد الأحزاب تجرؤ على إعلان قوائم مرشحيها خوفاً على حياتهم. صحيح أن الإقبال على التصويت أمر مرغوب في الظروف الطبيعية إلا أنه لا يمكن أن يتم إذا كان سيكلف صاحبه خطر الموت. فتأجيل الانتخابات في هذه الظروف لن يكون مأساة بل العكس فإن إجراءها بعد ستة أشهر أو أكثر، من شأنه أن يفسح المجال لخلق مساحة زمنية ضرورية من أجل توضيح بعض المشاكل التي لم يتم حلها والتي تلقي بظلالها على الساحة السياسية في العراق.
ويمكن أن نشير الى بعض هذه المشاكل في القائمة التالية :
1- مستقبل القوات الأميركية في العراق،
2- احتمالات إنشاء جيش وطني عراقي،
3- دور السنة في مؤسسات الدولة،
4- إمكان تحقيق مصالحة وطنية على أساس برنامج عمل حول مستقبل العراق،
5- دور جيران العراق.

ما هي أهداف أميركا ؟
لعل أكثر الأمور التي هي موضع جدل وتساؤل اليوم في العراق هي حقيقة النيات الأميركية، وما إذا كانت الولايات المتحدة ترغب في البقاء أم المغادرة؟ ذلك هو السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يترتب على الرئيس جورج بوش أن يجيب عنه في بدء ولايته الجديدة يوم 20 الجاري.
ولقد بلغت الخسائر الأميركية حتى الآن 1500 قتيل وما يزيد عن عشرة آلاف جريح. ومن الواضح أن عدد الضحايا يتزايد بدلاً من أن ينخفض بنسبة كبيرة. ولقد كلفت الحرب حتى الآن 130 بليون دولار وينتظر أن تزيد عن 200 بليون إضافية هذا العام. ولقد بدأ الرأي العام الأميركي يتمرد إذ دلت آخر الاستطلاعات على أن 56 في المئة من الأميركيين لا يعتقدون بأن الحرب تستحق هذا الثمن الباهظ من الأرواح والأموال.
وعليه فإن التساؤل يدور حول ما إذا كانت أميركا ستسعى إلى مخرج من العراق يحفظ ماء الوجه، أم أن المحافظين الجدد الذين أصروا على شن هذه الحرب لا يزالون يعتقدون أن في الإمكان التمسك بموقفهم وأنه يمكن تحويل العراق (وموارده النفطية الضخمة) إلى دولة عميلة لأميركا وصديقة لإسرائيل؟
ذلك أن السيطرة على نفط العراق من ناحية وإزالة خطر كامن على إسرائيل من ناحية أخرى هما هدفان من الأهداف الفعلية للحرب.
غير أن هذه الأسباب أصبحت الآن عسيرة التحقيق، فالمصالح الاستراتيجية الأمريكية لا يمكن أن تتحمل حرب عصابات طويلة الأمد في العراق. ولقد حان الوقت لكي يقبل الرئيس بوش ومستشاروه بالوقائع على الأرض والتي تشير إلى أن مقاومة الاحتلال الأميركي تشتد كل يوم، وأنها تمثل تحالفاً لقوى وطنية وإسلامية، وأنه أصبح من الصعب والحالة هذه كسب هذه الحرب التي ألهبت مشاعر الكراهية ضد أميركا في كل أنحاء العالم الإسلامي.
ولقد دلت معركة الفلوجة، هذه المدينة التي يبلغ عدد سكانها 300 ألف نسمة، والتي دمرها الأميركيون من أجل «تحريرها»، دلت الى أن للقوة الحربية حدودها.
ولعل السبيل المعقول لنزع فتيل الوضع المتفجر هو أن تعلن الولايات المتحدة رسمياً بأنها لا تريد إقامة قواعد عسكرية دائمة في العراق أو السيطرة على اقتصاد البلاد ومواردها النفطية بل أنها تنوي سحب قواتها خلال عام 2005.
وعلى أميركا أن تصحح صورتها ولو جزئياً، وأن تتعهد دفع مبلغ 30 إلى 50 بليون دولار لإصلاح الأذى الفادح الذي ألحقته بالعراق، على أن يودع هذا المبلغ في صندوق تحت إدارة الأمم المتحدة ويصرف على مراحل بعد جلاء قوات التحالف.
سبق لي أن كتبت بأن المؤسسة الوحيدة القادرة على ضبط العراق هي الجيش العراقي - لا هذا الجيش الضعيف الذي تحاول أميركا تكوينه، بل جيش عراقي حقيقي تحت قيادة عراقية. وسبق أن جرت عمليات تطهير عدة في هذا الجيش - في العام 1958 بعد الانقلاب على النظام الملكي، وفي العام 1963 بعد الانقلاب البعثي، ثم في العام 1968 حين تولى صدام حسين الحكم. ولكن الجيش ظل رغم ذلك كله مؤسسة قوية وسليمة. ولذا فلا بد من العودة إليه الآن.
ولقد كان من أهم الأخطاء التي ارتكبها بول بريمر، الحاكم الأميركي الفعلي للعراق، قراره بحل الجيش العراقي. والآن لا بد من العودة عن هذا القرار، ولا بد من دعوة معظم الضباط والجنود للعودة على ثكناتهم تحت قيادة جديدة، وهذا أمر يمكن تحقيقه بمجرد إعلان أميركا عزمها على مغادرة البلاد.

كيف سيكون العراق الجديد ؟
من الواضح أن أهل السنة الذين يشكلون 20 في المئة من سكان العراق والذين سيطروا على البلاد خلال عقود طويلة لن يرضوا بتهميشهم وحرمانهم من امتيازاتهم في ظل السيطرة الشيعية. ولقد أعلن الحزب السياسي السني، حزب العراق الإسلامي، في الشهر الماضي بأنه لن يشارك في الانتخابات. كذلك فإن كبار رجال الدين من السنة يدرسون الوضع في حين تهدد تشكيلات المقاومين مثل «أنصار السنة» بقتل كل من يشارك في التصويت أو في تنظيم الانتخابات. ولا بد لكي تعالج مخاوف السنة المشروعة من إيجاد صيغة دستورية تضمن حقوق جميع الطوائف. فالعراق شأن كثير من الدول العربية عبارة عن مزيج من الاثنيات والطوائف الدينية كل منها قلق من المستقبل. ولقد أدى الاحتلال الأميركي إلى زيادة الفروقات حدة بين الطوائف وإلى بعث شبح الحرب الأهلية. ولعل العلاج يكون في وضع نظام توزع فيه السلطة المناصب بصورة متكافئة بين مختلف الجماعات والطوائف، على نسق الميثاق الوطني الذي اعتمده لبنان عام 1943 لإرضاء مشاعر الطائفتين الإسلامية والمسيحية.
هل يكون العراق الجديد موحداW أم فيديرالياً؟ وهل يكون نظامه السياسي علمانياً أم إسلامياً؟ والى أي مدى يمكن إرضاء طموحات الأكراد في حكم ذاتي ضمن حدود الدولة العراقية المقبلة؟ كل هذه الأمور وسواها من المشاكل الأساسية بحاجة إلى مناقشة علنية مطولة في جو من الصفاء والسكون قبل تنظيم انتخابات مجدية وقبل وضع الدستور الدائم.
هناك ثلاثة أمور واضحة تماماً: أن الوجود العسكري الأميركي هو جزء من المشكلة وليس هو بالحل. فليس في مقدور دولة خارجية أن تفرض نظاماً سياسياً على بلد ضد رغبات سكانه، ولا معنى للانتخابات في غياب نوع من المصالحة الوطنية.
ويمكن لجيران العراق أن يلعبوا في كل ذلك دوراً مفيداً. فيمكنهم أن يستضيفوا اجتماعات للسياسيين العراقيين في جو وبيئة آمنين، ويمكنهم أن يقدموا ضمانات للطوائف المظلومة، ويمكنهم أن يتوسطوا للتوصل الى وقف القتال أو هدنة بين أطراف متحاربة. ويمكنهم إقناع الجماعات المسلحة أن توقف إطلاق النار.
بل أن دول الجوار تستطيع أن تعرض إرسال قوات لحفظ الأمن إلى العراق لتحل محل القوات الأميركية والبريطانية. فإيران وتركيا، والسعودية ودول الخليج، وسورية والأردن، جميع هذه الدول مهتمة بإيجاد عراق مستقر ويعيش بسلام في ذاته ومع جيرانه، ومتحرر من أي نفوذ خارجي.
وأما الوضع الراهن فلا يمكن استمراره، ولا بد من تفكير جديد في واشنطن بالذات لئلا تتسرب سموم الجراح العراقية لتلوث المنطقة بأسرها.