قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

عمان من بسام البدارين: تحاول المؤسسة السياسية الأردنية عبثا منذ أسابيع استخلاص او استنتاج السر الأعظم الذي يدفع الادارة الأمريكية أولا لرفض مناقشة اي مقترحات تحت عنوان تأجيل الانتخابات العراقية، وثانيا للتساهل أكثر مما ينبغي مع شيعة العراق وبالتالي مع برنامجهم المعلن في قطف نتائج الانتخابات وتشكيل حكومة شيعية يخشي الأردن من أنها ستدين بالولاء للجمهورية الإيرانية.
وهذه المحاولات بدأت مع زيارة الملك عبد الله الثاني الأخيرة لواشنطن، إذ كانت عمان تناور في البيت الأبيض لطرح فكرتها حول ضرورة تأجيل الانتخابات. ومن لحظة البداية قمعت المناورة الأردنية فرفض الرئيس جورج بوش مجرد مناقشة الموضوع وصاغ ردة فعله علي تعليق أردني ملكي بالخصوص علي شكل سؤال فيه من الاستدلال والاستنكار الكثير حيث قال: ما الذي تريدون ان أقوله للشعب الأمريكي عندما أؤجل الانتخابات؟
وحتي تلك اللحظة كان الموقف واضحا وأدركت عمان بحسها وحساسيتها بأن الفرصة غير متاحة للنقاش بتأجيل الانتخابات، فاندفعت بالاتجاه الموازي عبر خطة سياسية ودبلوماسية بثلاثة اتجاهات: أولا مضايقة الإيرانيين والحد من نفوذهم قدر الامكان مع إدراك مسبق بان المحاولة قد تفشل، وثانيا اللحاق بالوقت وتحريض سنة العراق وعشائره الأساسية علي المشاركة في الانتخابات مع ترتيب عمان كقاعدة خلفية لدعم الانتخابات العراقية، وثالثا طرح قضية الاستفتاء الذي يقول الأردن انه ضروري في حالة قيام حكومة شيعية علي اعتبار انه يوفر فرصة وان كانت هامشية لتضييق هوامش التحرك امام حكومة المستقبل الشيعية خصوصا فيما يتعلق بوثيقة الدستور الدائم.
وانتهي المشهد الأردني ـ الأمريكي علي هذا الأساس، لكن عمان بعد ذلك اضطرت سياسيا وفلسفيا للغرق في التأملات بعد ان اكتشفت بان خبرتها بالأمريكيين لم تسعفها في تحصيل مبرر منطقي يفهم تجاهل واشنطن الغريب لاحتمالات تشكل حكومة شيعية دينية في بغداد تخاصم الدول العربية الصديقة لها او يقرأ ذلك التفاعل الخفي أمريكيا مع الإيرانيين تحت العنوان الانتخابي.
وفي الأثناء لاحظ الجميع بان واشنطن تكثر من الضغط علي سورية فقط بالمعادلة العراقية ولا تتحدث لا علنا ولا سرا عن محاولات التدخل الإيرانية في الانتخابات العراقية، رغم ان الجيش الأمريكي امسك بعض مثل هذه المحاولات التدخلية متلبسة بالجرم المشهود، مما زاد بطبيعة الحال في مساحة التأملات الأردنية الحائرة في الفضاء الأمريكي العراقي، خصوصا وان الشخصيات الكردية مثل هوشيار زيباري وزير الخارجية هي التي تحدثت مع عمان وغيرها عن ضبط وثائق لها علاقة بتحويلات مالية إيرانية لشركاء طهران المرشحين للانتخابات في الجنوب.
وفي الواقع وفي المستوي السياسي لا زالت عمان حائرة بخصوص أسرار وخفايا التواطؤ الأمريكي مع الشيعة والإيرانيين في العراق رغم ما يحمله هذا التواطؤ من أخطار علي الحلفاء العرب وبينهم الأردن والسعودية وغيرهما. لكن في قواعد العمل السياسي لا يمكن الوقوف فقط عند المحطات الحائرة وعليه تبذل عمان السياسية حتي اليوم محاولات مجهدة للفهم والاستخلاص.
ولا توجد تنظيرات معلبة وجاهزة يمكن بواسطتها تتبع ذلك الخيط الرفيع الذي يربط الإيرانيين بالأمريكيين، لكن التصور الأكثر رواجا داخل مؤسسة القرار والنخبة الأردنية هو ذلك الذي لا يستبعد علي الاطلاق وجود خط انتاج خلفي بين طهران وواشنطن يتجاوز براغماتيا ويوميا عقدة الشيطان الأكبر ويؤسس لحالة جديدة مستغلا التركة او الجثة العراقية الهامدة الآن.
وهذا الخط من باب الافتراض الأردني العملي بطبيعة الحال يتغذي علي أيديولوجية الإصلاحيين الإيرانيين المضادة في عمقها للتعريب وحتي للشراكة مع الشيعة العرب او مع العالم العربي المغرق في المآسي. ويبدو هنا ان التعامل إيرانيا مع الأمريكيين ابتداء من الساحة العراقية وفقا للتحليل كان محصلا لنقطة التلاقي بين المؤسسة الإيرانية الإصلاحية البراغماتية التي تسعي للتغريب وبين المؤسسة الدينية الباطنية المتشددة في طهران التي يحكمها بطبيعة الحال عقل ثأري وانتقامي يخطط لتحرير الاتباع من شيعة العراق من سيطرة السنة والبعثيين.
وفي عالم السياسة اليوم يمكن حصول مثل هذا التلاقي الثلاثي لكن لابد من وجود مصلحة أمريكية باطنية ايضا لتفعيل التلاقي والتواطؤ الثلاثي في العراق وهذه المصلحة تختصرها شخصية أردنية بارزة تحدثت لـ القدس العربي وقررت بان الجناح المحافظ في البيت الأبيض لم يعد يمانع تجريب صفقة من طراز خاص مع الإيرانيين والشيعة عنوانها ضرب السلفية السنية العربية التي نتج عنها 11 سبتمبر وضرب الارهاب بنسخته المستنسخة سعوديا بواسطة تمكين السلفية الشيعية البراغماتية من الأمور في العراق.
وأصحاب هذا الرأي يستدلون علي صدقيتهم النظرية بالاشارة للضغط الاعلامي الهائل علي السعودية والوهابية في كل من الولايات المتحدة وبريطانيا ويرون بان الأمريكيين ما زالوا متوقفين عن عقدة 11 سبتمبر ودور المؤسسة الدينية السعودية السنة في استنساخها.
والحلفاء العرب في هذا الاطار ليسوا مهمين او مؤثرين، فالحقائق تشير الي ان أسامة بن لادن خريج المدرسة السعودية وأبو مصعب الزرقاوي أردني الأصل والجنسية والنشأة مما يعني ان ألد أعداء امريكا من رموز السلفية السنية في العالم والعراق ينتمون لبلدان عربية سنية حليفة وصديقة لواشنطن.
اذا الفرصة متاحة لتجريب ما لم يجرب وهو الشيعة في العراق علي ان يحصل تفاهم معهم ومع مرجعيتهم الإيرانية في اطار صفقة سياسية ونفطية وأمنية وانتخابية وعسكرية لم يعد يوجد ما يمنع انجازها وانضاجها من الطرفين في اطار تنامي البراغماتية الإيرانية وتوفر فرصة تاريخية لطهران لكي تضرب عصفوين بحجر واحد تحكم العراق في سياق لعبة مع الأمريكيين وتتحول لحليفة صامتة لواشنطن وكذلك في اطار تحرك مجموعة صقور واشنطن المتشددين أصلا انطلاقا من عقدة غزوة نيويورك والعقلية الكارهة للسلفية السنية.
ومن هنا حصريا يمكن فهم شعور بلد صديق للأمريكيين كالأردن بالخطر الشديد فالخطر الأهم هو انجاز صفقة تاريخية بين الأمريكيين والإيرانيين عبر العراق وليس الهلال الشيعي جزئيا وهي صفقة اذا ما نضجت لاحقا ستعيد انتاج شكل التحالفات في المنطقة وستأخذ في طريقها المحور السوري ـ اللبناني علي حساب الاستقرار في السعودية والبحرين والكويت ويمكن القول ببساطة شديدة بان الأردن مقتنع نسبيا بان الانتخابات العراقية ستكون أول بروفة في ترتيبات هذه الصفقة.
وبالسياق اضطر الأردن للتصرف وقائيا فحذر اليابان من خطورة سيطرة أس واحد علي كمية النفط الهائلة بين العراق وإيران مختارا بعناية وبدبلوماسية طوكيو كقوة اقتصادية مؤهلة لتغيير قواعد اللعبة اذا أرادت.
وبنفس الوقت وقياسا للظرف الموضوعي أصبح التلاقي أردنيا مع اسرائيل اضطراريا حيث تتحدث عمان عن لحظة تعاكس نادرة بين البوصلتين الاسرائيلية والأمريكية وعليه تقاربت تل أبيب مع عمان التي سترسل سفيرها قريبا بعد غيابه اربع سنوات فيما عملت القاهرة كوكيل لشارون في المنطقة استشعارا لنفس الخطر من جانبها.
وفي الواقع لم تكتف عمان بذلك فهي بصدد تحريض دول الخليج علي الوقوف معها لاحباط سيناريوهات التلاقي المفترضة بين ملالي طهران وملالي واشنطن المتشددين علي حد تعبير مصدر اردني رفيع المستوي.
ولانجاح العملية التحريضية ستتم الاستعانة بالدولة التركية والأكراد وباليابان وبالدول الأوروبية ايضا، وهذا حصريا ما عبر عنه وزير الخارجية الأردني هاني الملقي عندما ابلغ الصحافيين في لقاء خاص ومغلق بان قصة القطب الواحد والوحيد في العالم صحيحة لكنها ليست قدرية ولاتعني التوقف عن محاولات الاتصال بالأخرين مشيرا الي ان تجميع بؤرة هنا وأخري هناك وثالثة ورابعة سيشكل قطبا جديدا.
ومن هنا يعتقد علي نطاق واسع بان التحرك الدبلوماسي الأردني المقبل سيتخذ شكل تحريض السعودية علي التكلم بصوت مرتفع بعد الآن مع تذكيرها بان منطقة النفط الشرقية تضم أغلبية من السكان الشيعة مع محاولة التلاطف مع سورية قدر الامكان بدلا من تركها لعزلتها وتمكين الإيرانيين منها مجانا ومع احضار مصر قدر الامكان لنفس المسرح دائما عبر تكريس عقدة الشقيقة الكبري وصاحبة العقد والربط.
ويمكن القول ان التحرك الأردني بدأ فعلا فالملك عبدالله قال علنا بان سورية دولة شقيقة والعلاقات معها اخوية جدا ورئيس وزرائه فيصل الفايز صرح بتفهم المخاوف والهواجس السورية وتم استقطاب مصر بحرص لاجتماع جوار العراق رغم ان وزير خارجيتها احمد أبو الغيط حافظ علي مسافة مع الطرح الأردني عندما قال بان بلاده لن تحرض السنة او تطلب منهم المشاركة في الانتخابات وأبو الغيط قال ذلك بعدما فتح السيستاني قناة اتصال مع حكومته عبر موفده للقاهرة قبل يومين.
ويمكن القول ايضا ان عمان تعاملت بتكتيك يقترب من نظام القطعة قطعة فأمير قطر الشيخ حمد عندما لمح لعدم اهتمامه بملف الشيعة والانتخابات مشيرا الي ان بلاده الحمد لله لا يوجد فيها شيعة ولا مشكلة شيعية قيل له أردنيا علي الفور بانه لا يستطيع الاسترخاء فقطر لا يوجد فيها شيعة صحيح لكن بجوارها توجد البحرين وفيها 70% من الشيعة.