محمد عبدالهادي:‏ يعد تبادل طبع القبلات علي الخد بين الرجال أوالنساء عادة في الثقافة الانسانية عموما ـ وإن كانت غير مستحبة بين الرجال أحيانا ـ وذلك تعبيرا عن الترحيب والمودة‏,‏ أما تبادل القبلات بين رجل وسيدة علي الخد فهي عادة غير مستحبة إطلاقا وفقا للتقاليد العربية ومعتادة في التقاليد الغربية‏.‏
وفي الحياة السياسية العربية اعتاد الناس رؤية المسئولين العرب يتبادلون القبلات عند اللقاء أو الوداع‏,‏ ومن ثم تكون الصدمة كبيرة عند رؤيتهم رجلا أجنبيا وسيدة عربية أو العكس يتبادلان القبلات علي الخد‏,‏ وهو أمر بدأ وارتبط في الحياة السياسية العربية بعملية السلام التي شهدت الغالبية العظمي من هذه العينة بشكل بدت فيه هذه القبلات سياسة بغرض كسر الحواجز النفسية والمساعدة في تليين المواقف وتحقيق التقارب الأمر الذي أثار في نفس الوقت مخاوف علي المفاوض العربي من هذه السياسة‏!‏

قواعد البروتوكول
لاتتضمن قواعد البروتوكول‏(‏ الأسس الموضوعة والمتعارف عليها في المعاملات الرسمية‏)‏ أو الاتيكيت‏(‏ آداب السلوك في كل مايصدر عن الدبلوماسي من تصرفات مع الغير‏)‏ قواعد خاصة بشأن تبادل القبلات بين الرجل والمرأة علي الخد بسبب التقاليد العربية المحافظة‏,‏ أما تبادل القبلات بين الرجل‏(‏ علي الخد فقط‏)‏ فهي عادة شائعة بين العرب عند السلام أو التعارف باعتبار هذه الوسيلة نوعا من المودة أو المجاملة‏.‏
أما في الغرب فالقبلة بين الرجل والمرأة لها قواعدها كما يوضح السفير عبد الفتاح شبانة في كتابه‏(‏ الدبلوماسية‏..‏ القواعد الأساسية‏)‏ حيث يقبل كل صديق زوجة صديقه علي الخد وهو يسلم عليها‏,‏ ويختلف عدد القبلات من بلد لآخر ففي أمريكا قبلتان وفي فرنسا ثلاث قبلات‏,‏ وفي كثير من الدول الافريقية أربع‏,‏ ولايجوز لشخص أن يقبل سيدة يقابلها للمرة الأولي مهما كانت درجة جمالها أو أن يقبل سيدة لها مركز اجتماعي يمنع هذا التباسط دون إذن‏,‏ كما يجب مراعاة التقاليد‏,‏ ويواجه بعض الدبلوماسيين العرب في الخارج مشكلات ـ والكلام علي لسان شبانة ـ حين يقومون من باب التقليد بتقبيل السيدات وسرعان مايواجهون بمأزق قيام أزواجهم بالمثل مادام الدبلوماسي العربي وافق علي المبدأ‏(‏ قبلات بريئة‏)‏ ونفذه وهنا يحدث أحد أمرين فإما أن تصاب الزوجة العربية بذعر يثير الانتباه أو أن يتأخر رد فعلها ثواني تكون كافية لوصول القبلة إلي الخد العربي المحافظ‏,‏ ويتبع ذلك إنذار للزوج الدبلوماسي بأن أمامه اختيارا من أثنين إما الامتناع عن تقبيل زوجات الغير تمسكا بتقاليدنا العربية حتي يمتنع الآخرون عن تقبيل زوجته أو أن يتفضل ويحضر منفردا الحفلات التي فيها نساء‏.‏
أما تقبيل يد السيدات تعبيرا عن الاحترام والتقدير فوفقا للقواعد يمسك الرجل‏(‏ برقة‏)‏ يد السيدة ويرفعها إلي شفتيه أو ينحني قليلا ليضع قبلته علي اليد الممدودة كتعبير رمزي عن الاحترام وليس وسيلة للمتعة‏.‏

بدأت معرفة الرأي العام العربي‏(‏ رؤية العين‏)‏ بهذا التقليد الغربي في مناسبة تاريخية هي توقيع معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية في‏26‏ مارس‏1979‏ حينما بادر الرئيس الأمريكي جيمي كارتر ورئيس وزراء إسرائيل مناحم بيجين في غمرة الاحتفال بالسلام علي السيدة جيهان السادات ووضع قبلة علي الخد تعبيرا عن التحية والمودة وفق الأسلوب المتبع في الغرب‏.‏ وشهدت المفاوضات العربية الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد‏1991‏ القبلات الأكثر عددا وبطلتها السيدة مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة‏,‏ كما كان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات الأوفر حظا ـ علي المستوي العربي ـ بقبلات أولبرايت‏.‏
لكن هذه القبلات تركت آثارا سلبية علي عرفات‏,‏ فبعدما وافق نهاية عام‏1999‏ علي النصائح الأمريكية والأوروبية بتأجيل إعلان الدولة الفلسطينية التي كان من المفترض إعلان قيامها في الرابع من مايو عام‏2000‏ حسب اتفاق القاهرة لعام‏1994‏ أدلي عضو اللجنة المركزية لحركة فتح السيد هاني الحسن بتصريح في لندن عبر فيه عن ما سماه إحساسا سائدا في العالم العربي بأن عرفات انخدع بدبلوماسية الشفايف‏.‏
ومن المفارقات أن ينخدع عرفات بهذا النوع من الدبلوماسية التي كان أشهر من يمارسها حيث كان يقبل من يلقاه ثلاثا وأحيانا بقبلة اضافية علي الرأس وبسبب هذه العادة غير المستحبة في الثقافة الغربية أصر رئيس وزراء إسرائيل اسحق رابين في مراسم توقيع اتفاق أوسلو بواشنطن في سبتمبر‏1993‏ علي عدم تبادل القبلات علي الخد مع عرفات‏.‏
وانتقل تخوف الحسن إلي الكثير من الخبراء العرب ومنهم الأستاذ جميل مطر الذي أبدي تخوفه من تراجع الأداء العربي في المفاوضات بسبب هذا النوع من الدبلوماسية وملابس بعض سيدات الدبلوماسية الأمريكية حيث يشعر المفاوض العربي الرجل بالحرج ويصرف النصيب الأكبر من جهاده لغض بصره عما لاينبغي أو يستحق أن يشرد فيه‏.‏
لكن ذلك عند أولبرايت لم يكن سوي أداة دبلوماسية فقد ذكرت في مذكراتها التي صدرت العام الماضي أنها تبادلت مع رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو ما سمته‏(‏ عناقا دبلوماسيا‏)‏ خلال مفاوضات واي ريفر في أكتوبر‏1988‏ برغم ماشهدته هذه المفاوضات من إنزعاج أمريكي من سياسة نتانياهو وأسلوبه التفاوضي‏.‏

انتهازية سياسية
في حالات أخري تحولت قبلة دبلوماسية إلي أداة في الدعاية الانتخابية‏,‏ فقد استغل الرئيس الأمريكي جورج بوش قبلة طبعها الرئيس الفرنسي جاك شيراك علي خد السيدة لورا بوش عند زيارتها باريس في يناير‏2004‏ خلال حملته الانتخابية لاعادة ترشيحه لولاية ثانية علي خلفية الموقف الفرنسي المعارض للعدوان علي العراق‏,‏ ففي جولته الانتخابية في ولاية كاليفورنيا أبدي بوش حزنه لأنه لم يلق نفس المعاملة من شيراك‏.‏
أما هيلاري كلينتون فقد تبرأت من تبادلها القبلات مع السيدة سهي عرفات عند زيارتها رام الله عام‏1999‏ تحت ضغط من اللوبي اليهودي لتفادي الفشل في الفوز بمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية نيويورك وزادت علي ذلك بقيادة حملة جمع تبرعات لشراء خوذات وبدل واقية من الرصاص للمستوطنين اليهود في الأراضي الفلسطينية المحتلة‏!‏
أما بوش نفسه فقد أثارت القبلات الحارة التي وزعها بعد فوزه بولاية ثانية في نوفمبر الماضي علي وزيرتيه الجديدتين كوندوليزا رايس للخارجية ومارجريت سبيلنجز للتعليم الدهشة في الأوساط الأمريكية‏,‏ فبينما منح بوش رايس قبلتين عفيفتين علي الخدين‏,‏ فقد منح مارجريت قبلتين جاءتا قرب فمها ولم يكن سبب الدهشة هو القبلات بل قيام بوش بذلك وهو الرئيس الذي طالما يشدد علي نزعته الريفية الأمريكية المحافظة وأداء القبلات بأسلوب أقرب إلي السلوك الأوروبي‏!‏ ونصحت واشنطن بوست بوش باعتماد القبلة السريعة علي الخدين لأن رؤيته وهو يوزع القبلات خلال حملته الانتخابية شيء ورؤيته وهو يضع شفتيه علي وزيرات في حكومته شيء آخر‏.‏

أبعد من قبلة
وقد تجاوزت دبلوماسية الشفايف مداها علي يد الممثلة الايطالية تشيتشو لينا إلي مايمكن تسميته بـ دبلوماسية الإغراء وذلك من أجل تحقيق السلام العالمي فقط‏,‏ فقد طرحت في أكتوبر‏2002‏ مبادرة لتجنب الحرب علي العراق هي استعدادها لتقديم نفسها للرئيس العراقي‏(‏ المخلوع‏)‏ صدام حسين مقابل السلام ولإقناعه بالتجاوب مع نزع أسلحة الدمار الشامل‏,‏ مايعني أن مبادرتها كانت ستبقي بلا جدوي وجهودها ستذهب هباء ضحية للأكاذيب الأمريكية ولن تتحقق أهدافها بعدما تبين بعد الحرب أن العراق لم يكن به أسلحة دمار شامل‏!‏