قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

تخيلت لو أنني كنت عراقياً هذه الأيام، فالانتخابات على الأبواب، وللمرة الأولى سوف يرسم العراقيون ملامح مستقبلهم بأنفسهم وعبر صناديق الانتخاب نهاية هذا الشهر، تخيلت لو أجريت الانتخابات في موعدها، هل كنت أشارك فيها؟ لو كنت عراقياً وشاركت في الانتخابات فلمن كنت أعطي صوتي؟
لو كنت عراقياً لأعطيت صوتي للعراق. لو كنت عراقياً لتسامى العراق في قلبي وروحي فوق كل الأحزاب والمرشحين والقوائم والطوائف والأعراق والقوميات، ولألقيت بأحرف القلب والضمير صوتاً صادقاً للنخل، ولطرحت ثقتي بالرافدين، وللثمت الأعشاب والنبات والخوص المتناثر على ضفتي شط العرب، ولمددت يدي نحو الطفل في العراق، ولقبلت كل أطفاله بروحي ومشاعري وصدقي من أجل الطفولة الحالمة البريئة، ولسقيت وردة تنمو تحت فروخ النخل بصفاء حبي الصادق لبلدي.
هكذا كنت سأصوت لو كنت عراقياً. لو كنت عراقياً لنظرت لمن يطرح تلاوين العراق بأعراقه، ولمن يصف الفسيفساء الجميلة التي تشكل مع بعضها كينونة العراق منذ آلاف السنين. فالعراق ليس ككل البلدان، وتركيبته المتعددة أرادها الله أن تكون هكذا متنوعة تنوعاً سرمدياً. لم يكن العراق عراقاً لو كان لوناً واحداً، أو ديناً واحداً، أو قومية واحدة، أو طائفة واحدة تلغي الآخرين.
أشفقت على العراق بعد تعدد التصريحات حول مستقبل الانتخابات. فوزير الدفاع حازم الشعلان لمح إلى إمكانية تأجيلها لو أن السنُّة وافقوا جميعاً على المشاركة فيها بعد تأجيلها. بل إن الشخصية الوسطية للرئيس العراقي غازي الياور ألمحت أيضاً إلى إمكانية تأجيلها لو طلب مجلس الأمن ذلك بعد التأكد من استحالة عقدها بمشاركة كل الأطراف وبالذات الأطراف السنية التي أعلنت معظمها مقاطعة الانتخابات.
رئيس الوزراء العراقي الدكتور إياد علاوي أكد في تصريح له بعد تصريح الرئيس الياور أن الانتخابات سوف تعقد في موعدها، وكذلك أكد وزير الخارجية هوشيار زيباري، وترددت الأخبار بأن وفداً يمثل السيد السيستاني زار القاهرة في محاولة تأييد مصري لعقد الانتخابات في موعدها وإقناع السنة بالمشاركة فيها.
كان الحزب الإسلامي العراقي - أكثر الأحزاب السنية انتشاراً إعلامياً- قد أعلن انسحابه من خوض الانتخابات لعدم توفر الأجواء الأمنية لعقدها، وأعلن رئيس الحزب محسن حميد لقناة "العربية" في يوم تصريح رئيس الوزراء ووزير الخارجية أن عقد الانتخابات مستحيل في ظل الظروف الأمنية، قائلاً إنه "لا يمكن أن تجرى انتخابات يغيب عنها السنة، أو يغيب عنها الشيعة. ونحن يؤسفنا أن نقول شيعة وسنة، ولكن هذا هو الواقع. فنحن أمة واحدة وشعب واحد". توقفت برهة لأتمعن في التصريح، فكيف يمكن أن يقال إن العراقيين شعب واحد وأمة واحدة من قبل أحزاب لا ينتمي إليها سوى أبناء طائفة محددة، وهذا الكلام ينسحب على أطراف طائفية التركيب بين الفريقين، السنة والشيعة.
عناصر عديدة من أعداء العراق والحرية ترقب الجدل الجديد حول تأجيل الانتخابات من عدمه "وتطق اصبع" -كما يقال في اللهجة العراقية- فرحاً. فها هو الفريق الوحيد الذي تماسك طيلة الشهور التي تلت سقوط نظام صدام يختلف فيما بينه اختلافاً جذرياً حول مسألة كانت جوهر تماسكهم، وهي مسألة الديمقراطية وحق الشعب العراقي في تقرير مصيره. وبدأ الواحد يرقب الوضع العراقي بنوع جديد من القلق لم يكن معهوداً طيلة الشهور الماضية. فعلى الرغم من الاختلافات والقتل والإرهاب والتفجيرات، إلا أنه وجد فريق تماسك رغم الاغتيالات والخيانات والسيارات المفخخة... وهو اليوم يرقب ما سيؤول إليه الجدل الجديد. في ظل هذا الجدل المفزع الجديد حول موعد الانتخابات، تخيلت الحيرة والقلق الذي يعيشه الإنسان العراقي، وتخيلت نفسي لو كنت عراقياً.