قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

هو نفس الرجل وهو الرجل نفسه، رجل على الصراط المستقيم، كل ما يعمله في اليوم نفسه·· أن لديه نفس البرنامج، يرى نفس الوجوه، يتناول نفس الأكل، يسلك نفس الطريق، يرتاد نفس المكان الذي يشتري منه الأشياء المطلوبة منه، يلوك نفس العبارات اليومية الرتيبة والتي عادة ما يستعملها بضجر، يقوم بنفس الواجبات المنزلية التي يعجز عنها والتي تشمل المذاكرة للأولاد، يعطي نفس الوعود التي يمكن أن يعد أطفاله بها، والتي يتهرب من نصفها، ويلقي بالنصف الثاني على أمهم، يلتقي نفس الأصدقاء المملين الذين يجتمع بهم كل مساء، يدفع نفس البقشيش الذي يدفعه عادة للحارس السيخي في فندق المريديان آخر الليل، ترده نفس الطلبات من نفس الموظفين وهو يرفضها على الدوام، وهم لا يملون، يعاني من نفس نكد الزوجة، وطلباتها في الأوقات غير المناسبة وأوجاعها الكثيرة والمتكررة وأحلامها التي تكدّ في تفسيرها مع صديقاتها وتعيدها عليه بعد رجوعه من العمل، وهو بنفسية متضايقة وغير مكترثة لا بها ولا بأحلامها، لا يكتمل نهاره إلا بشرب نفس فناجين القهوة التي توصيه زوجته يومياً بعدم شربها، ويحرق نفس علب السجائر التي يحرقها رغم إدعائه دائماً أنه يخفف منها الآن، يشكو نفس الأوجاع التي يشكو منها، وأي نغزة جديدة معناها عنده مرض جديد، يغرّ نفسه من نفس دواء الحموضة الذي يشربه عادة بعد كل ثلاثية القهوة وسداسية أعواد السيجارة، يردد نفس الشكوى التي يشكو منها شهرياً أن مصاريفه أكثر من مداخيله، يسمع نفس أغاني الترللي التي يرددها في ساعة بسطه القليلة، ما زال يعجب بنفس الممثلات القديمات اللائي أصبحن كأكياس الأرز الممتلئة، يضرب نفس وعود ومواعيد السفر التي لا يسافرها بأعذار عديدة، ومبررات واهية، يصحو على نفس الأحلام والكوابيس الليلية، يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويسمي بسم الله وينام، لتعاوده نفس الأحلام من جديد، يذهب لنفس الحلاق الذي يزوره في اليوم نفسه من كل شهر، يطلب منه نفس التحسونة التي لا يغيرها عادة، ويدهن من نفس الصبغ، ويكرر عليه نفس الطلبات الشهرية الصغيرة، لا يشرب الماء إلا قليلاً، وحين يتذكر، لا يحب أن يتناول الفاكهة ويبدو أنه نسي شكلها، لولا أنه يراها أحياناً على شاشة التليفزيون، لا يذهب إلى دبي إلا كل كم سنة، ولا يعرف كم هي تغيرت، لا يرى جسر المقطع إلا إذا خربت سيارته أو هرب عامل من ورشته، لم يدخل صالة للعرض السينمائي منذ هدم سينما الفردوس··
هذا الإنسان الذي يشبه نفسه، يخاف أن يأتي بشيء يغير برنامجه أو يخربط يومه، أو يحيد به عن الطريق المستقيم، يريد كل شيء في الحياة أن يذهب على هونه وفي عونه، لكن كم نحن قريبون من هذا الشخص أو كم نحن بعيدون عنه، تلك بعض أسئلة الحياة الجميلة··