قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

في مطلع عام ،2005 وفي حوار تلفزيوني مهم عن آفاق الاصلاح والتغيير التي كثر الحديث عنها عربيا طوال العام المنصرم، أشار أحد المحللين الى انفاق مبلغ قدره حوالي 600 مليون دولار أمريكي على ندوات ثقافية عربية تناولت قضايا الاصلاح والتغيير.
في الواقع، شهدت الحياة الثقافية العربية نشاطات ثقافية لا حصر لها، لكن النتائج العملية لتلك الندوات بقيت ذات طابع اعلامي بالدرجة الأولى، حتى إن المشاركين في بعضها، وأنا واحد منهم، كانوا على قناعة تامة بأنها مجرد ندوات استعراضية في الغالب، وأن ما سيصدر عنها من توصيات سيبقى حبرا على ورق، ويضاف الى مئات التوصيات السابقة. مع ذلك، لا بد من رصد ظاهرة مهمة في هذا العام هي أن بعض المثقفين المشاركين في تلك الندوات، انتقدوها علنا في وسائل الاعلام، وطالبوا بتطويرها، وأن يكون هناك برنامج واضح وجدي، للاستفادة من الحشد الكبير الذي يستدعى للمشاركة فيها.
دلالة ذلك أن عددا من المثقفين العرب استعادوا مفهوم ثقافة التغيير الجادة، والتي تقرأ الحاضر بوصفه منطلقا للمستقبل. وهي تحتاج الى جرأة كبيرة من المثقفين لتشكيل أنتلجنتسيا ثقافية عربية قادرة على فعل التغيير الثقافي المطلوب، فمثقف التغيير يطرح دوما سؤال “ما العمل؟”. وهو يدرك جيدا ان ثقافة التغيير تزعج القوى السلطوية الحاكمة، وأن التغيير المطلوب بحاجة الى جمع جهود غالبية المثقفين العرب في اطار أنتلجنتسيا ثقافية فاعلة، وقادرة على فضح السياسات العربية القائمة. وعلى تلك الأنتلجنتسيا أن تظهر انحيازها التام الى جانب قوى التغيير والاصلاح، والابتعاد عن الندوات الاستعراضية، ورفض جوائز هدفها تجميل وجه السلطة على غرار ما قام به جورج برنارد شو، وجان بول سارتر، والمطربة فيروز، وصنع الله ابراهيم، وغيرهم.

لقد آن الأوان لتنفيذ المقولات النظرية حول مفهوم ثقافة التغيير، ودور المثقف، وعلاقته بالسلطة. للمثقف دور أساسي ومركزي في أية عملية للتغيير الجذري أو الاصلاح التدريجي. كما أن تقاعسه عن القيام بدوره مؤشر إلى “موت المثقف”، أي غيابه المادي والمعنوي عن فعل التغيير. وقوى التغيير السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بوصفها قوى ذات مشروع نظري يحتضن مقولات التغيير، تراهن على الثقافة بوصفها سلاحاً ماديا ومعنويا في آن واحد، فالأفكار، عندما تنتقل الى الجماهير تصبح سلاحا ماديا. ودور المثقف لا يقتصر على تفسير مشكلات العالم المعقدة، بل الانخراط المباشر في عملية التغيير التي تقود الى توازن حقيقي بين طموحه النظري وتنمية قدراته الابداعية من خلال مواجهة الواقع وتضافر جهود كثيرة للقيام بالتغيير المطلوب.

لعل المأزق الثقافي السائد الآن في الوطن العربي ناجم، وبالدرجة الأولى، عن تعاون غير عقلاني بين مثقفين يطلقون على أنفسهم صفة المصلحين أو المتنورين او الرواد، وقوى سلطوية غير ديمقراطية لا تريد اجراء أي تغيير أو اصلاح، لكنها لم تفقد القدرة على استقطاب مثقفين كثر الى ندواتها الاستعراضية التي تنتهي الى نتائج مخيبة لآمالهم، فهناك أزمة حقيقية بين قوى ثقافية تطرح مقولات التغيير الثقافي وقوى سلطوية ترفض تحويل تلك المقولات الى برامج عملية للتنمية البشرية المستدامة. وبعد أن تطرح الفعاليات الثقافية كمّاً متزايدا من المقولات التي تطالب بالتغيير، وتصف الحلول النظرية لها، تقف المؤسسات السياسية موقف اللامبالي منها بعد ان تشارك في حفلاتها الافتتاحية، وجلساتها الاعلامية، لذلك، استمر الحراك الثقافي في تقديم اضافات جديدة ونوعية لمختلف تجارب التحديث والتغيير في العالم، في حين استمرت مؤسسات الدول العربية، وأنظمتها، وأجهزتها ترفض كل أشكال التغيير. إن بعض المؤسسات الثقافية العربية تقوم بحشد المثقفين واجراء التفاعل الثقافي في ما بينهم عبر الحوار العقلاني الحر، واحترام الرأي الآخر. وهو عمل ضروري جدا، ولا بد من التقدير الايجابي للجهود الكبيرة والمثمرة التي بذلتها تلك المؤسسات من أجل الابقاء على شمعة الحراك الثقافي مضيئة، الا أن انفاق مبلغ ستمائة مليون دولار عام 2004 على ندوات لم تقدم نتائج مهمة على مستوى التغيير أو الاصلاح المطلوب يتطلب توجيه النقد الصارم لأساليب عملها، فهي مطالبة، وبإلحاح شديد، بتغيير تلك الأساليب لتصبح أكثر قدرة على التأثير في سياسة الدول العربية. وعليها ايجاد الجامع المشترك بين القوى الثقافية والقوى السياسية العربية المتنورة لتحويل مقولات التغيير الى برامج سياسية واقتصادية واجتماعية وتربوية طويلة الأمد، فالمطلوب من قوى التغيير الثقافي احداث نقلة نوعية في النظم السياسية والثقافية والاقتصادية العربية لتكون قادرة على مواجهة تحديات العولمة ومخاطر مشروع الشرق الأوسط الكبير.

بعبارة موجزة، لم تعد المؤسسات الثقافية العربية، الحكومية والخاصة معا، قادرة على الاستمرار في عقد ندوات ومؤتمرات ثقافية بكلفة عالية جدا من دون أن تثير حتى ردود فعل اعلامية في أي من الدول العربية. والأخطر من ذلك أن دور المنظمات الثقافية المستقلة يتقلص الى الحدود الدنيا، وهي عرضة للاغلاق أو توقيف نشاطاتها الدورية ما لم تحظ بتمويل بسيط من فتات المؤسسات الخيرية الأوروبية. هذا في وقت تبدد فيه أموال عربية طائلة في مشاريع استهلاكية غير مجدية، وتسيء الى تراث العرب العقلاني الذي قدم خدمات كبيرة للحضارة الانسانية. ختاما، دلت ندوات 2004 الثقافية على أن آفاق التغيير الثقافي ممكنة، وأن بعض قادة العرب دعوا صراحة الى التغيير العقلاني على أسس ديمقراطية سليمة، والى وضع برامج ثقافية شاملة، ونشر الثقافة في أوساط الجماهير العربية التي تعاني من مشكلات الأمية، والفقر، والجوع، والبطالة. الا أنها دلت، بالمقابل، على ضرورة قيام مؤسسات ثقافية عربية تساهم في ولادة واحتضان أنتلجنتسيا ثقافية عربية، فاعلة ومتماسكة، تلعب دورا أساسيا في صياغة مشروع نهضوي عربي طال انتظاره. وتلعب هذه الأنتلجنتسيا دور الحاضن للابداع والانتاج الثقافي العربي على مختلف الصعد. ومن خلال تلك المؤسسة تنشأ بيئة ثقافية للتفاعل الخلاق بين المدارس والاتجاهات الفكرية، العربية وغير العربية. وذلك انطلاقا من ثوابت تؤكد خصوصية التراث العربي، والحفاظ على كل ما هو ايجابي فيه، والانفتاح الكامل والمدروس على جميع التيارات الفكرية والثقافية، واستخلاص الدروس والعبر من تجارب التحديث الناجحة في العالم، فدور المثقف أساسي في بناء الدولة العصرية، لكنه لا يستقيم من دون تأطير الأنتلجنتسيا الثقافية على امتداد العالم العربي، وفتح باب الحوار المسؤول، ليس لتجسير الفجوة بين قوى التغيير الثقافي والقوى السياسية العربية المتنورة بل للتفاعل المثمر بينهما عبر برامج عملية لاحداث التغيير أو الاصلاح المطلوب.