قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

عمر كوش: تختار الكاتبة شيرين ابو النجا في كتابها "مفهوم الوطن في فكر الكاتبة العربية" الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية، مفهوم الوطن ليكون مدخلا في دراستها التطبيقية لرؤية بعض المبدعات العربيات، من خلال تمظهراته في عدد من النصوص الروائية لكاتبات من عدة بلدان عربية، مثل رواية "أوراق النرجس" للكاتبة سمية رمضان من مصر، ورواية "الفردوس اليباب" للكاتبة ليلى الجهني من السعودية، ورواية "صهيل النهر" للكاتبة السودانية بثينة خضر مكي، ورواية "أجنحة الحلم" للكاتبة فاطمة المرنيسي من المغرب، ورواية "بنت الخان" للكاتبة هدية حسين من العراق، ورواية "مريم الحكايا: للكاتبة علوية صبح من لبنان، ورواية "البدد" للكاتبة نعمة خالد من فلسطين.
وينهض الطرح على اعتبار ان المرأة حين تكتب الوطن، فانها لا يمكن والحال هذه ان تنفصل عن الخاص، بل انها تحاول التحرر من محدودية الخاص، من خلال هدم الحواجز الواهية المشيدة ما بين الخاص والعام. ويأتي التعبير الادبي كوسيلة لهدم تلك الحواجز. والذي يستجيب للشروط الجمالية المؤسسية، ويضرب بقوة الرؤية المعرفية، الامر الذي ينجم عنه خلخلة الخطاب الابوي المهيمن، ومصدر هذه الخلخلة هو التصور الدائم لمفهوم الوطن، اذ ان كل ما يغاير هذا المفهوم، ويخرج عليه، هو بمثابة تهديد للسيادة المطلقة التي يتمتع بها الخطاب الأبوي او البطريركي.
لكن روايات النساء عن الوطن، تطرح مفهوما مغايرا لصورة الوطن، كمعطى يتسم بالصيرورة عبر الزمن والثبات في الشكل، حيث تخرج نصوص النساء من الاطار ذاته، لكنها ايضا تأتي من خارج المكان، حيث تعيد روايات النساء التفكير في المسلمات المرجعية التي يتشكل منها مفهوم الوطن السائد، عبر دمج الخاص والعام، ليشكلا منطقة جديدة، وهذا التضفير بين الخاص والعام يكشف عن ثغرات وتشققات في الصورة المتجانسة للوطن في فكرة الكاتبة.
معاناة المرأة
غير ان هذه الاشكالية في صورتها الاولية، تظهر من خلال العديد من المؤلفات والروايات التي تعلن بوضوح معاناة المرأة من جهة الفصل بين الخاص والعام. وينكشف الامر عن قراءة للروايات التي يقدمها هذا الكتاب، بوصفها قراءة متمردة بالضرورة على الاطار الفكري والسياسي لمجتمع ابوي طالما دفع النساء والكتابة النسوية بشكل عام، الى تقديم اطروحات مغلقة بنبرة اعتذارية، مع ان هذه المواجهة المعرفية تتطب الاطاحة بالهيمنة الكاملة لأي خطاب. نظرا لكونها مواجهة تهدف الى احداث تغيير في التراتبية الاجتماعية والسياسية السائدة في المجتمع.
ويتطلب الامر معالجة رؤية الكاتبة/الروائية العربية لمفهوم الوطن وتجلياته في نتاجها الروائي، وهذا التحديد يعفي من تناول اشكالية قضايا النساء في عمومها. خروجا عما يسود ركام الكاتبة النقدية العربية للنتاج النسوي، من حيث الاهتمام بالاساليب البلاغية والجمالية وآليات انتاج النص، ويخرج التناول النقدي من فعالية تحاول استعادة العلاقة بين الكاتبة كتجلٍّ للذاتي، الشخصي والسياسي في كل وشائجه بالسلطة، وبين العام، من منطلق اعادة النظر في الصورة الثابتة للوطن، والمؤسسة على ماض ثابت وحاضر مرئي، وهي صورة لا يسعفها الماضي المشترك ولا الحاضر الآخذ بإمكانيات وجود هوامش مسكوت عنها. ومناطق معتمة وغير مرئية في الخطاب.
وتعد الكتابة النسوية احدى وسائل مقاومة المجتمع الابوي وخطابه المهيمن، والذي لم يغير نظرته الى المرأة، فهو يفصل ما بين الخاص والعام بشكل تعسفي، ويصور الكتابة النسوية متمركزة حول الذات الانثوية وعالمها الضيق.
لكن مسألة المرأة هي من المسائل الشائكة في البلدان العربية، التي تخلخل مختلف تلوينات الخطاب العربي المعاصر في مختلف المجالات، من الفلسفة الى السياسة والادب والفكر، وتلويناته اليسارية والقومية والأصولية. ولم يلتفت النظام الأبوي في المجتمعات العربية الى تغيير وضع المرأة في المجتمع او العائلة. وبالرغم من بعض مظاهر العصرية، الا ان النمط المعرفي والثقافي لم يتغير، وتحولت كل الادبيات التي تهتم بالمرأة الى مجرد ابواق لترديد افكار السلطة عبر ممارسة التنظير لامرأة غير موجودة فعلا في الواقع، وطغت الاحتفالية على معظم الكتب والدراسات التي تناولت قضية المرأة، خلال تناولها قضايا بعينها؛ مثل انجازات المرأة العربية، والاسلام وحقوق المرأة، والمرأة بين الاصالة والمعاصرة، والمرأة والمشاركة السياسية، ودور المرأة في النضال الوطني وغيرها. وغلبت عليها نبرة يقينية مطلقة، فضلا عن الترويج لها بشكل مبالغ، ولهذا فان ما يحدث اليوم بعد ذلك كله، هو اننا نعيد طرح الاسئلة ذاتها التي طرحت منذ مئة عام او اكثر، ونطالب المطالب ذاتها.
وقد نهض الموقف النقدي السائد في البلدان العربية من روايات النساء على احد شكلين، احدهما هجوم لا يرقى الى مصاف النقد الحضاري والثقافي، وثانيهما تجاهل يحول المنتج الادبي الذي يخوض في مناطق معتمة وغير معترف بها الى بؤر للمقاومة والرفض، بينما لجأت المؤلفة في كتابها الى موقف مغاير، يتعامل مع النصوص، ليس بوصفها فقط خطابا يطرح رؤية مغايرة، الامر الذي يستلزم قراءة أبستمولوجية، بل بوصفها مرآة لممارسة هذا الخطاب من خلال الشكل الذي لا يقل أهمية عن المضمون، ومن خلال تحرير الدلالات من المعنى الجاهز الذي تستخدمه السلطة، ومن خلال استخدام اللغة لتحويل الخاص والذاتي الى عام وجمعي، وعليه يغدو التشكيل النصي فعلا سياسيا، يخضع كل العناصر للتحويل، ويحررها من التبعية. وتستند المؤلفة في تحليل العلاقات النصية الى ما طرحة ادوارد سعيد في كتابه "العالم والنص والناقد". حيث لا ينفصل النص عما خارجه، بل يرتبط به، ويخرج عنه، بشكل غير مباشر، الامر الذي يضع الناقد امام اختيارين، الاول ينهض على تثبيت كل علاقات القوى القائمة، وتصدير احساس الامان اليها، عبر التركيز على نصية النص والتعميم على كل احالاته الخارجية، وعبر حل الاشكاليات النصية التي قد تعارض مبادئ وأعراف المؤسسة السلطوية الخارجية التي يتموضع فيها النص، والخيار الثاني ينهض على قيام الناقد بفعالية قراءة مستندا الى وعيه النقدي الجديد، بحيث يتعامل مع النص بوصفه يعيد رسم وتشكيل ثقافة ونظام آخذين في التكون، وليس بوصفه نظاما منتهيا ومكتملا بالفعل، اي عبر فعالية نقدية للنص.
الضغط
وخلال تطبيق فعالية النقد على النصوص الروائية، يظهر ان المكان كان ضاغطا على الذات الكاتبة الانثوية، ومقيدا لانطلاقتها وحركتها عبر مجموعة الاعراق والتقاليد والقيم. كما في رواية "أوراق النرجس" ورواية "الفردوس اليباب". كما كان المكان طاردا بسبب شكل صياغة العلاقات، وتتعدد ردود الافعال تجاه الاماكن، ولا يكشف المكان عن نفسه الا عبر تأمل نموذج الذات فيه. فبقدر تحقيق المكان لرغبات الذات يتحقق الوطن، وبقدر ابتعاده عن هذه الرغبات يبتعد الوطن، وما الهوامش التي تكشف عنها الذات الانثوية في رؤيتها الا اجزاء حقيقية من الوطن، وطن الكاتبة.
ويتم في بعض النصوص الرجوع الى الفضاء الخاص للكاتبة الروائية، وكأنه رد فعل على المحاولات الدائمة لتهميش الخاص الانثوي، فيتحول فضاء النص الروائي الى مجال خاص، يفرز العام كنتيجة كما يسيطر جو الاضطراب والدمار في المجال العام للروايات، اذ تسيطر الحرب والقمع السياسي الداخلي في "صهيل النهر"، والحرب الاهلية في "مريم الحكايا"، والحرب في "بنت الخان"، والاستعمار الفرنسي في "نساء على اجنحة الحلم"، والاحتلال واللجوء في "البدد"، والقمع الاجتماعي في "فردوس اليباب"، والاغتراب والاضطراب النفسي في "اوراق النرجس" وعليه تعتمد الكاتبات على الفن والكتابة كحل للخروج من مأزق الخاص المحبط والعام المدمر، ويلاحظ وجود الرحلة في جميع النصوص الروائية المدروسة، حيث الانتقال من مكان الى آخر، سواء اكان المكان جغرافيا ام فكريا ام معرفيا ام مجتمعيا ام سياسيا، وينتج عن الانتقال بمعنى ما تغير في الرؤية، في شكل وضوح وتبلور او في شكل غموص وضبابية، تجاه الخطاب السائد، وتجاه موقع الذات كفاعل اجتماعي، فمثلا فان الرحلة التي قامت بها "كيمي" في رواية "اوراق النرجس" من مصر الى ايرلندة وبالعكس دفعتها الى اعادة مساءلة الذات بخصوص علاقتها بالآخر وبالمحيط.
وعليه تنسج الكاتبات في رواياتهن خطابا يعبر عن الوطن كما يتمثل في وعيهن، وهو خطاب يفترق عن الخطاب الأبوي السائد في المجتمعات العربية، وبالتالي يفترق الوطن عن الشكل الذي يتوجب من خلاله تمثل مفهومه، وفي عملية نسج هذا الخطاب النسوي، لم تستعر الكاتبة اي خطاب، بل شكلت خطابها من مفردات تجربتها الحية الرجعية التي تنطلق من الخاص لتعيد تشكيل وصياغة العام، وهي تجربة تفترق عن السائد والمهيمن من جهة غزل خيوطها السردية من مناطق مهمشة، حيث يتحول البيت الى المكوّن الرئيسي لهذه التجربة.
والملاحظ هو ان روايات الكاتبات المدروسة هنا، لا تشكل خطابا احاديا متطابقا، بل نجدهن ينهلن من مصادر مختلفة، قد لا تتفق تلك المصادر سوى في مرجعياتها الرئيسية، مما يعني ان هذه التعددية في الخطاب تقف حيال/أو تقاوم الاحادية المسيطرة في الخطاب، وهي تزيد من ثراء مفهوم الوطن، بحيث لا يغدو مفهوما نهائيا مكتملا، بل مفهوما في حال من الصيرورة الدائمة التشكل والتحول، وعليه يبتعد وطن الكاتبات عن الصورة الثابتة ليكشف عن المسكوت عنه، وعن هوامش تعيد الحياة لصورة الوطن، وتمنحها حيوية المساءلة والسؤال في عالم متقلب ومتغير.
لكن ما يمكن قوله في هذا المجال، هو ان اللغة الادبية لا تستعير مكونات الخارج، او الواقع، كي تبني عالمها الخاص، بل تقوم بخلق عوالم جديدة من تعالقات الدالات اللغوية، وتعبر عن نظم لغوية وفكرية متعددة، ويأتي دور القارئ ـ والناقد هو قبل كل شيء قارئ ـ لكشف عوالم النص الادبي، الامر الذي يفترض عدم وجود تلك العوالم الا في ذهن القارئ، ويستعين الناقد بمجموعة الالفاظ والتراكيب لاستنباط مكونات عالم الرواية التخيلي، العالم المرهون بالقراءة والتأويل والتفسير، لذلك على الناقد ان يفكك تفاصيل العالم التخييلي، وليس ان يسقط نظم عالمنا المعيشي عليه، اي اسقاط ما هو موجود على ما لم يوجد.
اذا، حين يقوم الناقد بفاعليته النقدية، فانه يقوم بتنظيم دقيق للدلالات المتوفرة لديه من قراءة النص الادبي، ليركب بواسطتها عالما دالا، واضح المعالم والبنية، ويدرك تماما ماهية هذا العالم، وليس المطلوب منه القيام باستعارة مكونات عالم قائم خارج النص كي يسقطه عليه، وفق عملية قسر لمكونات النص بما يتماشى ومكونات العالم الخارجي.