قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

سيكون محمود عباس (أبو مازن) رئيساً مزعجاً لكثيرين ومحرجاً لكثيرين. سيكون مزعجاً لأنه يحمل تفويضاً لا غبار عليه من الشعب الفلسطيني. إذ حرص عباس على الذهاب إلى الامتحان الانتخابي من دون تمويه أو جراحات تجميل لمواقفه المعروفة. كرر معارضته عسكرة الانتفاضة وتأكيده أن طريق الدولة يمر عبر التفاوض. انتقد الممارسات الإسرائيلية لكنه تحدث أيضاً عن لا جدوى اطلاق الصواريخ التي تستخدمها حكومة شارون ذريعة لتوسيع اعتداءاتها وجرائمها. وعلاوة على الشرعية الانتخابية التي سيمتلكها، يملك عباس الشرعية الفتحاوية والشعبية، والدليل الاستقبالات التي حظي بها خلال الحملة الانتخابية وقبلها في مخيمات لبنان.
سيكون عباس رئيساً مزعجاً لقسم غير قليل من الفلسطينيين لأن أسلوبه الواقعي يذكرهم بأن للدولة الفلسطينية ثمناً لا بد للفلسطينيين من دفعه وان خيار التفاوض والقتال في الوقت نفسه متعذر عملياً. اسلوب عباس يذكر الفلسطينيين بأن الطريق إلى الدولة يفرض اتخاذ قرارات مؤلمة. وسيكون عباس رئيساً مزعجاً لـ«حماس» و«الجهاد»، لأنه قادر على إعادة اطلاق الأمل بحل، وقادر على إعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة اهتمامات الدول الكبرى. وإذا واصلت «حماس» و«الجهاد» عملياتهما واستغلها شارون لإضعاف عباس، على غرار ما فعل مع ياسر عرفات، فإن الحركتين ستتحملان مسؤولية اغلاق النافذة وإعادة الفلسطينيين إلى حال العزلة. والسؤال هو هل يحق للحركتين التصرف بعد فوز عباس، في حال حصوله، كأن الانتخابات لم تحصل؟
سيكون عباس رئيساً مزعجاً لحكومة شارون. مجرد انتخابه سيلزم الولايات المتحدة وبريطانيا ودولاً أخرى بممارسة ضغوط على الحكومة الإسرائيلية لادراج الانسحاب الاحادي من غزة في سياق «خريطة الطريق». ووصول عباس سيشكل امتحاناً صارخاً لجدية حديث إدارة بوش وحكومة بلير عن إعادة قضية السلام الفلسطيني - الإسرائيلي إلى لائحة الأولويات. لم يبقَ لدى الإدارة الأميركية ما تتذرع به لترك شارون يستبيح الأرض الفلسطينية بالتوغلات وعمليات القتل والاغتيال.
لن تكون رحلة محمود عباس سهلة. عليه أن يقنع «كتائب الأقصى» بأن المفاوضات قادرة على تحقيق ما تعجز عنه العمليات العسكرية. وعليه أن يقنع «حماس» و«الجهاد» باحترام إرادة الناخبين الفلسطينيين. وعليه أن يقنع الفلسطيني العادي بأن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة إعادة بناء المؤسسات وترميم البيت الفلسطيني على قاعدة الحوار وحق الاختلاف. وعليه أيضاً أن يظهر أن الدعم العالمي سيترجم مساعدات ملموسة لتحسين ظروف المعيشة وتسريع عملية انهاء الاحتلال.
سيكون محمود عباس رئيساً مزعجاً أو محرجاً أو الاثنين معاً. لن يكون ياسر عرفات ولا يجب أن يكون صدى، لكنه لن يكون رئيساً يفرط بالإرث والثوابت. لذلك يحتاج إلى دعم عربي ودولي سريع وملموس وإلى تنازلات إسرائيلية عاجلة ومؤثرة. يحتاج أيضاً أن يبقى حياً لإبقاء حلم السلام حياً. مهمته خطيرة تضعه تلقائياً في دائرة الخطر. مهمته شبه انتحارية.