قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

الشعلان واحد من أجمل أحياء العاصمة السورية دمشق، وأشدّها وداعة وحيوية في آن، وأكثرها عراقة وانفراد شخصية، وذلك رغم مساحته المتواضعة. وهو يقع علي الكتف الأيسر لشارع الصالحية الشهير، ويلامس المبني التاريخي للبرلمان السوري، كما يحاذي ساحة النجمة وحديقة السبكي، ولا بدّ أنّ شارع الحمرا الدمشقي ــ النظير الشائه للشارع البيروتي الأشهر ورمز صرعة الاستهلاك التجاري الطفيلي التي اجتاحت سورية أواخر السبعينيات ــ قد بتره الآن نصفين. وباختصار، حيّ الشعلان ينطوي علي تلك المفاتن الدمشقية الفريدة التي جعلت الشاعر السوري الكبير الراحل نزار قباني يهتف:
يا دمشق التي تفشّي شذاها تحت جلدي كأنه الزيزفون
كلما جئتها أردّ ديوني للجميلات... حاصرتني الديون
والشعلان كان نموذجاً مدهشاً للتعددية السورية في مستوي الأديان والأعراق والجنسيات، وكان المرء يجد الصائغ الأرمني جاراً للتاجر اليهودي أو اللحّام الشامي أو البقّال الإيراني. وفي مطلع السبعينيات، أثناء سنوات الدراسة الجامعية، كنّا نرتاد الشعلان بصفة يومية لسببين: أنّ عدداً كبيراً من زملائنا طلاب الجامعة العرب كانوا يسكنونه لقربه من الجامعة، وأنّ واحداً من أنظف وأرخص مطاعم الطلاب كان يقع هناك (وجبة من ثلاثة أطباق + حبّة فاكهة، مقابل 60 قرشاً سورياً... فقط لا غير!)...
غير أنّ للشعلان صفة خاصة، قد لا يعرفها الكثيرون اليوم، وهي أنه كان البقعة الدمشقية التي شهدت بواكير استقرار عشائر الـ رولة في الشام إجمالاً، وفي العاصمة السورية تحديداً. وكان الشيخ نوري بن هزاع بن نايف بن عبد الله بن منيف الشعلان (1848 ـ 1942) قد تقلّد رئاسة عشائر الرولة سنة 1894، وعاصر أكثر من عهد (من العثمانيين إلي الاستقلال، مروراً بالهاشميين والانتداب الفرنسي). وثمة بين المؤرّخين مَن يطعن بعض الشيء في وطنيته، مستنداً علي برقية قيل إنه أرسلها إلي المفوّض السامي الفرنسي وتضمنت استنكاره للثورة السورية الكبري سنة 1925.
الثابت تاريخياً، مع ذلك، أنه دخل دمشق صحبة الملك فيصل الأول علي رأس عدد كبير من خيّالة الرولة، ثمّ شارك في الحياة النيابية السورية ممثلاً لعشيرته، ولعب أكثر من دور حساس في حكم السلطان عبد الحميد، والسلطان رشاد، والاتحاديين، وسامي باشا الفاروقي، وجمال باشا السفاح، والملك فيصل، والجنرال الفرنسي غورو. وكان قد اختار دمشق مستقراً له، فرمّم بيتاً قديماً في منطقة الصالحية جعله مضافة آل الشعلان (لعلّها ما تزال قائمة حتي اليوم). وبالطبع، كان لا بدّ أن يجاوره أفراد حاشيته وبعض أبناء عشيرته، فاتسعت الديرة هذه تدريجياً حتي انقلبت إلي حيّ كامل عُرف منذئذ وحتي اليوم باسم الشعلان.
... وتخيّلوا مَن يريد اليوم إشعال الحرب في شوارع دمشق، وبينها بالطبع شوارع حيّ الشعلان؟ إبن عشيرة الخزاعل الشعلاني وزير الدفاع العراقي المؤقت حازم الشعلان، أو أبو عنتر كما يحلو لبعض الإخوة العراقيين وصفه بحقّ! سمع العالم كلّه تصريحه الهمجي الذي يقول فيه بالحرف: العين بالعين والسنّ بالسنّ. نملك الوسائل لنقل المعركة من شوارع بغداد إلي شوارع طهران ودمشق ! أهذا وزير دفاع بلد ينوي تغيير شخصية الدولة المارقة السابقة وإعلاء شأن القانون الدولي والديمقراطية؟ أم هو بلطجي خرج من باب نظام صدّام حسين ليدخل من نافذة بول بريمر؟ وما الذي تغيّر، حقاً، في لسانه حين كان واحداً من زبانية العهد السابق، لكي تتغيّر اليوم سجيّة واحدة في نفسه بعد أن انخرط في العهد الجديد؟
ومن جانب آخر، مَن يتوقع أبو عنتر هذا أن تكون هوية الذين ستجندلهم المعركة التي يهدد بنقلها إلي شوارع دمشق؟ أيكون بين الضحايا نظيره وزير الدفاع السوري مثلاً؟ أم ضبّاط الأمن السوريون الذي يتهمهم بالوقوف خلف العمليات المسلحة المناهضة للحكومة العراقية المؤقتة؟ أم لعله يريد تأديب البعثيين الصدّاميين الذين يمرحون ويسرحون في مرابع سورية؟ يعلم الشعلان أنه لن يصيب قلامة ظفر من هؤلاء، لأسباب عديدة أبسطها أنهم ــ مثله تماماً! ــ في حرز أمني حصين، وأوضحها أنهم ليسوا البتة جزءاً من حياة الشارع اليومية.
وقبل سبع سنوات، أيّام الاستبداد الأكبر، خرج إلي شوارع دمشق دون سواها طلاب وتلامذة سوريون انتزعوا العَلَم الأمريكي من سارية السفارة الأمريكية، وأسقطوه أرضاً، ومزقوه، وأحرقوه. هل يعرف أبو عنتر حازم الشعلان لماذا؟ لكي يهتف الفتي السوري من سويداء قلبه: أوقفوا الحرب ضدّ أطفال العراق ! ولكي تهتف الفتاة السورية: بالروح، بالدم، نفديك يا عراق! ... وأياً كان دور السلطة السورية في ترتيبها آنذاك، فإنّ أية سلطة لم تكن قادرة علي تصنيع الصدق الذي بدا علي الوجوه، وكان بليغاً وجليّاً وكاشفاً في حدّ ذاته. كذلك لم يتجاسر أخلص خلصاء صدّام حسين علي اتهام تلك التظاهرات بالولاء للدكتاتور العراقي.
وإذا نفّذ أبو عنتر الشعلان وعيده فإنه لن يجهز إلا علي أمثال هؤلاء وسواهم من المواطنين الأبرياء، أصدقاء العراق الشعب والبلد والحضارة، وبينهم دون ريب عدد من أبناء عمومته الشعلانيين... نسبة إلي الحيّ العريق في أقلّ تقدير!