قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

مر كرنفال الانتخابات الفلسطينية بسلام، واشاد المراقبون الدوليون بديمقراطية الشعب الفلسطيني وانضباطيته وحضاريته، وعكست قنوات التلفزة العربية والعالمية كل ذلك في تغطيات حية مطولة. اليوم يفيق الفلسطينيون من نومهم الديمقراطي، وقد وجدوا ان الوضع لم يتغير، ولم تحدث اي مفاجآت تذكر، فالاحتلال هو الاحتلال، والقتل هو القتل، والحواجز هي الحواجز.
اليوم الاثنين العاشر من كانون الثاني (يناير)، اي اليوم الثاني للانتخابات تجد جميع الاطراف نفسها امام الحقيقة، دون اي رتوش. وابرز جوانب هذه الحقيقة التوقعات الكبري للشعب الفلسطيني بما يمكن ان تجلبه له هذه الانتخابات من مخارج من ازماته الاقتصادية، ومن حلول لقضاياه السياسية.
هناك مجموعة من الحقائق يجب التذكير بها في غمرة هذه الحمي الديمقراطية، ونشوة البعض بالانتصار:
اولا: ان هذه الانتخابات هي لرئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية، وليس لرئاسة الشعب الفلسطيني، وهذه السلطة تنحصر ولايتها علي سكان الضفة والقطاع، وليس علي ارض الضفة والقطاع، لان الحكم الذاتي لا يعني السيادة، وانما يعني حكما اداريا للقاطنين علي هذه الارض، والفلسطينيين منهم فقط، وهو لا يشمل المستوطنين ومستوطناتهم.
ثانيا: السيد محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية الجديد يملك حق تمثيل ثلث الشعب الفلسطيني فقط، ولا يملك تفويضا من ثلثي هذا الشعب علي الاقل، والمقصود بهؤلاء المقيمين في الخارج ومعسكرات الشتات.
ثالثا: قضايا المرحلة النهائية، وخاصة حق العودة للاجئين الفلسطينيين، والقدس، خطوط حمر، لا تفويض من الغالبية العظمي من الشعب الفلسطيني لرئيس السلطة او غيره للتفاوض وتوقيع اتفاقات تتعلق بها، دون الرجوع الي الشعب الفلسطيني من خلال استفتاء حر وشفاف يجري بالطريقة نفسها التي جرت فيها الانتخابات الاخيرة.
الشعب الفلسطيني بانتخابه السيد عباس اثبت انه علي درجة عالية من الذكاء والبراغماتية، فهو يدرك ان واشنطن تريده رئيسا للسلطة، وهي التي مارست ضغوطا جهنمية علي الرئيس عرفات لتعيينه رئيسا للوزراء. مثلما يدرك ايضا ان شارون كان يفضله عن غيره، ويعتقد انه يمكن التعامل معه.
رسالته واضحة، تقول للامريكيين والاسرائيليين والعرب المعتدلين (وهل بقي عرب متطرفون) انتم تريدون عباس زعيما منتخبا، ها نحن نقدمه لكم علي طبق انتخابي شرعي ليس فيه اي شبهة تزوير، فماذا انتم فاعلون به وبنا؟
بكلمات اخري، الشعب الفلسطيني انتزع كل الذرائع التي كانت تساق في السابق للتهرب من استحقاقات السلام الحقيقي، والقاء اللوم في تعثره علي عاتق الفلسطينيين وقيادتهم وسلطتهم، وليس الطرف الآخر، الذي يحتل الارض ويمارس القتل بطريقة همجية يومية.
السيد عباس اصبح الان الرجل الاول في الاراضي المحتلة، يشكل الوزارات ويحلها، ويستطيع اتخاذ القرارات والخطوات التي كان يشتكي دائما ان الرئيس عرفات يمنعه من اتخاذها، يستطيع ان يعين وزيرا للداخلية وفق مواصفاته، مثلما يستطيع ان يبعد كل الوزراء العرفاتيين الذين وضع فيتو علي دخولهم وزارته الاولي، ولكن عليه ان يتذكر قبل ان يعين او يفصل، انه ليس عرفات، وان الشعب الفلسطيني يتابع خطواته بكل دقة، ومستعد للمحاسبة.
الاصلاح السياسي والاداري اكثر كلمة كررها السيد عباس في كل مداخلاته، وفي كل مواجهاته مع الرئيس الراحل، والفساد اكبر اتهام وجهه اليه، الآن بات مطالبا بان يضع الاصلاح علي قمة أولوياته، وان يركز كل جهوده علي محاربة الفساد واجتثاثه من جذوره.
ندرك جيدا ان الحرب علي الفساد لا يمكن الانتصار فيها في اسبوع او شهر او سنة، مثلما ندرك ان عجلة الاصلاح حتي تدور، تحتاج الي بداية وقوة دفع، وفترة زمنية معقولة. ولكن من اللافت ان السيد عباس متمسك ببعض رموز الفساد ووجوهه، من الذين ارتبطوا بصفقات الاسمنت المريبة وغيرها، وهذه بداية غير موفقة، ونأمل ان تكون مؤقتة.
ليس لنا موقف شخصي من السيد عباس، ولكن محبة الامريكيين، وترحيب الاسرائيليين، بانتخابه كلاهما يجعلانا نضع ايدينا علي قلوبنا، ونشعر بالقلق علي ثوابتنا الوطنية، لاننا علي قناعة تامة، وبحكم التجارب، ان الامريكيين والاسرائيليين لا يمكن ان يحبوا شخصا يتمسك بهذه الثوابت ويرفض التنازل عنها، ونقصد بذلك حق العودة والقدس المحتلة والدولة الفلسطينية المستقلة استقلالا حقيقيا وسيادة اصلية.
ونجد لزاما علينا ان نعترف، بان السيد عباس كان صلبا في تمسكه بحق العودة والسيادة الكاملة علي القدس اثناء مفاوضات كامب ديفيد، وساعدت صلابته هذه في تعزيز موقف عرفات في مواجهة الضغوط الامريكية والاسرائيلية، ولكن ما جعلنا نقلق هو تحالفاته التي عقدها في مرحلة ما بعد كامب ديفيد، وكانت في معظمها مع الذين كانوا يقفون في معسكر التنازل عن الثوابت الذين انتقدهم وشكك في انتمائهم الوطني.
مهمة السيد عباس صعبة، اولا لانه يحل محل زعيم تاريخي يملك كاريزما غير مسبوقة، وثانيا لان توقعات الشعب الفلسطيني كبيرة جدا، وثالثا لان العدو الاسرائيلي ليس بالعدو السهل الذي يمكن الاطمئنان الي نواياه، والوثوق باقواله.
فالاسرائيليون خدعوا ابو مازن مرتين الاولي عندما استخدموا اتفاق اوسلو الذي هندسه كوسيلة لقتل الانتفاضة، وتوسيع الهجمة الاستيطانية في الضفة الغربية (ضاعفوا عدد المستوطنين مرتين من 140 الفا الي 280 الفا غير القدس الشرقية) وفي المرة الثانية عندما رفضوا الافراج عن الاسري، واحترام الهدنة التي توصل اليها مع فصائل المقاومة، واستمرت ستين يوما، اثناء توليه رئاسة الوزراء.
السيد عباس مطالب في اشهره الاولي في السلطة بالصلابة والتركيز علي الاصلاح الداخلي واقامة مؤسسات تعكس قدرات الشعب الفلسطيني وطموحاته، ويخطئ كثيرا اذا سقط في فخ الضغوط الاسرائيلية والامريكية التي تطالبه بفتح معركة مع المقاومة المسلحة، بحجة انهاء عسكرة الانتفاضة وضبط السلاح غير الشرعي.
ليس عيبا ان يرتكب السيد عباس بعض الاخطاء الصغيرة في بداية عهده، طالما انها ظلت في الهوامش، ولكن العيب ان ينسي ان المقاومة هي التي وضعت قضية الشعب الفلسطيني علي الخريطة، وان الصواريخ البدائية التي انتقدها بطريقة فجة، هي التي ارغمت شارون علي الانسحاب من قطاع غزة، مثلما ارغمت المستوطنين علي الهروب من مستوطناتهم طلبا للسلامة.
السيد عباس يجب ان لا يتراجع عن وصفه للاسرائيليين بالعدو الصهيوني، فهم اعداء فعلا يقتلون ابناء الشعب الفلسطيني يوميا، ومن يقتل ويحتل هو العدو، وهم صهاينة لان دولة اسرائيل قامت بفعل فكر الحركة الصهيونية، فلماذا يتراجع السيد عباس ويعتذر.
الشعب الفلسطيني بانتخاب السيد عباس وضع الكرة في ملعبه، وملعب الاسرائيليين والامريكيين، واثبت انه فعلا اللاعب الاكثر مهارة من الجميع، وهنا تكمن عبقريته وسر بقائه.