قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

"ان المسلمين على وعي كامل ان لا كرامة لوطن يشعر بعض ابنائه بانتقاص كرامتهم، ولا أمن لوطن يشعر بعض ابنائه باختلال امنهم، ولا استقرار لوطن يعاني بعض ابنائه من انتقاص حقوقهم".
الإمام محمد مهدي شمس الدين
اكتب اليك، من هذه العاصمة المنوّرة لأن فيها ذخراً فريداً يضيء الاختبار، بل التحدي الذي تحمل انت عبأه اليوم نيابة عن كل عرب الشعوب. ليس صدفة ان تكون فرنسا ومعها المانيا قد عارضت النظرة الاميركية الى "بناء الديمقراطية" في العالم العربي، بدءاً من العراق، بالحرب ولو "على الارهاب"...
الديمقراطية، في الذاكرة التاريخية الفرنسية، لا تولد من المواكب العسكرية المجوقلة، بل من عكسها.
شارل ديغول لم يدخل باريس على رأس رتل من الدبابات حاملاً دستور الجمهورية الخامسة ليفرضه على مواطنيه... كانت باريس بالكاد لم تعد تسمع اصداء خطى الجزمات الالمانية المنتصرة تجتاز قوس نصر نابوليون بونابرت نزولاً الى الشانزيليزيه، فجاء جنرالها، جنرال النجمة الواحدة، اعزل إلا من بعض لواءٍ مقاوم، ليعيد بناء ديمقراطيتها على ركام جمهوريات الهزيمة!
أعاد الجنرال ديغول استيلاد الحرية من الخيبات والقهر والاذلال. وكذلك الرئيس اديناور: لم يكن قد ابقى هتلر من مدائن المانيا ما يستحق بعد طلعة طيران واحدة لهدمه. اما الشعب، اما الرجال، فكانت حرب الطاغية قد استنزفت الجيل العمره اربع عشرة سنة. فلم "تصنع" ديمقراطية المانيا التي كان قد افترس ادولف هتلر آخر مظاهرها من نصف قرن ويزيد لا جيوش اميركا المظفرة وحلفاؤها، ولا الجيش الروسي اسس لثورة البروليتاريا بافتراس ما ومن كان قد بقي حياً في المانيا التي اقتطعها.
الديمقراطية الالمانية نشأت من اجتماع الديمقراطيين الذين ابقوا شعلة الحرية حية في المهاجر والملاجئ وخبايا القلوب والعقول. فاعادوا وفي ظل "احتلال" لم يتحوّل استعماراً - تعمير مؤسسات الحكم القومي الحر بينما المدائن تعمّر والحياة تعود حياة، بفعل تبلورها بالحرية وايمانها بحقوق الانسان وحق الوطن بالسيادة.
وما يقال عن النموذجين الفرنسي والالماني يقال مثله وأكثر عن بولونيا، الوطن الذي امضى نصف تاريخه الحديث محتلاً، وفي أحسن الحالات مقتسماً بين احتلالين وأكثر، وموزَّع الاشلاء. ففاجأ العالم بانتفاضته السلمية من الركام في زي حركة نقابية فقيرة زعزعت آخر امبراطوريات التاريخ، الاتحاد السوفياتي، وكانت بداية انطلاق تحرر شعبه الحي الذي عاد يتغلب على سبعين سنة من الطغيان العقائدي المحصّن بأقوى شرطة سرية واضخم جيش سخّر العلم للتسلح، بينما الشعب "صاحب السلطة" بالاسم فقير جائع متخلّف مجهّل مكفّر بقوة الحزب الحاكم.
ومن قارة الى قارة: من كان يظن ان من ركام "امبراطورية الشمس" في اليابان، بل من ركام القنبلة الذرية الاولى ستنهض ديمقراطية غير منتظرة تجعل الدولة المنهزمة بامتياز المنافس الأقوى في الاقتصاد العالمي للدولة التي هزمتها ودمّرتها؟
كل ذلك يا سيادة الرئيس عباس حتى تقنع فلسطينك الجديدة ان المستقبل الحر ليس للسلاح، بل للانسان الحر وشعوب الاحرار، وكأن الهزيمة تستفزهم بالقهر الذي تزرع فيهم لينتفضوا على النفس وينطلقوا، احراراً في آفاق الحرية... تصنع مجتمعاتهم الحرة لهم ثروات، لأن الثروات - كمثل ما شاهدنا من مأساة آسيا وأسلامها ليست هي التي تصنع لاصحابها حتى ولا الاريحية الانسانية الطبيعية، فكيف بالتربية على التضامن الاجتماعي الانساني الذي تُسقط الطبيعة عنده الحدود والفروقات "العصبية"!!! كل هذه القيم هي التي تكوّن المجتمعات الحضارية التي تصنع الثروات، وليس العكس!
اليابان تتبرع فوراً وتلقائياً بنصف مليار دولار، أي أكثر من كل الدول العربية والاسلامية، بينما الضحية هي شعب اكبر دولة اسلامية في العالم، وعدده يزيد على المئتي مليون... وبطل سباقات السيارات شوماخر يتبرع بنظير ما تبرعت به احدى اغنى دول النفط العربية. ثم ان العالم الغربي (الديمقراطي، رغم تهزيئنا له ولعولمته وديمقراطيته، ولن نصيب منه هكذا مقتلاً...) يهبّ يتبرّع بكل شيء، من تطويع الصليب الاحمر الى شباب الاسعاف الى الاطباء والممرضات الى "فلوس الارامل" ثمن زهور حول شموع تضاء في ابعد المدائن عن العالم العربي والاسلامي... ونحن كمن اسقط في يده (المليئة ذهباً أسود ورناناً) لا نعرف من أين نبدأ نكفّر عن التقصير.
نقول لك كل هذا يا سيادة الرئيس العباس لأنك رئيس الدولة المقدسية المأمول منها، في عهدك، ان تكرّس مصالحة العالم الديمقراطي مع الاسلام التي تمت عفوياً وفتحت اعيننا الى ان عاصمتك هي المؤهلة لأن تصبح وفوراً عاصمة توقف "صراع الحضارات" المصطنع، المفتعل التنظيرات، امام اسوار مدينة الله الواحد الأحد... فكيف نتحارب باسمه عليه؟
حسناً فعلت يا سيادة الرئيس بأن بادرت في تصريحاتك الى الشعب وقلت ان عاصمة دولتك ستكون القدس.
كيف لا، ولا معنى للدولة الفلسطينية العتيدة، بل لا معنى في التاريخ عميقاً للقضية الفلسطينية برمتها ان لم تكن القدس عاصمة الدولة والقضية و... عاصمة السلام من أجل هذه وتلك والعرب اجمعين.
أتدري ماذا نظن ان الناس والتاريخ ينتظرون منك؟
ان تكون غير سلفك.
نعم اترك لأبي عمار مجد المقاومة التي سيظل رمزها. لن يكون في وسعك ولا مطلوب منك او اليك ان تكون، او تحاول ان تكون ابا عمار آخر... كثِّر الزهور على مدفنه ومدافن سائر شهداء الثورة، وابدأ في تعمير الدولة التي انتُخبتَ لرياستها ولم تُنتخب لخلافة رئاسة الثورة التي الدولة هدفها والحياة الحرة النامية منهل الهامها ومصدر فاعليتها الدستورية.

اما الجهاد، فاليوم يجب ان يتغيّر نهجه والتوجّه!
ألم تلاحظ يا سيادة الرئيس كيف ان الامواج المزلزلة غمرت وجود بن لادن وذكره وافتعال رسائله المتلفزة؟...
يا ليته توّج الزمن الذي جعله زمنه بدعوة الى الجهاد الحق، الجهاد الذي قال فيه المتصوفون والروحانيون في الاسلام انه جهاد ضد الذات مع الدعوة الى الخير... لعلها لم تكن صدفة ان بن لادن هذا كان غائباً عن المعاناة الفلسطينية طوال عقود ولا يجاهد في سبيلها بل بها يتذرع حين فجّرت طاقاته الجهادية الصراعاتُُ الدولية التي لم نعد نفهم هل كان يتوسلها من أجل خير الاسلام، ام هي التي توسلت اسلامه لتنقض علينا جميعاً من الشرق كما من الغرب؟
الحق الحق ان لا مكان لأي "بن لادني" في عالم صار هاجسه التغلّب على الفقر والجوع والدمار.
مأساة آسيا ستقضي على الارهاب من حيث لم تنتظر اميركا جورج دبليو التي بدأت تتخلى عن ركائزها من "المسيحيين الصهاينة" لترسل اسطولاً الى المحيط الهندي يقاوم العجز عن الخروج من العذاب كما وحدها تقدر، بدل ارساله الى العراق والشرق العربي لحرب "من أجل الديمقراطية" تستحيل حرب طغيان!
مأساة آسيا تصالح الاسلام مع العالم، عبر عولمة البرّ وتدفّق التعاطف... فلا نتركنّ ذلك يتم على حساب العرب وقضيتهم.
فيا سيادة رئيس الدولة الفلسطينية،
دولة الفلسطينيين المنتشرين في كل اصقاع الارض، يعمّرون بلاد الغير، بينما ثمة منهم ومن باسمهم يأبى الا ان تستمر فلسطين والدول التي احتضنت اهلها وقضيتها مسرح كل الاختبارات التدميرية...
هؤلاء هم المواطنون الذين تترأس عليهم بدءاً من اليوم، وعاصمتك اورشليم السلام، ولو اقمت واستقبلت رؤساء العالم في "المقاطعة" المتواضعة حيث حوصرت الثورة وسلفك زعيمها ورمزها، ولم تنهزم.
هؤلاء هم اليوم من جديد، وربما للمرة الاخيرة، ملح الارض العربية "فاذا فسد الملح فبماذا يُملَّح"؟
قيل، بالمقارنة مع أبي عمار انك أنت "رجل الدولة" حيث كان هو وكنتما معاً، نقيضك، "رجل الثورة".
فيا رجل الدولة، بادر اليوم، اليوم قبل غدٍ، ومن دون استشارة أحد ولا استئذان، بادر الى اعلان الدولة الفلسطينية "بما توافر"، ولو في اصغر رقعة، في "رام الله"، أو في الحي المتواضع النائي الذي زرته رمزياً في القدس، او في أحد مخيمات غزة المدمرة!
قيل يا سيادة الرئيس انك رجل "خريطة الطريق" وراسمها... وجعلت نهايتها، بعد طول مفاوضة، اعلان الدولة الفلسطينية.
مرات قبل اليوم، توجهنا الى "الختيار" الذي لا تعرف مقدار حبنا له، وكم كان ذلك يمنعنا حتى من العتب عليه او التوقف عند مآخذ... توجهنا اليه مرات ومرات نذكّره بأن حلمه، كان يقول، ان "اعطوني قطعة ارض فلسطينية قدر منديل، فارفع عليها العلم الفلسطيني واعلن الدولة الفلسطينية"!
وفوّت الظرف، ولم يفعل، وظن ان حكمه لدولة فلسطين في لبنان سيكفيه اختباراً وفخراً... ففسد الملح!
اليوم يا سيادة الرئيس، المنطق يناديك... منطقك انت العقلاني العملاني:
خذ "خريطة الطريق" هذه التي بيدك رسمت ايام الثورة، وقل لنفسك وللناس: اليوم صار يوم الدولة، ويوم غرس الحريات والدعوة الى الابتهاج بها والاعتزاز بأننا كنا دائمي الاستعداد، وقد برهنّا، للموت من أجلها... ولكننا لم نكن نريد ان نبرهن اننا شعب يهوى الموت اكثر من الحياة، ويعتبر انه خُلق ليموت، لا ليحيا وينتج خيرات للناس وامجاداً وبطولات تفرح بها الارض.
خذ "خريطة الطريق" وابدأ المسيرة من الدولة:
ترأسّها وفاوض باسمها، وجنّد الجميع في سبيلها، دولة ديمقراطية بالطبيعة نظراً الى تعددية احزابها والمناهج، انما امينة بانضباطية أهل السلاح الذين قاتلوا امس للوصول اليها... فهل يقاتلونها او يتقاتلون يوم اعلانها وتأسيسها؟
فاوض بعد اليوم باسم الدولة، بدل ان تفاوض من أجل الوصول اليها والحصول عليها...
الدولة انت تعلنها ثم تصنعها لأنك رئيسها المفوّض اليه ذلك... واذا لم تعلنها، فرئيس ماذا تكون؟ رئيس اللاشيء المتسوِّل شيئاً يترأسه؟
لن تعطيك اياها العواصم العربية الاخرى لأنها تحسدك وتخشاك وهي منشغلة مثل مصر بمنع الديمقراطية ان تصير توارثية، فصارت المعارضة فيها هي التي تنطق باسم الشعب، وليس الحكم المتهم الذي لم يعد لديه ما يجنّده من أجلك سوى ضباط المخابرات...
فآهٍ من المخابرات، تذكّر ما فعلت بالفلسطينيين في لبنان وسوريا، بل ما فعلته بالوطنيين... واياك ان تقع في اسرها، انها صاحبة سحر يستهوي كأناشيد غادة البحار، لكنه سحر ينقلب دائماً على الساحر، وعلى مَن به ينسحر.
الزمن زمن جرأة الابطال، بطولات الدولة ورجالاتها، لا بطولات التردد ولو في الثورات.