قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

في عصر أصبح فيه بإمكان الفرد من أي طبقة اجتماعية وفي أي مكان في العالم أن يتخيل معنى الحرية السياسية، لم يعد بالإمكان التعبير بشكل فعلي عن السيادة الوطنية دون ديمقراطية. وكما يبدو لم يعد ممكنا تخيل الديمقراطية دون انتخاب ممثلين ينتخبون الحكام، أو دون انتخاب الحكام مباشرة. ولكن الانتخابات تحل كما هي، وليس انتقائيا، أي بما فيها من التشويهات اللاحقة بالتعبير عن إرادة الناس، من عملية التحكم في تشكيل رأي الناخب باستخدام كافة الوسائل بما فيها النفوذ والنقود والكذب والدجل والاحتيال، أي أن الانتخابات تتضمن بحد ذاتها شكل التزوير الأكثر انتشارا، وهو تزييف إرادة الناخب. وهو بحد ذاته أكثر انتشارا من عملية التزوير المباشرة والتي تتم بشطب أسماء وإضافة مصوتين وهميين في الصندوق أو تغيير أوراق الاقتراع أو تعليمها أو التزوير في عدها. وتستخدم الطريقة الثانية عادة من قبل القوى السياسية المتخلفة أو من قبل الحاكم الضعيف وغير القادر على الطريقة الأولى.
ولكن قلما تحصل انتخابات دون استخدام الأولى. ويتشكل انطباع قوي أن ما حصل في اوكرانيا هو انتصار طريقة التزوير الأولى على الثانية. ومع ذلك ألا يوجد فرق بين الطريقتين؟ وإذا اعتبرت الطريقة الأولى تزويرا لإرادة الناخبين على نفس مستوى الثانية فلا شك في أن كل انتخابات بدءاً باختيار طريقة الانتخاب نفسها مرورا بالتمويل وشراء الأصوات والذمم بالوعود والوظائف وبالمال مباشرة، والكذب بما في ذلك حول البرنامج السياسي نفسه في بعض الأحيان، ونشر الإشاعات والسيطرة على الإعلام توجد بنسب متفاوتة في كل انتخابات في العالم، بما في ذلك الدول الديمقراطية. وهنالك تفاوت بين بلد وآخر وبين ديمقراطية وأخرى في حجم الاحتياطات القانونية المتخذة ضد هذه الأخطار، وكذلك في مستوى الوعي وتعمق التقاليد الديمقراطية اللازمة لتجاوز هذا النوع من التزوير. ومؤخرا أضيف الى هذه العوامل أيضا تدخل قوة أمريكا مباشرة في الانتخابات بمنظماتها وسفرائها ومنظمات الدعم والتمويل ونفوذها وبمنح العلامات حول وقوع تزوير من عدمه، والتلويح بدخول نادي الدول ذات الحظوة الأمريكية وغيره.
لا شك أن هنالك فرقاً بين الأسلوبين. فتزوير إرادة الناخبين بتغيير إرادتهم ليس بالإقناع بل بشراء الذمم ونشر الأكاذيب، أو بالتخويف من غضب أمريكا، وغيرها يعترف على الأقل بالطريقة الديمقراطية ويحاول الاحتيال عليها وتسخيرها لخدمته. والأهم من ذلك أنه يترك للناخب حدا أدنى من حرية الاختيار. كما يضطر السياسي والحزب والقوى الراغبة بالتأثير ضد تزوير إرادة الناخب بالترغيب والترهيب إلى أن تعتمد على ذكاء وعقل المواطن إلى درجة أكبر من الثانية. فالوعي والذكاء لا يفيدان الناخب اذا زورت بطاقة تصويته. قد يتملص الناخب الواعي من التزوير الأول ولكنه لا يستطيع التملص من التزوير المباشر على الصندوق. ولا ندري ربما لا تختلف النتيجة، الأهم من ذلك كله أن الطريقة الأولى تجلب معها تقنيات ودرجة أعلى من التطور الاجتماعي في إدارة المجتمع والسياسة، تشمل محاسبة السياسيين على وعودهم أحيانا على الأقل، في حين تعتمد الثانية على تنظيم اجتماعي قد يكون بدائيا. ويعني هذا الفرق بين الطريقتين فرقا ما بالنسبة لنوعية حياة المواطن ونوع المجتمع الذي يعيش فيه ومدى قمعية النظام السياسي.
يبدو أن هذا النقاش سوف يدوم طويلا. وسوف يتناقش الناس طويلا حول العلاقة بين عدم وجود انتخابات وإمكانية المطالبة بحقوق المواطن الأخرى، وبين غياب تداول السلطة والتعبير الديمقراطي عن سيادة الشعب. كلها نقاشات في مكانها. وبرأيي هنالك مسلمات يجب الا تكون مسلمات في هذه السياقات، منها أن الانتخابات مهمة ولكن هنالك حقوقاً مواطنية هامة غير الانتخابات التي يحتمل ان تزور بإحدى الطريقتين. ولكن الضغط الغربي لا يرى غيرها.
لكن الانتخابات الفلسطينية الأخيرة لا تمت بصلة لهذه المواضيع، اللهم إلا من الناحية الفنية المحض، فهي ليست تعبيرا عن سيادة كما يفترض ان يكون. وقد تتطلب تقبلها في هذا الإطار، كما تتطلب الآمال السياسية المعقودة عليها افتراضات سياسية تجعلها فعلا سياسيا إقليميا ودوليا بالدرجة الأولى.
يفترض التعامل مع الانتخابات الفلسطينية كأنه فعل سيادي أن الشعب الفلسطيني هو الشعب في الضفة الغربية وقطاع غزة، كما يفترض تجاهل وجود الاحتلال وجرائمه التي تواصلت حتى في الليلة الأخيرة التي سبقت الانتخابات في غزة مثلا، ويفترض انه ليس مهما إن شاركت الأحزاب السياسية الكبرى أم لم تشارك، وانه ليس مهما أن ثلث الناخبين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة لم يتسجلوا للانتخابات وانه قد صوت ثلثا الثلين الذين سجلوا فيحصل الرئيس المنتخب في النهاية على أقل من نصف مليون صوت...الخ. لن يناقش احد ذلك كله حتى لو صرخ بعض الغيورين أو الباحثين بأعلى صوتهم، فهدف الانتخابات هو تأكيد شرعية القيادة التي تلت ياسر عرفات جماهيريا وفي الضفة الغربية وغزة، فهذا هو الشعب الفلسطيني الذي تعترف به القوى السياسية غير الفلسطينية المتحمسة. وهي تريد تأكيد الشرعية من “شعب الضفة والقطاع” تحديدا ان كان ذلك على مستوى التفاوض وان كان ذلك على مستوى إدارة شؤون السلطة الأمنية.
ولكنها رغم كل شيء انتخابات سياسية لا تستطيع الأحزاب تجاهلها، إذ تحتم عليها أن تطرح مواقفها وتخوفاتها السياسية في هذه الظروف، وأن تترك حيزا لإرادة الناخب رغم تدخل العامل الدولي والإقليمي بشكل حاسم. لا تستطيع الأحزاب ألا تقول كلمتها وعليها إما أن تشارك وإما أن تقاطع بشكل واضح، أي أن تدعو للمقاطعة. لا تستطيع الأحزاب إلا ان تفحص تأثير الانتقال من العمل في إطار منظمة التحرير والشتات إلى العمل بشكل رئيسي في إطار السلطة على قوتها وتأثيرها بل ربما على مجرد استمرار وجودها بالشكل الذي كان. وهي لم تفعل ذلك في انتخابات المجلس التشريعي السابقة، وقد استمرت تراوح مدة طويلة في أزمة هوية حقيقية بين السلطة والحركات الإسلامية. وكانت الانتخابات فرصة لبروفة قبل الانتخابات التشريعية المقبلة، ويفضل أن يتم استخلاص النتائج منها: كيف تغلب الظهور الإعلامي على تاريخ من العمل الحزبي المديد؟ سؤال واحد من عشرات الأسئلة التي تثيرها النتائج. فلا تستطيع الأحزاب أن تعيش على أمجاد الماضي ولا على إعلان المسؤولية عن عملية من حين لآخر، واذا كان لديها سياسيا ما تقوله وتقنع به فعليها التوجه للجماهير. وبعضها لم يعد يهتم حتى بإصدار صحيفة فضلاً عن اجتماع شعبي تعبوي او محاضرة. المشكلة هي غياب السياسة بالمعنى الحزبي البسيط للكلمة وليس الظهور الإعلامي او عدمه. ليس الفضل للظهور الاعلامي بل للفراغ الذي ملأه. أقصد الفراغ الحزبي.
ربما أوهم البعض البعض الآخر أن هذه وسائل تقليدية. ولكن لا حزب بدون نشاط حزبي. الدولاب تقليدي، ولكن وبدونه لا تتحرك سيارة من مكانها مهما كان محركها متطورا ومهما كانت فاخرة، في النهاية هنالك حاجة إلى عجلات ولا نعلم عن اختراع جديد، اللهم الا الاختراعات التي تنتقل بنا من عالم السيارات، أو من عالم الأحزاب في هذه الحالة.
نعود إلى موضوعنا. لقد تم التعامل مع رئيس السلطة المنتخب الجديد كأنه رئيس دولة فعلا من ناحية الاهتمام الدولي من تهاني البيت الأبيض و”نازل”. ولم يعد خافيا أن العالم الغربي على مؤسساته، بما فيه “إسرائيل”، كان راغبا بهذه النتيجة وقد عبر عن رغبته علنا. ولكن هل يعني هذا أن هذا الاحتضان الدولي سيكون لصالح الموقف الفلسطيني أم سيكون احتضانا خانقا كاحتضان الدب؟
نحن نرجح احتضان الدب. لماذا؟لم تغير “إسرائيل” مركبا واحدا من مركبات سياستها في الشأن الفلسطيني، وما زالت تعتبر رسالة بوش إلى شارون انجازها السياسي الأول. وهي مستعدة لأن تفاوض القيادة المنتخبة الجديدة، كما أنها مستعدة لبعض المبادرات على مستوى ما يسمى “تسهيل حياة السكان”، كأن السكان رهائن، لكي تساعد القيادة الجديدة...وهذا بحد ذاته دليل على البعد الإرهابي في الإجراءات “الإسرائيلية” ضد المدنيين فهي تتغير تبعا لتغير الهدف السياسي. ولكن ما يتجاوز ذلك غير خاضع للنقاش “إسرائيليا”، فالأمر الأبسط وهو أن تقبل “إسرائيل” وقف إطلاق النار ما زال خارج نطاق التفكير الشاروني. فمنطقه هو أن تفعل السلطة كل ما يمكن لوقف اطلاق النار ب “القضاء على الإرهاب” او حتى ب “الهدنة” من طرف واحد، هذا شأنها. ولكن “اسرائيل” لا تعتبر نفسها طرفا في أي وقف لإطلاق النار بل تعتبره واجبا فلسطينيا، وهذا يعني أن “الإرهاب الفلسطيني” هو السبب وأن القمع “الإسرائيلي” هو النتيجة، ويجب من وجهة النظر “الإسرائيلية” معالجة السبب كما هو منصوص عليه في خريطة الطريق. وحتى اتفاقية الائتلاف الحكومي الجديد في “إسرائيل” لم تكتف بتعداد التحفظات الأربعة عشر على خارطة الطريق بل شمل الاتفاق الائتلافي رسالة فايسغلاس الى كوندوليزا رايس والتي تتضمن هذه التحفظات ورد الأخيرة أن أمريكا تتفهم هذه التحفظات، هذا في اتفاق بين شارون وبيريز. وهو اتفاق تم بعد وفاة ياسر عرفات، أي بعد زوال “العقبة” بنظر “اسرائيل”.
أما التفاوض فسوف يدور حول الحل الدائم في إطار ثوابت كل طرف مما يبقي موضوع الدولة فقط كمجال للتحرك الدبلوماسي بما فيه الأمريكي في محاولة لإقناع الفلسطينيين بقبول دولة دون حل القضايا الكبرى، فنبقى مع صراع حدود بين دولتين يجب ان يحل بالوسائل السلمية. هنا يأتي دور المنظمات الاوروبية والدول والمؤسسات ودور أمريكا لإقناع الفلسطينيين بأنه لا بديل، وانه في حالة قبولهم لهذا الخيار فسوف يتم تحويل دولة على اربعين في المائة من الأرض إلى جنة الله على الأرض. وهذا هو الهامش الذي تتركه “إسرائيل” للنشاط الدبلوماسي اما بالاتفاق او حتى بتكرار تجربة فك الارتباط من طرف واحد دون اتفاق، وذلك إذا أثبتت السلطة قدرتها على حل القضايا الأمنية مثل احتكار السلاح وتوحيد الأجهزة وغيرهما.
هذا بعض ما سوف تواجهه السلطة الفلسطينية المنتخبة. وسوف يكون عليها أن تقرر أن تقرأ نتائج الانتخابات كما تقرأها واشنطن وتل ابيب أي كضوء أخضر للقيام بأمرين، إنهاء مظاهر الانتفاضة المسلحة والمضي باتجاه القبول بدولة فلسطينية مقابل “ضبط الأمن” وتأجيل كافة القضايا الأخرى: القدس والاستيطان واللاجئين والحدود. أو التعامل مع النتائج كتفويض غير مكتمل لإدارة شؤون المجتمع الفلسطيني في الضفة والقطاع والتفاوض دون التخلي عن مبادىء العدالة النسبية والإنصاف وتنظيم صفوف السلطة الفلسطينية والمجتمع الفلسطيني بحيث يكتمل التفويض بانجاز الوحدة بما فيها وحدة النضال بشكل يمكن المجتمع من الحياة والتطور في هذه الظروف الصعبة حتى دون حل ودون الالتزام ببنية دولة وعلاقات والتزامات دولة على رقعة صغيرة من الأرض في علاقات طبيعية مع “اسرائيل” دون حل دائم وشامل للقضية الفلسطينية. لكل منا توقعاته بهذا الشأن ولكني أفضل ترك الإمكانيات مفتوحة لكي نوهم أنفسنا على الأقل بإمكانية التأثير في مجريات هذه الأحداث. ومن المفضل أن يكون التأثير واردا لأنه إذا انطلقت هذه القاطرة باتجاه واحد وعلى هذه السكة، سكة التسليم بأن هذه انتخابات وهذا رأي الأغلبية دون أخذ وحدة الشعب الفلسطيني بعين الاعتبار، فسوف تكتشف القاطرة أن السكة انتهت قبل نهاية الطريق، وأن القاطرة قد تتدهور قبل أن تصل إلى الهدف.