قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

بيروت من سوسن الأبطح: لا مسرح في بيروت بعد ان أغلقت دور العرض أبوابها إفلاسا أو يأسا، وباستثناء المسارح الجامعية التي يلجأ إليها الفنانون، بعد أن ضاقت الدنيا بهم، فإن أماكن العرض باتت محدودة جدا، حتى ان البعض في ظل أزمة كهذه يعتبر ان ايجاد المكان هو المدخل الأساس لتفعيل دور الفنان.
من هنا، تستحق تظاهرة «الموسم» التي اختتمت الجزء الأول من برنامجها نهاية العام المنصرم، وتتابع الجزء الثاني شهر فبراير (شباط) المقبل، الرصد والتفهم وربما التشريح. فخلال ثلاثة اشهر استطاعت أجندة «الموسم» ان تقدم الأفلام والمسرحيات والعروض الراقصة والغناء والموسيقى إضافة إلى معارض التجهيز، كل هذا بعد ان أحيا القيمون على الأنشطة مسرح سينما «الاسترال» في شارع الحمراء، وكأنهم يحيون العظام وهي رميم، يريدون من تجربتهم هذه استنهاض الأمكنة المغلقة والمنسية من سباتها، وقد نجحت المحاولة.
وبذلك يكون صاحب المشروع، المنشط الثقافي، مصطفى يموت، المعروف في بيروت باسم (زيكو)، بالتعاون مع رولا قبيسي، قد ضربا اكثر من عصفور بحجر واحد، كما يقولان، فقد تم إحياء مسرح استقال من مهماته، واجتذب مئات المتفرجين إلى العروض، كما تمت الاستفادة من وجود فرق أجنبية تزور المنطقة لاستقبالها في لبنان.
ويتحدث زيكو بأسف عن الوضع الثقافي الراهن في لبنان الذي لا يبشر بخير، لكنه يعتقد ان الاستسلام ليس حلا، وإنما ايجاد السبل التسويقية التي تجعل من الفنون الراقية مثار اهتمام الناس. فالفنان اليوم قد يكتب مسرحيته ويخرجها ويمثلها ويبحث عن المكان ويطبع الإعلان ولا يستطيع عرضها إلا لأيام، حتى بات عمل مسرحية خسارة لا تضاهيها خسارة.
ولكن ما هو مشروع «الموسم»؟ ما هي رؤيته المستقبلية؟ وهل سيكون ناجعا، وكيف؟.
هنا نص الحوار مع زيكو الذي يطرح رؤية متكاملة لتغيير النظرة إلى العمل الثقافي عموما:
* ما كان هدفكم من إطلاق «الموسم»؟
ـ نحن ضد الاستسلام للوضع القائم، ونعتقد اننا بحاجة لخطة هجومية. نريد أن يكون للبنان حياة ثقافية، جازفنا وعملنا كل الاتصالات الممكنة، وبنينا تصورا للخروج من المأزق. ما قمنا به كمرحلة أولى هو 3 شهور من الأنشطة، كان الهدف منها دعم الفرق وإيجاد أماكن العرض. أخذنا سينما «الاسترال» على سبيل التجربة، وأثبتنا ان هذا المكان يستطيع ان يبقى مفتوحا وأن يفيد أصحابه. بيّنا لهم ان بمقدورهم اجتذاب الناس والفنانين وان يستفيدوا ماديا أيضا.
* لكن مسرح سينما «الاسترال» يحتاج إلى ترميم وجهد كبير؟
ـ نحن ضد هذه الفكرة. تجديد المسرح يحتاج إلى مبالغ كبيرة غير موجودة. لذلك ارتأينا أن الأولوية هي لإبقاء المسرح مفتوحا، ولو اضطررنا إلى استخدام 600 مقعد فقط، لأن الخمسين الباقية غير صالحة للاستعمال. إذا جاء الجمهور و«مشي» الشغل، تصبح التصليحات في متناول اليد. لكن ما فائدة مسرح مجدد بلا أنشطة او متفرجين، أو اي قدرة مالية على تحريكه. المهم هو العمل وفق الأولويات.
* كيف أقنعتم صاحب «الاسترال» بإمكانية استثمار المكان؟
ـ الفكرة السائدة ان هذه الأماكن أصبحت مشاريع «بائرة» لا يمكن إحياؤها، ونحن استأجرنا السينما لمدة ثلاثة اشهر، ورأى صاحبها كيف ان الناس يأتونها، وأن الحياة عادت إليها. اقتنع الرجل ان ثمة فائدة ترجى وان عروضا سخية قد تأتيه خلال السنة، وان الإغلاق هو أسوأ الحلول. بقليل من الجهد تستعيد «الاسترال» حياتها، ونذهب إلى مكان آخر نحاول إنعاشه، وهكذا تفتح المسارح، واحدا بعد الآخر، بدلا من ان تغلق من باب العدوى أو بسبب الخمول.
* أي انكم وضعتم استراتيجية ثقافية بالإمكان تطبيقها على بيروت أو مدن لبنانية أخرى؟
ـ لا بد من الاعتراف ان اصحاب الصالات ليسوا مبرمجين ثقافيين، وليس عملهم الاتصال بالفرق أو الاتفاق مع الفنانين. هم بحاجة لمن يقوم بهذا العمل. المشكلة الأساسية في لبنان، وربما في العالم العربي، ان بعض التخصصات والمهن غير معترف بها. أصحاب المسارح يضيقون ذرعا بالصالات التي يمتلكونها ولا يعرفون ما يفعلونه بها. نحن استفدنا من الاسترال، ونضال الأشقر تؤهل مسرح سينما «سارولا»، وعلينا جميعاً أن نسعى في هذا الاتجاه. و«الموسم» خلال برمجته الأولى كان جيدا، وفي فبراير سنقدم أنشطة أخرى، هذا يعني اننا نجحنا.
* أي أنكم راضون عن النتائج.
ـ إلى حد ما نعم، لكننا نعاني من أزمة «جمهور». عدد الذين تعودوا الذهاب إلى المسارح قليل جدا. شعبنا عموما لا يستفيق صباحا وهو يسأل: «شو في مسرح اليوم؟». وان يعيش المسرح من الدعم فقط فهذا أمر غير منطقي وغير ممكن أصلا. المسرح الذي لا يصرف على نفسه لا يستمر، لذلك فنحن لا نريد أن نقضي وقتنا في البكاء على ما لم تمنحنا إياه وزارة الثقافة، والحل هو في البحث عن حلول جذرية. لذلك باشرنا بعمل بطاقة نبيعها لأولئك الذين لا يذهبون إلى المسرح. نحاول ان نقنع البنوك ببطاقة سعرها 40 دولارا كهدية لموظفيها، وحين تصبح البطاقة بين أيديهم سيأتون ليكتشفوا ما عندنا، هكذا نكسب فئة جديدة.
تعميم الفكرة على المؤسسات وتوسيع توزيع البطاقة سيأتي بنتائج جمة. القصة لا تحل بكبسة زرّ، الحلول يجب ان تكون طويلة الأمد. في أوروبا مثلا، هناك بطاقة تخول صاحبها دخول كل المسارح، وتتوزع الأرباح على المسرحيات التي حضرها صاحب البطاقة الإلكترونية. هذا نظام ربما نحتاجه في لبنان، وقد ينجح لو استطعنا التنسيق مع الجامعات والمؤسسات من ثقافية وتعليمية او غيرها. لا نريد أن نحل مشكلة فردية وإنما نسعى لفائدة جماعية، بإيجاد وسائل جديدة. المشكلة اليوم ان الفنان خاسر باستمرار فهو يعمل لشهور متواصلة على مسرحية ثم لا يتمكن من عرضها سوى ايام قلائل، وبعدها تطوى الصفحة.
يجب ان نسعى لإيجاد جمهور جديد وأماكن عرض جديدة، لماذا مثلا لا نسعى لجعل هذه الأعمال تجول في المناطق اللبنانية؟ نحن نقترح ان تدار الأمور بطريقة مختلفة.
* أنت منشّط ثقافي، هذه هي مهنتك.
ـ هذا ما فهمته أخيرا، كنت أعمل ولا أعرف ما اسم الذي أقوم به، لكنني اكتشفت ان من يشتغلون بهذه الطريقة في أوروبا، هم أصحاب مهنة قائمة بذاتها.
وفهمت أن لي دورا يجب ان أقوم به وأطوره. لا أستطيع أن اطلب من الفنان أن ينظر إلى عمله وكأنه علبة مشروبات غازية تحتاج لتسويق، فهذا مستحيل. هو يعيش حساسيته تجاه إبداعه، لكن مطلوب من غيره ان يعتبر العمل الفني كذلك، وأن يروج له كأي سلعة أخرى. لا يستطيع الفنان ان ينفي حاجته للربح من عمله كي يستطيع تقديم غيره. وبالتالي من واجبه ان يترك مسألة الترويج لأصحاب الاختصاص.
* هل تجدون تجاوبا من بعض الجهات؟
ـ بعد «الموسم» جاءتنا طلبات من بلدية بيروت، وهناك اتصالات مع وزارة الثقافة. لكن ما يهمنا هو ان تنضم إلينا مسارح أخرى، ان نستطيع عمل شبكة قوية ومتعاونة لها مشاريعها. المنافسة لا تنفي التعاون، بل على العكس، نحن بحاجة لبعضنا بعضا، ولو توصلنا لعمل بطاقة المسرح الموحدة لحققنا إنجازا كبيرا، فالأزمة لن تحل على طريقة «كل مين إيدو إلو».