قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

ماذا تفعل يد بيضاء محبوسة في البيت امام موجة عالية تنثر رذاذها علي الشاشة؟ اندونيسيا، سيريلانكا، الشاطيء الهندي والساحل الافريقي وايضا، شبه الجزيرة العربية. ذلك صباح السادس والعشرين من كانون الاول (ديسمبر) عام 2004، بينما هنا الليل في غرفة التلفزيون، وكل شيء حلو ومهفهف ودافيء. الموتي كلهم صور معلقة علي الشاشة، وانا في قلب هشاشة الوجود، وتحت ثقل الجانب الايسر من صدري، أتحلل مثلهم، ومثلهم اعجز عن الهرب من جسدي. اري الي الموت في الضفة الاخري، كأن اكتساح المياه قد شلني.
استسملت لجبروت الطبيعة بشكل مسالم ومستكين. وحدها الطفلة الهزيلة التي ترفعها الامواج تستحوذني. فجأة، هزت اطرافها رعدة عميقة، وغاص جسدها في الماء. لكنها لم تستطع ان تختفي نهائيا. بقيت الكاميرا تدرك طرف ردائها الي ان غدت الموجة اقوي من الصورة، فثنت رقبتها، فيما بقي فخذاها الداكنان اللامعان يرتفعان في عناء اخير، حتي غابت الي ابعد حد.
استكانت اليابسة وما عليها لثقل هجمة الامواج.
كان احتفالا صاخبا وشامخا للزلزال، قوامه السقوط الشامل للكائنات والاشياء.
في مقعدي بالطبع، وقد حل بي الرعب وسيطر علي الفيضان، رفعت قدمي وعيناي مثبتتان علي الشاشة الرطبة الحافلة بالنذر الغامضة. علي نحو يبعث الشعور بالمرض، رحت احدق بالوحش القادم في ايقاعه المهول، المتجرد من الرحمة. كان تدفقا فجا وكئيبا يتعاظم علي الشواطيء وفي قلب المدن وبيوتها، وقد خيمت الهزيمة والعجز في مواجهة مكر الطبيعة.
ببساطة اختفوا. دقيقة سريعة ومتجسدة، كما لو كان المد الصلصالي السائل الذي يتدفق عبر الشوارع ويجر ناس البيوت، الأمتعة والاشياء، والمزيد منها، في الحيوية الداخلية ذاتها، التي تسيّر الموت، تقرّبه. تعرضت المسافة بيني وبين ناس الزلزال الي الاختلال، واحسستني في قلب الماء وبدا ليلي مجردا من اللون والرائحة، وانما اللمس، حاستي التي بقيت محتفظة بنشاطها، وكنت لأمد يدي المتعرقة اربت علي غرق الغرقي. مكثت طوال الليل علي كنبتي دونما حركة لان شيئا في وعيي كان غافيا. لابد ان الطوفان قد اقلع ثانية في مكان ما، هكذا كانت تراودني الهواجس، وبدا صوت في اعماقي كما لو ينحّي الجثث الرهيبة غير المحتملة التي تتحرك في عصف الكارثة. صوت متطاول حزين يهرب من الموت. سوف امضي العام الجديد مع فكرة ثابتة.
حتي ان مرور الايام سيزيد المأساة وضوحا. اية سرقة كبيرة فعلها زلزال المحيط الهندي في ذوي البشرة النحاسية والصفراء، الذين يمضون في العيش بعطر الشواطيء ورائحة الغاردينيا الحلوة. لم يجدف احد في الماء الغاضب، كان ذلك لان الموجة اكبر مما ينبغي، ودون تنهيدة في عصفها، دون ضوء واحد في ارتفاع الزبد.
كان بوسعي، من علي مقعدي سماع صوت الدمار الخالص الذي اصاب ملايين الأرواح وهي تتحطم واحدة اثر الاخري في قلب المحيط الي اقصي الشواطيء، ثم انطفأت اعمارهم، ولم يعد هذا عيشهم، وانما موتهم مؤتلقاً بلزوجة الماء، ويتقاذفهم بأفواههم الفاغرة عابرا بهم زواريب وازقة، او معيدهم الي رحم البحار، بحار الموت العتيقة.
خرج الناس الناجون، الذين لاذوا بما لاذوا به، الي اولئك المتورمين اللاهثين والنافثين هواء الموت، المعذبين واللافظين زبد الألم من افواههم، المستافين الماء عبر مسامهم، المكتسية اطرافهم لونا قانيا، لونا يشبه لحم الغزال في ماء البحر، ومن اعينهم الجاحظة جاءت اشارة اكتمال الموت.
كان بوسعي انا الناجية، ان اكون مثل شمس هادئة توشك علي النوم. بدل ذلك كنت مبتلة وراعشة. ورحت في الحلم الوحيد لليلة الماء، انكر الود الكثير الذي احسه للبحر، ويجثم علي صدري خفاش بحري رهيب تقلب انفاسه الباردة، ابدانا وسواها وهي خضعت لعذاب الماء في حفر الصخر الملحي، وفي خمود الحياة الذي انفرش علي ضفاف المدن.
ماذا يفعل تسونامي في كوكبنا؟ يخلص الفقراء من فقرهم؟ ربما، وربما اجد ارتباطا وثيقا بين حسابات الطبيعة العبثية وحساباتنا المنمقة. هل هذه حقيقة فعلا، رحلة الاجساد الطافية مظللة بقوس قزح، علامة العهد، عهد نوح بينه وبين كل جسد حي.
اي انقباض في عضلة القلب!
اية اسئلة؟ اية ليلة هذه نسمعها ونراها ونشمها! انتم اشقائي ايها الموتي، واشعر الان بأنفاس الفيضان اللاهث خلفي. لا اجرؤ علي الالتفاف ولا اقوي علي التقدم. تتسمر قدماي في الارض. انتظرفي هلع لحظة انقاض الماء علي ليغرقني، يهشم رأسي ووجهي. انه لا يفترس الناس، ولا يأكل اللحوم، انه لا يأكل الا الأرواح.