قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

تواجه جامعة الدول العربية أزمة مالية ناجمة عن امتناع أو تأخر بعض الدول الأعضاء في تسديد الاشتراكات. هذه الأزمة ليست جديدة، فالجامعة تواجه شحاً في إمكاناتها المادية بحيث باتت منذ سنوات مضطرة الى تقليص حجم النشاطات التي تضطلع بها. غير أن الجديد في هذه الأزمة أنها تأتي في وقت تواجه فيه الجامعة “تهديدات جدية وتحتاج الى تحرك واسع لحمايتها”، كما قال عمرو موسى، الأمين العام للجامعة، مؤخراً في مقابلة صحافية.
وتعود هذه التهديدات، كما ألمح الأمين العام الى ضغوط خارجية ترمي الى استبدال نظام شرق أوسطي بالنظام الإقليمي العربي. ولا ريب أن في هذا التقييم بعض الصحة، فالشرق أوسطية لا تزال مطروحة كبديل عن الرابطة العربية رغم تراجع شيمون بيريز عن طرح الصيغة الأولى كإطار للتفاهم بين دول عربية و”إسرائيل”. ولكن، في مطلق الحالات، إنه من الصعب إعادة التراجع الجلي الذي تعاني منه الجامعة الى الضغوط الخارجية وحدها. فهناك أسباب متعددة أخرى من أهمها تلك التي تكمن في جامعة الدول العربية نفسها كمؤسسة للعمل العربي المشترك. فأين المشكلة في أوضاع الجامعة؟
المشكلة ليست في الأشخاص العاملين، كما يقال أحياناً. فالجامعة تضم عدداً وافراً من الكفايات وفي مقدمتهم الأمين العام. ومن الصعب حصر المشكلة في توتر العلاقة بين الأمانة العامة وبعض الدول العربية. فمثل هذا التوتر كان موجوداً في كثير من الأحيان، ومع العديد من الأمناء العامين السابقين ابتداء من عبدالرحمن عزام، أول أمين عام للجامعة ومروراً بالأمين العام السابق الدكتور عصمت عبدالمجيد. وفي كثير من الأحوال لم يتردد هؤلاء في توجيه انتقاد علني الى بعض الحكومات العربية إذا اعتبروا أنها خرجت عن ميثاق الجامعة. كما أن المشكلة لا يمكن تلخيصها بإرجاعها الى احتكار دولة المقر لمنصب الأمين العام. إن تدوير الأمانة العامة بين الدول الأعضاء قد يكون أفضل من حصرها بدولة المقر. هذا قد يحسن أوضاع الجامعة ولكنه لا يقلل من حجم التهديدات التي تواجهها في أي وقت من الأوقات.
المشكلة الذاتية الرئيسية التي تواجهها الجامعة عائدة الى خلل في الأولويات والسياسات. فمفروض في الجامعة، كما هو مفروض في أية مؤسسة أن يتمحور نشاطها حول الهدف الرئيسي الذي تأسست من أجله، وأن يكون هذا الهدف هادياً ومرشداً لها في كل عمل تأتيه المؤسسات التي تنشغل عن هدفها المحوري بانشغالات أخرى، فتقدم المهم على الأهم تعرّض نفسها للزوال. الجامعة تأسست بدافع من الحرص “على توطيد الروابط العربية” وبغرض “توثيق الصلات بين الدول العربية وتحقيق التعاون فيما بينها”. هذه الأهداف تأكدت مع تأسيس مجلس ملوك ورؤساء دول الجامعة العربية عام 1964 الذي أكد “... دعم العمل العربي الموحد في نطاق الجامعة”. الترجمة الحية لهذه الأهداف هي في إعطاء الأمانة العامة مشاريع الأقلمة العربية الأولوية على ما عداها من المواقف والمشاريع والسياسات. الأمانة العامة تعطي هذه المشاريع بعض الاهتمام ولكنها لا توليها الاهتمام الكافي.
تعتبر الأمانة العامة للجامعة تطوير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والتحضير لإطلاق منطقة التجارة الحرة العربية أمثلة مهمة على اهتمامها “بتوطيد الروابط العربية” وتنمية النظام الإقليمي العربي. هذا صحيح ولكن ينبغي عدم المبالغة في تقدير أهمية هذين المثلين. تطوير المجلس كأداة للتعاون العربي الوظيفي مهم. إلا أن المجلس لم يكن يعاني مشكلة إدارية، بل مشكلة سياسية في الأصل هي كيفية تنمية وتعزيز التزام الأعضاء بقراراته. هذه المشكلة لا تزال قائمة. إطلاق منطقة التجارة الحرة هذا العام سوف يكون حدثاً مهماً، ولكن المنطقة تعاني من ثغرات. صحيح أنها تسير على طريق تخفيض أو حتى إزالة الحواجز الجمركية، ولكن هناك الكثير من الحواجز غير الجمركية التي تقيمها الدول الأعضاء في وجه انسياب التجارة العربية البينية. التغلب على جميع هذه المعوقات وتحرير التجارة البينية العربية حقاً يتطلب معالجة على أعلى المستويات العربية. إنه يتطلب متابعة دائمة من القادة العرب.
كان من المستطاع توفير إطار مناسب لهذه المتابعة لو نفذ مشروع القمة العربية الاقتصادية الذي اقترحته مصر وسوريا وبعض الدول العربية الأخرى قبيل قمة عمان عام 2001 والذي اتخذ قرار بصدده في القمة. كان حرياً بالأمانة العامة أن تنشط من أجل عقد هذه القمة ومن أجل وضعها على أجندة السياسة العربية لأن تنمية التعاون الاقتصادي، خاصة في حدوده الدنيا والوسيطة قد لايثير اعتراضات كثيرة وتحفظات حادة، وهو من شأنه أن يساعد على تنمية التعاون السياسي.
مشروع القمة الاقتصادية لم يكن وحيداً من نوعه، ففي القمم العربية السابقة اتخذت قرارات أو توصيات بالاهتمام بمشاريع عربية كثيرة من شأنها تنمية التعاون الإقليمي مثل مشروع آلية الإنذار المبكر للحيلولة دون تعريض المنطقة الى تهديدات مفاجئة. قمة القاهرة المنعقدة في عام 1996 أوصت بدراسة هذا المشروع ولكنه أهمل. غير ذلك اتخذت قمة عمان ومن بعدها العديد من القرارات المتعلقة بتطوير التعاون الإقليمي العربي، وبتنمية العلاقات الوظيفية بين الدول العربية. ربما أعطيت هذه المشاريع والمقررات بعض الاهتمام من قبل الأمانة العامة ولكنها لم تعط الاهتمام الكافي ولم تدرج كأولوية في عمل الجامعة.
الجامعة قادرة على أن تنهض من جديد وأن تضطلع بدور مهم في السياسة العربية والدولية شرط أن تعطي الأولوية في عملها الى تنمية مؤسسات العمل العربي المشترك، وأن تبذل جهداً أكبر في تطوير العلاقات العربية البينية في المجالات السياسية والوظيفية، وأن تتجنب الى أبعد مدى ممكن الغرق في الصراعات العربية العربية.