قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

في أوائل هذا الشهر تمكنت قوات الأمن الجزائرية من اكتشاف مكان نور الدين بوضيافي، وألقت القبض عليه بعد 8 اسابيع من الملاحقة، وخمسة ايام من المعارك في غابات بالقرب من الجزائر العاصمة. وربما يتساءل المرء، من هو بوضيافي، ولماذا يستحق القبض عليه هذا الاهتمام؟.
الرجل هو زعيم الجماعة الاسلامية المسلحة، وهي أكثر الجامعات الارهابية تشددا، وقد قتلت ما يزيد على 150 الف شخص منذ عام 1992. ويطلق بوضيافي على نفسه اسم أمير المؤمنين، وكان قد أصدر فتاوى تحكم على أي شخص لا يعجبه بالاعدام. وقد سيطر على الجماعة في شهر يوليو الماضي، بعد انقلاب ضد أميرها آنذاك رشيد بو تراب. والرجلان تخرجا من مدرسة الارهاب التي أسسها ما يطلق عليهم اسم «الأفغان العرب» في افغانستان في الثمانينات، وتنتمي الى نفس الحركة التي أدت الى ظهور اسامة بن لادن وابو مصعب الزرقاوي، «أمير» الارهابيين السنة في العراق.
لماذا إذن يعتبر القبض على بوضيافي أمرا هاما؟
أول الاسباب هو ان القبض عليه يؤكد ان الجماعات الارهابية في موقف دفاعي، وتلاحقها قوات الأمن الجزائرية.
وهو ما لم يكن عليه الامر من قبل، فلمدة عشر سنوات كان الارهابيون يمسكون بزمام المبادرة، ويهاجمون متى يريدون، وأي مكان يرغبون، ويجبرون القوات الحكومية على اتخاذ موقف دفاعي، مع تخصص في عمليات القتل الجماعي. ففي بن طلحة، وهي ضاحية في الجزائر العاصمة، على سبيل المثال، ذبحوا اكثر من 800 شخص، معظمهم من النساء والاطفال، في ليلة واحدة. كما استهدفوا الاشخاص العاديين في الجيش والشرطة، على أمل تخويف الشباب الجزائري من الانضمام الى قوات الجيش. وفي قائمة ضحاياهم الرهبان المسيحيون ورجال الدين المسلمون والنقابيون، والقيادات السياسية، والصحافيون، مثلما خطفوا المراهقات واجبروهن على زواج مؤقت مع «المجاهدين» وأحرقوا المدارس والمستشفيات. وفي فترة من الفترات شنوا عمليات غير عادية، مثل اغتيال الرئيس محمد بوضياف، واشهر قادة الحركة النقابية.
ويشار الى أن الحملة الارهابية كانت قد بدأت أواسط ثمانينات القرن الماضي، بخارج عن القانون يحمل اسم مصطفى بو يعلي، لتنزل الخراب والفوضى في ضواحي العاصمة. غير انه وبحلول عام 1990 عزز الارهابيون وحلفاؤهم السياسيون من مواقفهم ليصبحوا قوة في المشهد السياسي في البلاد، ليقتربوا في عام 1991 من الفوز بالسلطة بمزيج من العنف والاحتيال الانتخابي. غير أنه وبحلول عام 1992 تحولوا الى استراتيجية القتل والفوضى، في مسعى منهم لتحقيق هدفين: الأول، تدمير الجيش الجزائري بقتل أكبر عدد ممكن من المجندين، على أمل أن يثير هذا الأمر عمليات هروب جماعي، والثاني، منع إجراء اي انتخابات، وكان عنتر الزوابري، أحد أشهر زعماء الارهابيين والذي قتل في حادث في التسعينيات، يروج للقول «بأن أولئك الذين يريدون حكم الشعب، إنما يتحدون حكم الله، الذي هو الاسلام»، من وجهة نظره.
وبحلول عام 1994، بدا الارهابيون وكما لو أنهم قريبون من تحقيق النصر، أو هكذا بدا الأمر للرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران بقراءة تصريح له، قال فيه ان باريس مستعدة للعمل مع نظام «إسلامي» في الجزائر.
وفي غضون ذلك، وفي بعض المناسبات، كان الارهابيون يستعرضون قوتهم بتوريط القوات الحكومية في معارك كبرى، بما في ذلك معركة جيجيل التي شاركت فيها القوات البحرية والجوية الجزائرية. وأذكر اني قد ذهلت عند زيارتي الى الجزائر عام 1994 من حالة الخراب والكآبة التي كانت تعم كل مستويات الحكومة تقريبا، فيما تحدث السفراء الأوروبيون سرا عن خشيتهم من إمكانية تولي الارهابيين السلطة في أي وقت، والى ذلك حثت شرائح من النخبة على إجراء مفاوضات مع الارهابيين، بما عنى مناقشة شروط الاستسلام.
ولكن نقطة التحول حدثت عام 1995، عندما نظمت الجزائر انتخاباتها الرئاسية الأولى المتعددة المرشحين، صحيح أنها لم تكن انتخابات مثالية، ولم يكن المرشحون معروفين على نطاق واسع، لأنهم ظهروا على المسرح السياسي قبل عامين لا أكثر. ولم يقدم أي من المرشحين برنامجا سياسيا متكاملا، ومع ذلك، ولزيادة الطين بلة، قام الإرهابيون بكل ما يستطيعون لمنع تلك الانتخابات، فأحرقوا مراكز التسجيل واغتالوا موظفي الانتخابات، فيما كان الرجال الملثمون يزورون الناس في منازلهم ومتاجرهم، لتحذيرهم من الذهاب إلى مراكز الانتخابات، مشيرين الى أن ذلك يعني الموت.
ولكن عندما جاء يوم الاقتراع، أصبح واضحا وبصورة واضحة أن الإرهابيين، في محاولتهم اليائسة لمقاومة الديمقراطية، في طريقهم إلى الهزيمة المؤكدة، مثلما كان ذلك شأنهم في كثير من منعطفات التاريخ الهامة.
وأشير هنا بأني لم أشهد في تاريخي الصحافي كله، مثل ذلك الحماس للمشاركة في الانتخابات بالصورة التي شهدتها في الجزائر. فقد تحدثت «الأغلبية الصامتة» من خلال أصواتها الانتخابية، ليس لأنها كانت تميل إلى أي واحد من المرشحين، ولكن لأنها كانت تريد أن تبعث رسالة إلى الإرهابيين بأن لا مكان لهم في الجزائر.
ولكن تلك الانتخابات لم تحول الجزائر إلى بلد ديمقراطي، إذ عقدت الجزائر منذ ذلك الوقت ثلاثة انتخابات رئاسية، وأكثر من عشرة انتخابات على مستوى المجالس النيابية والمحلية، ولم يكن أي منها مثاليا، وربما تحتاج الجزائر إلى عشرات الانتخابات الأخرى، أي عدة سنوات مقبلة، لتصل إلى مرحلة الديمقراطيات الناضجة. ولكن هذه التجارب الجزائرية أوضحت حقيقة واحدة، وهي: أن الطريقة الوحيدة لهزيمة الإرهاب، هي إشراك الناس في الحياة العامة من خلال الانتخابات.
كانت الجزائر هي القطر العربي الأول الذي هاجمه الأصوليون، كما كان القطر العربي الأول الذي هزمهم. ولا شك أن التجربة الجزائرية بها كثير من الدروس، التي يمكن أن يستفيد منها العراقيون. فالإرهابيون العراقيون يتبعون نفس الاستراتيجية التي كان قد لجأ إليها رصفاؤهم الجزائريون في التسعينات. ويحاول الزرقاوي وغيره من قادة الحركات الإرهابية عرقلة الانتخابات، ومنع تكوين جيش قومي عراقي، من خلال قتل جماعته للمجندين. وفي تقليد واضح لرصفائهم الجزائريين، اغتال الإرهابيون مسؤولين كبارا وساسة بارزين، ولكنهم سيتعلمون، كما تعلم اخوانهم الجزائريون، أن النظم الديمقراطية لا تتأثر كثيرا بزوال الافراد.
ومن هنا، فالانتخابات العراقية المقرر إجراؤها يوم 30 يناير (كانون الثاني) الحالي، ستضع الإرهابيين مباشرة أمام قوة الشعب، بالضبط كما حدث لمن هم على شاكلتهم في الجزائر عام 1995، وهذا ما يجعل من المهم جدا إجراء الانتخابات في موعدها، وفي كل الأماكن التي يمكن إجراؤها فيها، لأن استخدام الانتخابات لهزيمة الإرهابيين، ربما يكون هو المفتاح نحو تطور كثير من البلدان العربية.