قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

قيام الدولة ما هو إلا حالة من حالات التعاقد، أولها يقع بين المواطنين على الاندراج في كيان سياسي، وثانيها يقع بين الحكام والمحكومين حول طريقة اقتسام السلطة والثروة وإدارة كليهما لحماية مصالح الجميع.
وبدون أية مبالغة فإن الانتخابات العراقية القادمة تعيد الدولة كلها إلى حالتها الأولية حيث يجري التعاقد من خلال العملية الانتخابية التي يشارك فيها 14 مليون عراقي في الداخل ومعهم مليون ونصف في الخارج يعملون على انتخاب مجلس وطني شامل مكون من 275 عضوا - بالإضافة إلى 18 مجلسا محليا للمحافظات العراقية وبرلمان إقليم كردستان - يقوم بوضع دستور للعراق يحدد العلاقات بين الحكام والمحكومين، وبين الحكومة المركزية الجديدة وحكومات الأقاليم أو المحافظات.
ولعل ذلك هو التعاقد الثالث الذي يقوم به سكان العراق، فقد كان تعاقدهم الأول في عام 1932 عندما ظهرت الدولة العراقية لأول مرة ككيان «دولي« في الإطار الملكي الذي قام من ناحية على تسويات ما بعد الحرب العالمية الأولى، ومن ناحية أخرى على شرعية قبول العرش «الهاشمي« كقوة جامعة وموحدة للعراقيين. ولكن هذا العقد لم يصمد كثيرا في عام 8591 أمام التحدي الذي قدمه العسكريون الذين هدموا الدولة كلها رأسا على عقب مؤسسين لتعاقد جديد يقوم على شرعية الفكرة القومية - العراقية والعربية - التي تجمع كل سكان العراق تحت رايات واحدة. ورغم أن العقد «الجمهوري« بدا مغريا للعراقيين بعد إحباطهم في «العقد الملكي« إلا أن واقع الحال كان مرا، فلم تتابع الحروب الداخلية الواحدة بعد الأخرى ضد قطاعات مختلفة من أطراف التعاقد الاجتماعي مثل الأكراد والشيعة، وإنما رافقتها سلسلة من الحروب الخارجية التي أخذت الجيوش إلى إيران والكويت.
لقد دمرت الحرب الأمريكية على العراق البنية الكاملة للتعاقد العراقي الجمهوري القومي بشكل حرفي، فقد تم تفكيك أركان الدولة العراقية بجيوشها وأجهزتها الأمنية وبيروقراطيتها المتشعبة، واصبح على العراقيين الآن، ومن خلال صناديق الانتخاب، أن يقيموا الآن دولة جديدة اتفقوا على قيامها، ولكنهم لم يتفقوا بعد على أحوالها وشروطها. وفي اللحظة الراهنة فإن هناك ثلاثة صور للتعاقد يجري التنازع حولها في العراق، فهناك أطراف متعددة تريد تعاقدا «إسلاميا« باعتبار أن الدين هو الرابطة الأساسية بين كل العراقيين، حتى ولو كان ذا صيغ طائفية متعددة، أو حتى كانت له تعبيرات أيدلوجية مختلفة ما بين جماعة أسامة بن لادن وجماعة حسن البنا. وهناك أطراف أخرى تريد العودة مرة أخرى للصيغة القومية، على اعتبار أن «عروبة« العراق هي ما تجعل العراق عراقا، وبدونه لا تصير له هوية وشخصية، وببساطة فإن المطلوب هو إعادة عقارب الساعة إلى الوراء حتى ولو كان الثمن أن يعود نظام صدام حسين دون صدام هذه المرة. أما الصورة الثالثة للتعاقد العراقي فهي لا تأخذ شكل التعاقد حول فكرة - الإسلام أو العروبة - وإنما التعاقد حول ترتيبات للمصالح، ومن هنا تأتي فكرة الفيدرالية وقبول التعايش المشترك على أسس من التبادل وتوزيع السلطة والثروة.
صور التعاقد الثلاث هي التي تقع في قلب الصراع الانتخابي، والصراع الدامي، في العراق في هذه اللحظة؛ ولكن التنافس فيما بينها ليس هو المعضلة الوحيدة الواقفة مانعة للتعاقد الثالث للدولة العراقية. فمن الواضح أن هناك حالة من الانفلات «الديمقراطي« الذي يقترب من حالة الفوضى حيث يوجد 83 كيانا سياسيا تتوزع ما بين تسعة تحالفات كبرى و47 حزبا سياسيا و27 مرشحا مستقلا يكونون جميعا ما يقرب من 5000 مرشح يتنافسون على 275 مقعدا. وكما هو معروف أن الديمقراطية لا تزدهر كثيرا في مثل هذه الحالة من التفتت، وتحتاج في معظم الأحوال عددا محدودا من الأطراف يمكنها التفاوض والتفاهم والمساومة. فإذا أضيف إلى ذلك غياب وجود تقاليد ديمقراطية تذكر حيث كانت آخر الانتخابات الديمقراطية العراقية في عام 1954؛ ومع ذلك غياب شروط الممارسة من أمن في عدد غير قليل من المحافظات يتركز فيهم السنة العرب.
كل ذلك يطرح معضلة الانتخابات العراقية القادمة، فبقاء الأحوال على ما هي عليه والمضى قدما نحو الانتخابات التي تجرى في 40 ألف صندوق انتخابي سوف يجعل على الأرجح التعاقد ليس كاملا بالمرة حيث سيبقى السنة خارج هذا التعاقد. وهؤلاء - على أية حال - يطرحون حججا لتأجيلها حتى يتم التفاوض حول صورة الدولة العراقية وهي لدى البعض القومي عدم جواز الانتخابات تحت الاحتلال باعتبار ذلك ناقضا للشرعية من جانب ومتحيزا لطوائف بعينها من جانب آخر، أما البعض الإسلامي فيرى المسألة برمتها نوعا من «القوانين« الوضعية التي لا ينبغي لها التدخل في الميلاد الإلهي للدولة ؛ أما البعض الليبرالي السني فيقول بأن فكرة الدائرة الواحدة في الانتخابات العراقية قصد بها تخطى السنة، واخيرا فإن سنة الأكراد الراغبين في دولة كردية مستقلة تأتي من رماد فشل إقامة الدولة العراقية فإنهم يطرحون مشكلة كركوك المزمنة والتي لا تجوز انتخابات دون حلها.
ولكن القضية ليست في رجاحة حجج تأجيل الانتخابات، وإنما لأن طارحيها لم يطرحوا بديلا جديدا لعملية التعاقد الجديد على الدولة التي ما لم تتم الآن فإنها سوف تدخل مرحلة أخرى من تفتيت اطراف التعاقد، ودخولهم جميعا في صراع مسلح ليس من أجل قيام دولة أخرى ذات صورة مفضلة، وإنما من أجل الاستحواذ على البقايا المادية للدولة العراقية السابقة. هذه البقايا سوف تتمثل في الأرض ومساحتها، ومع التداخل السكاني، فإن نقاط التماس والاختلاط سوف تكون حارة بكل المعاني المسلحة وغير المسلحة. كما أنها سوف تتمثل في الثروة النفطية ومنابعها حيث تتداخل الآبار واحتياطاتها، صحيح أن بعضا منها سوف يحترق خلال عملية فك التعاقد إلا أنها سوف تكون وقود الحرب العراقية الداخلية المحتملة.
من هنا فإنه لا يوجد خيار واسع في الحقيقة، لا أمام النخبة العراقية، ولا أمام دول الجوار العراقي، ولا أمام المجتمع الدولي؛ فإما انتخابات تقيم عقدا عراقيا جديدا، أو لا انتخابات على الإطلاق وتنهي نهاية تاما تعاقدا عراقيا قديما على إمكانية قيام دولة اسمها العراق. ومما يشجع على المغامرة بالخيار الانتخابي أن حالة الانفلات الأمني مؤثرة في ثلاث محافظات عراقية فقط، كما أن حالة المعارضة المسلحة السنية لم تتحول بعد إلى حالة شاملة من حروب العصابات، وهي حالة مبكرة من المعارضة التي ربما يمكن تعويضها في مراحل لاحقة. إنها السياسة، وهي لا تكون في كل الأوقات اختيارا بين ما هو الجيد والسيئ ، وإنما هي اختيار بين السيئ والأكثر سوءا!.