لا أدري لماذا يصر الأصدقاء في إيران على إحراج أصدقائهم، ولا أدري لماذا تخرج التصريحات المتشنجة من بعض الأطراف في إيران محدثة تلعثماً لكل من يطالب بضرورة أن تكون إيران جزءاً لا يتجزأ من منظومة المنطقة، أمنياً واقتصادياً وسياسيا؟
قبل أيام صرح مسؤول إيراني بأن إيران ستقاطع الألعاب الآسيوية المزمع تنظيمها في قطر عام 2006، والسبب كما يقول استخدام تسمية الخليج العربي بدلاً من الفارسي في أدبيات الدورة. وأنا شخصياً لا أرى ضرراً ولا ضرارا في أي من التسميتين، بل إنني لا أمانع في أن يتم استخدام الفارسي بدلاً من العربي، وصرحت -حين كنت مسؤولاً- بأن المشكلة ليست في التسمية، فالخليج في الواقع لا هو بعربي ولا هو بفارسي، بل هو أميركي في هذه المرحلة، وكان السبب في أمركة الخليج، هو التعنت والحمق والعبث واللغة السحيقة التي أبرزت كل عبارات القبح والعنصرية ضد إيران إبان عصر المخلوع صدام، فظهرت تسميات "الفرس المجوس" و"الأعاجم الغادرين"، وما على شاكلتها مما يعف اللسان والقلم عن ذكره من مخزي الكلمات، ومشين العبارات.
لكن الصدامية بعنصريتها ليست ماركة محتكرة، ففي إيران -مع الأسف الشديد- عناصر تنظر إلى العرب باحتقار، وتتعامل مع كل مسائل التفاهم بفوقية وتكبر لا مبرر لهما. إن دعوات الوسطية التي نادى بها الإمام الراحل الخميني بتسمية الخليج إسلامياً تلاشت مع هيمنة تيار متشدد في طهران هو خليط من الطائفية والعنصرية ممزوج بالأوهام والجهل والعيش خارج العصر. إن الممر المائي الذي يعبره السباحون في منافسات عالمية والواقع بين فرنسا وبريطانيا يسميه البريطانيون "القنال الإنجليزي" بينما يسميه الفرنسيون "المانش"، ولم تثر أي ضجة على أي من التسميتين، فقد تجاوز الجانبان الأسماء والكلمات إلى الفعل والقطارات، فربطا العاصمتين بنفق تمر عبره سيارات وقطار يربط بين باريس ولندن ليقلص زمن الوصول إلى ثلاث ساعات ..
لا تزال دعوات مجلس التعاون الخليجي بالحوار والتفاهم السلمي حول الجزر الإماراتية الثلاث التي احتلتها إيران الشاه عام 1971 تلقى صدوداً وصلفاً لا مبرر لهما، حيث إن إيران رفضت الحوار الثنائي مع الإمارات، ورفضت استقبال لجنة خليجية شكلتها القمة للتفاهم السلمي حول المسألة، ورفضت اللجوء إلى محكمة العدل الدولية لفض النزاع فضاً نهائياً، ولا تزال تصدر تصريحات عدائية كلما طالبها الطرف الخليجي بحل هذه المسألة حلاً سلمياً.
كما أن إيران رفضت المشاركة في المؤتمر الذي دعا إليه الأردن لدول الجوار العراقي وقاطعته. ومهما ساقت من مبررات لمقاطعته، فإنه لا يمكن أن يتجاهل أحد الدور الإيراني في تطورات الأحداث داخل العراق، بل لا يمكن لعاقل أن ينكر أن يكون لإيران دور مؤثر، فإيران جارة للعراق، وجارة لدول الخليج الست مجتمعة، وتجاهل دورها هو تجاهل للواقع ولموازين القوى الحقيقية، ولكن على إيران أن تدرك بأنها ليست صاحبة الأجندة الوحيدة في المنطقة، ومع اعتراف الجميع بأنها لاعب رئيسي إلا أنها ليست اللاعب الرئيسي الوحيد.
التقيت ضمن وفد أهلي كويتي وزير الخارجية كولن باول بعد يوم واحد من إلقاء الرئيس الأميركي جورج بوش خطاب "حالة الاتحاد" عام 2002 والذي سمى فيه إيران أحد محاور الشر إلى جانب عراق صدام وكوريا الشمالية، وسجلت اعتراضاً واختلافاً مع الرئيس الأميركي ضد اعتبار إيران محورا للشر أمام وزير الخارجية الأميركي، ولا أزال عند موقفي، ولا أزال أرى ضرورة أن يكون لإيران دورها البناء في منظومة دول المنطقة واستقرارها، ولكن إيران الحالية تفعل كل ما من شأنه تعزيز أصحاب نظرية الشر، لأنهم ينوون بها شراً، وتعمل بعض زوايا القرار الإيراني هذه الأيام على تسهيل مهمتهم.