قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

(I)
تساءلنا بالأمس: لماذا انقلبت امريكا خلال عقد واحد من امبراطورية رومانية عالمية منفتحة، الى امبراطورية محلية اغريقية منغلقة؟
الجواب يكمن في ثلاثة:
الاول: انهيار الاتحاد السوفييتي ومعه القطبية الثنائية، وبروز الولايات المتحدة كقطب عالمي وحيد. وكما هو معلوم، السلطة المطلقة تؤدي الى فساد مطلق.
والثاني: الانقلاب الكبير الذي حدث في الاقتصاد الامريكي وحوّله من قوة انتاج الى قوة استهلاك. من مركز صناعي كان ينتج نصف سلع العالم الحقيقية، الى مركز خدماتي يهيمن على معظم سلع العالم الوهمية (المال الالكتروني). وهذا ما قلب المعادلة رأساً على عقب: بدلاً من اعتماد العالم على أمريكا، باتت أمريكا معتمدة على العالم. انها أصبحت في حاجة للسيطرة عليه بالقوة العسكرية، بهدف التحكم بموارده الطبيعية، وضمان تدفق الاستثمارات الى نيويورك لتمويل الاستهلاك.
والثالث، الانقلاب الكبير الآخر في الايديولوجيا الأمريكية. فجنباً الى جنب مع صعود أصولية السوق الرأسمالية الاستهلاكية منذ عهد الرئيس ريغان، كانت تصعد أيضاً الأصولية المسيحية الأمريكية المتطرفة التي لعبت دورين مهمين في آن: الاول، خداع الطبقة الوسطى الامريكية بأوهام الآخرة (أبوكاليبس) لتمرير ضرب مكاسبها الاجتماعية في الدنيا. والثاني، اضفاء صبغة “إلهية” على غزوات الامبراطورية في الخارج.
وهكذا، وبرغم الخسائر البشرية والمادية الأمريكية الفادحة في حرب العراق، أعيد انتخاب جورج بوش رئيساً، لأن عشرات ملايين المسيحيين قبلوا التفسيرات بأن هذه الحرب كانت “قراراً إلهياً”، “هدفه تقريب موعد المعركة النهائية الفاصلة على تلال القدس بين الخير والشر”.
وبالطبع، حين تكون الامبراطورية الأمريكية مسيحية بروتستانتية، لا تستطيع المحميات الكاثوليكية الأوروبية والاورثوذكسية الروسية والبوذية الآسيوية والإسلامية الشرقية، العثور على موطئ قدم لها في بلاطها.

(II)
هذا عن أسباب تحول امريكا الى امبراطورية اغريقية مغلقة. ماذا الآن عن أبعاد هذا التحول؟
أول ما يتبادر الى الذهن هنا هي أنها ستكون امبراطورية فاشلة. شعوب العالم سترفضها، والأمم الكبرى ستقاومها. ولأنها معتمدة على العالم في “معيشتها”، ستكون حصيلة هذا الرفض وتلك المقاومة نهاية الامبراطورية نفسها.
لا بل أكثر: يقول الكاتب الامريكي مايكل مان بأن امريكا لا تصلح أصلاً لأن تكون روما العصور الحديثة لأسباب داخلية امريكية أساساً.
يقول، في كتابه “امبراطورية غير متماسكة”، الذي يحقق الآن أوسع المبيعات في الولايات المتحدة، إنّ “المشروع الامبراطوري يعتمد على المبالغة في تقدير فائض النفوذ الأمريكي”، وإنّ استحواذ الولايات المتحدة على عضلات عسكرية مخيفة، لا يخفي ضعف قدراتها الاقتصادية والسياسية.
ومن شأن هذا الخلل في التوازن أن يدفع واشنطن الى التشديد المفرط على استخدام القوة العسكرية، بحيث يتحول السعي الحثيث الى انشاء الامبراطورية، الى ثقة مرَضِية بالنفس، وإلى نمط من العسكرتاريا الناشطة في كل الأمكنة.
هذا الخلل، على وجه التحديد، هو ما يطلق عليه المؤلف “الامبراطورية غير المتماسكة” التي قد تتسبب بفرط الزعامة الأمريكية في العالم، وبفبركة المزيد من الجماعات الارهابية والدول المشردة الخارجة على القانون الدولي.
ويشدد مان، وهو رائد في الأبحاث السوسيولوجية، على ان الشعب الامريكي غير مؤهل لخوض معركة كهذه. فهو أقرب الى الارتداد الى عزلته التاريخية حين تحاصره الأزمات.
وهو يحدد أربعة أصناف من نوازع القوة الكامنة وراء صعود وأفول الدول والأمم والامبراطوريات والمناطق الاقليمية والحضارات، وهي: الدافع العسكري، الدافع السياسي، الوفرة الاقتصادية، والقوة العقائدية.
ولدى توظيفه هذه العوامل في سيرورة الولايات المتحدة، يخلص الى نتيجة تفيد بأنّ هذه الامبراطورية المقترحة تقوم على مارد عسكري وقاطرة اقتصادية ضعيفة البنية، وانفصام في الشخصية السياسية، وهشاشة في البناء الايديولوجي.
ويخلص الى أنّ أيّ امبراطورية تبنى على الهيمنة العسكرية وحدها، لن يكتب لها النجاح أو البقاء. إذ إنّ نموذجا لممارسة السلطة كهذا، لا ينطوي إلاّ على توحش أمريكي على مستوى العالم، مهمته لجم المشكلات القائمة والمستجدة، لقاء انصياع سائر البلدان والدول للنفوذ الأمريكي.
المعادلة التي تفرضها واشنطن، لا يمكن أن تستمر - حسب رأي الكاتب - إذ إنّ للولايات المتحدة مشكلات كثيرة مع العالم، بحيث يتعذر عليها فرض هذا النظام من دون الدخول في مساومات وترتيبات معقدة مع الدول التي تسعى الى جرها الى هذه المعادلة.
فالتهديد العسكري الذي تلوّح به واشنطن، يزيد في حجم الممانعة والمقاومة التي تلوح بها الدول من جانب آخر. والنتيجة المتوقعة، هي أنّه كلما أمعنت الولايات المتحدة في استخدام نفوذها العسكري، تعرّض هذا الأخير للنقصان والتهميش والتضاؤل.

(III)
انتهى كلام مايكل مان.
لكن الكلام عن المصير الامبراطوري لم ينته. ولا يتوقع له ان ينتهي في وقت قريب.
فأثينا العصر الحديث تحتاج الى اكثر من الهزائم في العراق، والتعثر في أفغانستان، والفوضى في النظام الدولي، كي تبدأ النظر في المرآة لتكتشف صورة ضعفها الحقيقية. تحتاج الى هزة كبيرة في الاقتصاد العالمي، وبالتالي في اقتصادها الداخلي، لتبدأ مسيرة الافاقة من الحلم الامبراطوري (الاثيني).
المحلل الأمريكي جيم هوغلاند توقع قبل أيام وقوع هذه الهزة قريباً.
واذا ما حدث ذلك، والأغلب انه سيحصل، فقد ينقلب دور الفيالق الامبراطورية العسكرية الامريكية من انقاذ ضحايا التسونامي الخارجي الآسيوي، الى انقاذ المركز الامبراطوري ذاته من “تسوناميات” الداخل الأمريكي.