قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

القاهرة - أمينة خيري:جلس باسم على كرسيه، في محور استراتيجي من محاور شارع القصر العيني وسط القاهرة، متظللا بشجرة ضخمة تمثل أيضاً ساتراً من الاعين المتلصصة أثناء ابرام الصفقات.

لكن كلمة «صفقات» هذه باتت تثير باسم. فقد مضى هذا العصر الذهبي، وانقضت أيامه منذ ما يقرب من اسبوع. تجمع حول عدد من «صبيانه» منهم من يواسيه، ومنهم من نهشه القلق حول المستقبل.

امسك باسم بورقة مالية من فئة مئة دولار ونظر إليها بحسرة وقال: «فعلاً، ما طار طير وارتفع، إلا وكما طار وقع». وتضامن الصبيان معه بالترحم على أيام كان «كبار البلد» يهاتفونهم طالبين شراء بضعة آلاف او مئات من الدولارات بأي سعر.

إنهم «صبيان» لكن شيوخ. وكان عملهم همزات وصل بين العملاء وصاحب العمل أي باسم. صحيح أن سير العمل اليومي كان محفوفاً بالمخاطر، لكن المقابل كان أكثر من مجزٍ.

وحين رأى أحد الصبيان الدموع تترقرق من عيني باسم، جامله صائحاً: «حكومة ايه دي؟ أول ما يلاقوا الناس بدأت تسترزق يغلقون ابواب الرزق امامهم. هكذا ومن دون سابق إنذار ولا تعطيهم فرصة لتوفيق اوضاعهم؟».

وقد تبدو عبارة «توفيق الاوضاع» غريبة بعض الشيء على تاجر عملة مقر عمله الشارع، ومهنته مدرجة تحت بند الاعمال غير المشروعة. إلا أنها منطقية في ظل هستيريا الدولار في المجتمع المصري خلال نصف العقد الماضي، هذه الورقة الخضراء التي ظهرت عليها بوادر الجنون بقفزتها غير المحسوبة الاولى العام 2003 حين قفز سعر الدولار من 340 قرشاً الى نحو الضعف في غضون عام تقريباً، واستمرت هذه الشطحات والنطحات.

وتحول وقتها الدولار من مجرد عملة اجنبية يطلقون عليها في مصر «عملات صعبة» الى محور من محاور حياة المصريين، إن لم يكن بالفعل فبالقول، وتركزت احاديث البسطاء في الامسيات حول تحليل اسباب جنوح الدولار، فمنهم من أكد أنها مؤامرة صهيونية لتقويض الاقتصاد المصري، أو أجزم بأنه غضب السماء جراء افعال المسلمين، أو أشاروا الى ضلوع رجال الاعمال المتعثرين الذين هربوا بأموال البنوك الى الخارج، والنتيجة التي توصل اليها الجميع هي أن «الدُرر» جُن.

ورغم تأكيدات الحكومة وقتها بأن ارتفاع سعر الدولار مفتعل، أو أن تعويم الجنيه كان ضرورياً أو غير ذلك، إلا ان المصريين لم يلتفتوا كثيراً الى التفسيرات الرسمية باعتبارها «كلام جرائد» لا يسمن ولا يغني من جوع.

لكن إطلالة العام الجديد جاءت بما لم يكن في الحسبان، بدأ الدولار ينخفض وسط ذهول الجميع. وكما ارتفع الدولار قبل سنوات من دون اسباب منطقية فاتحاً الباب امام تجار السيارات، والمواد الغذائية، والطماطم، والفول المدمس لرفع اسعار بضائعهم بصفة دورية متحججين بتنامي قوة الدولار أمام الجنيه المصري، فإنه انخفض - نسبياً - من دون ابداء اسباب ايضاً. لكن اسعار السلع آخذة في الارتفاع بحجة أن أغلبها سلع مصرية ولا علاقة لها بالدولار.

اما باسم فهو جالس على مقعده الاستراتيجي على مرمى حجر من مجلس الشعب (البرلمان) المصري وعلى بعد امتار من وزارة المال عله يكون أول السامعين لاخبار تفرحه عن استرداد الدولار جبروته، أو قرارات تحرنه عن تثبيت سعر الصرف.

وحتى اشعار آخر، لن يتتبع باسم السياح في وسط القاهرة قائلاً «شينج دُرر» كما كان سائداً في السبعينات، وقت كان الدولار بـ75 قرشاً ولن ينتظر مكالمات «القطط السمان» على هاتفه المحمول طالبين «الاخضر» كما كان يفعل قبل ايام، لكنه قد يبدأ في البحث عن عمل، وإن كان ينتقص من قدره كـ«خبير مصرفي» سابقاً.