بيروت من مصطفى ياسين: رأى رئيس الحكومة اللبنانية السابق سليم الحص «ان الوحدة الوطنية التي تعادل وجود لبنان مهدَّدة في الصميم ما يعني ان البلد مهدد في وجوده»، لافتاً الى «ان الانقسام الحاصل في البلاد بحجم الازمة الوطنية، وان لبنان مهدد بأخطار اقليمية نتيجة ما يجري على ارض فلسطين والعراق حيث تبرز محاولات لإحداث فتنة عنصرية ومذهبية، سيؤدي اشتعالها الى نتائج مدمرة على مستوى المنطقة برمتها».
واذ شدد على «ان الاولوية المطلقة في هذه المرحلة يجب ان تكون لبعث وتحصين الوحدة الوطنية»، اكد «ان الطريق الى ذلك يكون بتفعيل الديموقراطية الكفيلة حل كل مشاكلنا وقضايانا»، لافتاً الى انه لا يمانع في اطلاق سراح قائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع وعودة القائد السابق للجيش العماد ميشال عون «اذا كان ذلك يسهل استعادة الوحدة الوطنية».
واعتبر «ان تصدع الوحدة الوطنية مرده الى جملة عوامل اهمها عدم تطبيق اتفاق الطائف على صعيد عدم اكتمال اعادة انتشار القوات السورية الى البقاع وعدم تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية»، مشيراً الى «انه لو اجتمع المجلس الاعلى اللبناني ـ السوري سنوياً واجتمعت هيئة التنسيق العليا شهرياً لما كانت هناك مشكلات بين البلدين، ولا جاءت الاجهزة الامنية والاستخباراتية لملء الفراغ».
ورفض الحص الدعوة الى تبادل سفراء بين لبنان وسورية، مشيراً الى «ان العلاقات اكبر بكثير من ان تكون ديبلوماسية»، ومشيراً الى «ان مشكلة العلاقة غير مستعصية وهي يسيرة الحل ان توافرت الارادة على صعيد القيادتين اللبنانية والسورية».
واكد «ان دعوة بعض المعارضة الى انسحاب سوري كامل، امر مخالف لاتفاق الطائف، الذي قال بإعادة الانتشار وليس بالانسحاب بسبب الصراع العربي ـ الاسرائيلي»، لافتاً الى انه «ما دامت هناك حال حرب مع اسرائيل فإن سورية مهدَّدة بهجوم اسرائيلي، واذا كانت اسرائيل تريد ان تهاجم براً، فأقصر طريق هي طريق الجنوب ـ البقاع, وتالياً ما دامت حالة الحرب مع اسرائيل قائمة، فستكون هناك إعادة تمركز للقوات السورية في البقاع».
وأوضح ان دعوته الى تشكيل «قوة ثالثة» جاءت بعدما «انقسمت الطبقة السياسية الى فريقين كل واحد يقبع في خندقه ويرشق الآخر ولا تواصل بينهما ولا محاولات جدية لرأب الصدع»، مشيراً الى «انه يعتمد في هذه القوة على المجتمع المدني من دون استبعاد السياسيين في المطلق».
واكد انه لا يختلف مع الزعيم الدرزي النائب وليد جنبلاط في الموقف وانما في النبرة واللهجة وربما المنطلق، لافتاً الى «ان جنبلاط يعترض على القرار 1559، وقال ذلك في فرنسا بعد لقائه الرئيس جاك شيراك، حيث اشار الى انه مع الوجود السوري في البقاع حسب الطائف، وهذا خلافاً لما ورد في الـ 1559، كما اعلن انه مع احتضان المقاومة ما دامت هناك ارض محتلة، وانه ليس مع ارسال الجيش الى الجنوب، وهو بالتالي ضد القرار 1559 ولو انه لم يلفظ يومها كلمة ضد», اضاف: «جنبلاط يطالب ايضاً بوقف اي تدخل من الاجهزة الامنية اللبنانية والسورية في قضايا لا تتعلق بالشأن العسكري وأنا قبله في ذلك, فأنا اعترض على تدخل العسكر في الشؤون المدنية او السياسية», تابع: «اذاً انا أختلف مع جنبلاط في اللهجة والنبرة وربما المنطلق, ففي اللهجة والنبرة لست استفزازياً، وانا اطالب سورية من موقع الصديق والمحب ومن الموقع القومي العربي، اذ ان طريق العروبة في لبنان تمر حكماً في دمشق ويجب ان تكون العلاقة مميزة معها».
ولفت الى مجموعة اشارات حصلت اخيراً وتبشر بالخير في ما يتعلق بالتعاطي مع الملف اللبناني، مثل «ارسال سورية السفير وليد المعلّم الى وزارة الخارجية و(رئيس جهاز الامن والاستطلاع في القوات السورية العاملة في لبنان) العميد الركن رستم غزالة للرئيس رفيق الحريري الذي انتقل فوراً الى منزل جنبلاط وكأنه ينقل رسالة، اضافة الى اللقاء الذي حصل بين (الامين العام لـ «حزب الله») السيد حسن نصر الله ووفد من «لقاء قرنة شهوان» والمفاوضات التي أجراها موفد عون في دمشق»، لافتاً الى «انه ليس مصادفة ان تحصل كل هذه الامور مع بعضها البعض وكأن الجميع أدركوا ان مصير البلد على المحك».
ورأى انه «لم تظهر حتى الآن بوادر تبشر بأن العهد قادر على انجاز الاصلاحات الداخلية في الفترة الممدَّدة له، وان الحكومة لم تكن موفقة في الكثير من الإجراءات التي اتخذتها ولا سيما التعيينات»، معتبراً «انه ليس بهذه الطريقة يكون الاصلاح، والمطلوب من الحكومة إصدار قانون انتخاب صالح وإدارة العملية الانتخابية في شكل نزيه ومجرد».
وبعدما اكد الحص انه ضد المطالبة بتصحيح الخطأ الناجم عن التمديد للرئيس اميل لحود «لان هذا يعني إقحام البلاد في أهوال»، رأى «ان مطالبة المعارضة بتغيير الحكومة من اجل الاستحقاق النيابي امر ايجابي على مستويين، اولهما انه يعني صرف النظر عن المطالبة بتصحيح خطأ التمديد والثاني استعدادها للمشاركة في حكومة جديدة»، داعياً الى الانفتاح على المعارضة.
واعتبر «ان بيان لقاء البريستول فارغ وخال من المضمون ولا يتضمن موقفاً من القضايا الاساسية».
وأيد «خفض سن الاقتراع الى 18 عاماً واعتماد القاعدة النسبية على اساس المحافظة دائرة انتخابية»، رافضاً اعتماد القضاء وتقسيم بيروت وكل المحافظات «لان ذلك سيؤدي الى نفور اللون الطائفي المذهبي»، ومشيراً الى «انه ليس بهذه الطريقة نكافح قضية لبنان الاولى وهي الطائفية».
وشهد الحص «أن الرئيس لحود طاهر من الطائفية وانه رجل نزيه ولكن ذلك لا ينطبق على كثير من المحيطين به»، لافتاً الى انه ليس هناك اتصال بينه وبين كل من الرئيس لحود ورئيس الحكومة عمر كرامي «الذي له (كرامي) رأيه ولي رأيي».
مواقف الحص جاءت في حديث الى «الرأي العام» في ما يأتي نصه:

من يتابع مواقفك يلاحظ انك تستشعر خطراً كبيراً يتهدد لبنان والمنطقة؟
ـ انا من الذين يشكون ان الساحة السياسية انزلقت الى حال من الخندقة, انقسم السياسيون فريقين، كل يقبع في خندق ويرشق الآخر، وليس هناك محاولات جدية لرأب الصدع, الوحطة الوطنية في لبنان مهددة في الصميم، وأعتبر ان الوحدة الوطنية تعادل وجود لبنان، فلا معنى للبنان من دون وحدة وطنية، اذاً لبنان مهدد في وجوده، والانقسام الحاصل في لبنان هو في حجم الازمة الوطنية، ولا أعتبره ازمة سياسية عابرة، وتاريخنا الحديث من العام 1943 حافل بمسلسل من الازمات الوطنية، وهذا آخره.
ونحن مهددون ايضاً بأخطار اقليمية نتيجة ما يجري على ارض فلسطين، وما يجري على ارض العراق, فثمة محاولات لإشعال فتنة عنصرية ومذهبية في العراق, ولا ابريء اجهزة المخابرات الخارجية من هذه المحاولات، اذ لها مصلحة في اشعال الفتنة، لصرف انظار العراقيين عن همّ الاحتلال.
واذا اشتعلت الفتنة لا سمح الله فستكون مدمرة ليس فقط للعراق وقضيته الوطنية والقومية وانما ايضاً للمنطقة برمتها، ولن تسلم منها ايران ولا تركيا ولا سورية ولا المملكة العربية السعودية ولا الكويت ولا البحرين, واذا اشتعل الحزام المحيط بالعراق فهل يسلم لبنان او الاردن او مصر او اي بلد عربي آخر؟ لن يسلم, وستكون من ضحاياه اساساً العروبة، اذ تنتهي فكرة العروبة.
تعقد غداً مؤتمراً صحافياً لإطلاق دعوة الى «قوة ثالثة» في لبنان من هي هذه القوة وما الهدف منها؟
ـ بسبب الاخطار التي تحدق بلبنان من جراء التطورات الاقليمية، نحن في اشد الحاجة الى تحصين وحدتنا الوطنية التي تعتبر درعنا في مواجهة هذه التحديات الخطيرة, وسبق ان اعلنت في نداءين متتاليين، احدهما موجه الى اخوة لي في الوطن والآخر بعد ايام الى قادة الرأي في لبنان وسورية، وفي كلتا الحالتين كنت اخاطب المواطن اللبناني، وقلت فيهما ان هذه الاخطار التي تحدق بنا تحفزنا على ان نعيد النظر في اولوياتنا, وبهذا المعنى ارى ان اولوياتنا المطلقة في هذه المرحلة يجب ان تتمحور حول بعث وتحصين الوحدة الوطنية, فلنتفق على مقومات تحصينها ولنختلف على كل شي آخر, يختلف اللبنانيون حول مواضيع كثيرة لا بأس, اذ ليس في العالم ديموقراطية ليس فيها خلافات يومية, التباين امر طبيعي في اي ديموقراطية ولكن الآلية الديموقراطية هي الكفيلة بحل كل المشاكل والقضايا, لا احد يسمح في اي ديموقراطية من ديموقراطيات العالم الاكثر تقدماً ـ اميركا، بريطانيا، فرنسا، المانيا، اليابان ـ بوجود ازمات وطنية, ومتى كانت آخر ازمة وطنية في اي من هذه البلدان؟ هناك مشاكل وقضايا كلها ُتحل عبر الآليات الديموقراطية.
وكوننا في لبنان نواجه اليوم ازمة وطنية، فهذا دليل ساطع على اننا نفتقر الى الديموقراطية الصحيحة, وانا صاحب القول «ان في لبنان الكثير من الحرية والقليل من الديموقراطية»، ولا توجد ديموقراطية في لبنان, اذن هذه هي مشكلتنا, فلنتفق نحن اللبنانيين على تفعيل الديموقراطية وصولاً الى الوحدة الوطنية, فليكن اتفاقنا على شيء واحد فقط هو الديموقراطية، ولنحصن وحدتنا الوطنية باتفاقنا على الديموقراطية, فإذا توصلنا اليها نضمن ان كل مشاكلنا وقضايانا ُتحل عبرها من دون ان تبلغ حدود تفجير ازمات وطنية.
ومن باب التفاصيل، قد يقال ان فريقاً يطالب بالإفراج عن (قائد القوات اللبنانية المسجون سمير) جعجع, جعجع مدان من القضاء مرتين بجريمتين موصوفتين, فهو بهذا المعنى مجرم، ولكن هل نسمح بأن تكون قضية مجرم اياً يكن مبرراً لتصديع الوحدة الوطنية وتهديد وحدة لبنان ووجوده؟ هذا لا يجوز, انا اقدّم الوحدة الوطنية على اي شيء آخر، واذا كان اطلاق جعجع يسهل استعادة الوحدة الوطنية فلا مانع لدي من الافراج عنه، كذلك الامر بالنسبة الى عودة العماد ميشال عون، اذ لا يجوز ايضاً ان تكون قضية عون حائلاً دون تحصين الوحدة الوطنية في لبنان.
ما الذي ادى الى تصديع الوحدة الوطنية في هذه المرحلة؟
ـ هناك جملة امور صدعت الوحدة الوطنية اليوم وأهمها عدم اكتمال تطبيق اتفاق الطائف على غير صعيد, اولاً على مستوى عدم اكتمال إعادة انتشار القوات العربية السورية الى البقاع, ونص الطائف ايضاً انه عند التوقيع على اتفاق بين البلدين الشقيقين واستكمال إعادة الانتشار، يتم توقيع اتفاق ينص على ثلاثة امور، وهي:
تحديد حجم القوة السورية الباقية في البقاع وطبيعة علاقتها مع مؤسسات الدولة في تلك المنطقة ومدة بقائها التي يمكن ان تكون قابلة للتجديد باتفاق الدولتين ما دام الصراع العربي ـ الاسرائيلي مستمراً.
هناك نص في اتفاق الطائف، ترجم تعديلاً في المادة 95 من الدستور، يدعو الى العمل منهجياً على تجاوز الحالة الطائفية في البلاد، بدءاً بتشكيل هيئة وطنية عليا, ولم يُشرع حتى في تشكيل هذه الهيئة التي كان يجب ان تتشكل العام 1992 عندما انتُخب اول مجلس نيابي على اساس المناصفة بين المسلمين والمسيحين.
كانت هناك معاهدة بين لبنان وسورية لم تنفذ كما يجب, وأهم بند فيها هو البند الذي قضى بإنشاء مجلس أعلى، ونص آخر قضى بإنشاء هيئة تنسيق عليا, المجلس الاعلى يشكَّل من الرؤساء الثلاثة في البلدين، وهيئة التنسيق العليا تتشكل من رئيسي مجلس الوزراء في البلدين ومعهما الوزراء المختصون, لو كان مثلاً المجلس الاعلى يجتمع مرة في السنة وهيئة التنسيق العليا تجتمع مرة كل شهر، ولا شيء يمنع، لما كانت هناك مشكلات بين لبنان وسورية, وهناك من يدعو الى استحداث تمثيل ديبلوماسي بين سورية ولبنان، فأنا لا اتقبل هذا الاقتراح.
لماذا؟
ـ بين سورية ولبنان علاقات اكبر بكثير من ان تكون ديبلوماسية، ولو طُبقت المعاهدة كما يجب وحصل اتفاق بين البلدين على ان تجتمع هيئة التنسيق العليا بين رئيسي الوزراء في البلدين والوزراء المختصين، ووزراء الخارجية والداخلية والدفاع والاقتصاد ,, مرة كل شهر، لما كانت هناك حاجة الى علاقات ديبلوماسية.
غياب العلاقات الديبلوماسية وعدم تنفيذ ما نصت عليه المعاهدة لجهة استحداث آليات للتواصل بين البلدين، ادى الى مجيء الاستخبارات والاجهزة الامنية لتملأ هذا الفراغ.
ولو نفذت كل هذه الامور مضافة اليها إجراءات تؤدي الى تفعيل العملية الديموقراطية، بدءاً بقانون انتخابي صالح كمدخل، واذا اتفقنا نحن اللبنانيين على كل الامور نستطيع ان نستعيد وحدتنا الوطنية ونواجه بها الاخطار الداخلية والخارجية.
نداؤك الاخير الى اصحاب الرأي في لبنان وسورية، قوبل بإيجابية من الرئيس السوري بشار الاسد، برأيك ما المطلوب لترجمة هذه الايجابية على الارض؟
ـ انا لم أوجه النداء الى الرئيس الاسد شخصياً وانما الى قادة الرأي في لبنان وسورية، وطبعاً الرؤساء هم من قادة الرأي, الرئيس الاسد تكرم وردّ علي مباشرة على وجه ايجابي، وكان متفهماً لما طرحت وكان مشجعاً، وانا اشكره على ذلك وأستبشر بذلك خيراً، وأرجو ان يتابَع هذا الموضوع على الصعيد السوري مع اللبنانيين للوصول الى الاهداف المنشودة، واعتقد ان المشكلة غير مستعصية وهي يسيرة الحل ان توافرت الارادة على صعيد القيادة اللبنانية وعلى رأسها الرئيس اميل لحود والقيادة السورية وعلى رأسها الرئيس بشار الاسد.
ان يصل الامر بالرئيس سليم الحص، المعروف بمواقفه القومية وبعلاقاته الجيدة مع سورية الى حد المطالبة بإعادة انتشار الجيش السوري وفقاً لاتفاق الطائف ووقف تدخل المخابرات بالشؤون اللبنانية، يعني ان الامور وصلت الى حد الخطر؟
ـ قلت ان لبنان يعاني ازمة وطنية حادة تهدد وحدته الوطنية وبالتالي وجوده، وهو يشكو شرخاً وطنياً عميقاً, الطبقة السياسية برمتها انقسمت فريقين، كل فريق قابع في خندق ولا تواصل بينهما، وهذا خطير جداً، ويجب ان نصل الى صيغة ما, من هنا دعوتي الى قوة ثالثة وأقول للفريقين لا انت ولا ذاك.
إذن لمن تتوجه؟ ومن سيكون في عداد هذه القوة الثالثة؟
ـ بداية لا استبعد السياسيين بالمطلق وأقول في ندائي اهلاً وسهلاً وأرحّب بأي جهة سياسية تلتزم ما نطرحه او تجارينا بما نطرح، ولكن اعتمادي ليس عليهم، ولا نستطيع اليوم ان نجتذب قوى حقيقية من الساحة السياسية إزاء طرح من هذا النوع، لذلك اخاطب المجتمع المدني برمته، اي نقابة الصحافة، نقابة المحررين، النقابات المهنية: اطباء، محامين، مهندسين، رؤساء جمعيات المجتمع الاهلي الكبرى، هؤلاء لا يمكن تجاهل رأيهم.
برز تقاطع في الآراء بينك وبين جنبلاط، لا سيما في ما خص القرار 1559 وتدخل المخابرات السورية؟
ـ اشعر بأنني لا اختلف حقيقة مع جنبلاط في الموقف بقدر ما اختلف معه في النبرة واللهجة وربما المنطلق, وليد جنبلاط يعترض على القرار 1559، وقال ذلك في فرنسا بعد لقائه الرئيس الفرنسي جاك شيراك، حيث اشار الى انه مع الوجود السوري في البقاع بحسب الطائف، وهذا خلافاً لما ورد في القرار 1559، كما اعلن انه مع احتضان المقاومة ما دامت هناك ارض محتلة، وانه ليس مع ارسال الجيش الى الجنوب, وهو بالتالي ضد القرار 1559 ولو انه لم يلفظ يومها كلمة ضد, وانا ادليت بتصريح قلت فيه اعطوا الرجل حقه, وما يقوله يؤدي الى الاعتراض على القرار 1559، وليد جنبلاط يطالب ايضاً بوقف اي تدخل من جانب الاجهزة الامنية اللبنانية والسورية في قضايا لا تتعلق بالشأن العسكري وانا قبله في ذلك, ومن يراجع كتابي الذي نشرته عام 2000 عن تجربتي في الحكم في رئاسة الحكومة بين العامين 1998 و2000، فيه فصل كامل عن هذا الموضوع, وأنا اعترض على تدخل العسكر في الشؤون المدنية او السياسية, وانا اختلف مع جنبلاط في اللهجة والنبرة وربما المنطلق, في اللهجة والنبرة انا لست استفزازياً، وأطالب سورية من موقع الصديق والمحب ومن موقع القومي العربي، انا مؤمن بقوميتي العربية, وقَدَر لبنان ان تكون له علاقة مميزة مع سورية، واكثرمن ذلك عروبة لبنان كانت موضع جدل قبل الطائف، وفي الطائف وبعده حُسمت، فالطائف قال لبنان عربي الانتماء والهوية، واذا سلمنا بعروبة لبنان، فإن طريق العروبة في لبنان تمر في دمشق، وعبثاً محاولة القفز فوق دمشق الى بغداد او القاهرة او الرياض او عمان, حصلت محاولات في الماضي للقفز فوق سورية وكانت هناك ازمات وطنية شديدة عانينا منها, اذا سلمنا بعروبة لبنان يجب ان تكون هناك علاقة مميزة مع سورية وطريق العروبة تمر بالضرورة في دمشق، وهذا لا يعني ان العروبة تقتصر على دمشق، العروبة هي من اقصى المغرب الى اقصى المشرق.
انا انطلق من موقع ودّي ولهجتي ليست استفزازية، بالعكس تفهَّمني الرئيس بشار الاسد وتجاوب مع ما طلبت، لان حيثيات النداء الذي وجهته الى قادة الرأي في لبنان وسورية طويلة جداً وكلها قومية.
توحي سورية انها بدأت تتعاطى بطريقة مختلفة مع الملف اللبناني، وبرز ذلك من خلال تكليف المعلّم متابعته، فهل هذه بداية استجابة لندائك؟
ـ مرّ يوم الاسبوع الماضي استبشرنا فيه خيراً اذ حصلت خلاله اكثر من مبادرة, سورية ارسلت السفير المعلّم الى وزارة الخارجية, والعميد الركن رستم غزالة للقاء الرئيس رفيق الحريري الذي انتقل فوراً الى منزل النائب وليد جنبلاط وكأنه ينقل رسالة، وفي نفس اليوم كان هناك وفد من «لقاء قرنة شهوان» عند (الامين العام لـ «حزب الله») السيد حسن نصر الله، وكان ممثل العماد عون في اميركا، يفاوض ويحاور في سورية، وليس صدفة ان تحصل كل هذه الامور مع بعضها البعض وكأن الجميع ادرك انه تجاوز الخط الاحمر بالنسبة الى مصير البلد.
هل ستترجَم هذه التحركات خطوات على الارض، مثل حصول انسحاب سوري، ولماذا لا تقدم سورية على مثل هذه الخطوة؟
ـ لا شيء يمنع اعادة الانتشار, ولكن مسألة الانسحاب كما يطرح بعض المعارضة الذي يدعو الى انسحاب كامل، مخالف لاتفاق الطائف الذي قال بإعادة الانتشار وليس بالانسحاب بسبب الصراع العربي ـ الاسرائيلي، سورية مهددة بهجوم اسرائيل ما دامت هناك حال حرب معها، اذا كانت اسرائيل تريد ان تهاجم براً، فأقصر طريق هي طريق الجنوب ـ البقاع، ونحن نعرف اننا لا نستطيع ان نصد هجوماً اسرائيلياً، وسورية تصده في البقاع, وما دامت هناك حالة حرب مع اسرائيل، سيكون هناك اعادة تمركز للقوات السورية في البقاع.
هذا الانقسام الوطني تفاقم اثر التمديد للرئيس اميل لحود، الذي حصل تحت مبرر انجاز الاصلاحات السياسية الداخلية التي لم يستطع تحقيقها في ولايته الدستورية, فهل يمكن ان تتحقق هذه الاصلاحات في الولاية الممددة؟
ـ لم تظهر بوادر تبشر بذلك حتى اليوم, الحكومة الحالية لم تكن موفقة في الكثير من الاجراءات التي اتخذتها ولا سيما التعيينات التي تقررت, ليس بهذه الطريقة يكون الاصلاح، وهذا ليس اصلاحاً في الحقيقة، لم يكن في امكان هذه الحكومة إجراء اصلاحات ملموسة، في عمرها القصير جداً، وكأن مكتوب لها ان لا يكون لها انجازات كبيرة، الانجاز الاكبر الذي يمكن ان تقوم به هو قانون انتخاب صالح وإدارة العملية الانتخابية بشكل نزيه ومجرد، هذا هو الانجاز، وكل ما عدا ذلك هو الحد من الخسائر، ولكن الأداء حتى اليوم ليس مشجعاً.
اما بالنسبة الى التمديد، فكان لي موقف معارض له، على اساس انه لا يجوز تعديل الدستور لحالة خاصة، يجب تعديل الدستور من اجل تحقيق اصلاحات سياسية ديموقراطية دستورية، اما وقد حصل التمديد فأنا ضد الذين يقولون بأنه يجب تصحيح هذا الخطأ, علماً انه لم يتم تصحيح هذا الخطأ يوم التمديد للرئيس الياس الهراوي وهم انفسهم صوّتوا عليه، لماذا لم يصححوا الخطأ؟ ثم ان تصحيح الخطأ يعني اقحام البلاد في أهوال.
المعارضة تجاوزت مسألة المطالبة بتصحيح خطأ التمديد، فلماذا لا تقابلها السلطة بفتح حوار معها؟
ـ يجب ان يكون هناك حوار، وانا قلت اكثر من ذلك، قلت ان مطالبة المعارضة بتغيير الحكومة من اجل الاستحقاق النيابي، امر ايجابي على وجهين ـ مع العلم انني لست مع ترحيل الحكومة وأعتقد انها تستطيع ان تجري انتخابات ـ الوجه الاول يعني ان المعارضة صرفت النظر عن المطالبة بتصحيح الخطأ الناجم عن التمديد للرئيس لحود، وهي تطلب رأس الحكومة، وهذا امر طبيعي في كل ديموقراطيات العالم, اي ان المعارضة تخلت عن مطلب اخطر، وهو تغيير رئيس الجمهورية.
والوجه الأخير الايجابي وهو انه عندما تطالب المعارضة بتغيير الحكومة من اجل الاستحقاق الانتخابي، فهذا معناه ضمناً انها مستعدة للمشاركة في حكومة جديدة، وهذا اعلان بإنهاء المقاطعة، وهذا ايجابي جداً ويجب الانفتاح عليها.
لماذا لا يحصل حوار بين ندوة العمل الوطني التي تترأسها و«قرنة شهوان» مثلاً؟
ـ نحن نرحّب بذلك, وأخيراً جاءنا وفد من التيار العوني، وحاورناهم لمدة ساعتين، والذي يفتح علينا نفتح عليه, قرأت حديثاً للنائب نسيب لحود في جريدة «السفير» اتصلت به وهنأته عليه وقلت له انني أوافقك على كل كلمة قلتها, وهو من قرنة شهوان، ولم ينقطع عني زميلي في جبهة الاصلاح الوطني النائب بطرس حرب, وانا مستعد للحوار.
لماذا قسمت جبهة الاصلاح على هذا النحو، اثنان في السلطة، واثنان في المعارضة واثنان على الحياد؟
ـ الجبهة انتهت ولم تعد موجودة.
اعتبرتَ ان البيان الذي صدر عن «لقاء البريستول» يمثل وجهة نظر 90 في المئة من اللبنانيين؟
ـ صحيح قلت ذلك، لكن يجب قراءة البيان كاملاً, الناس تنحو الى الاختصار, تختصر كل البيان بكلمة، على طريقة لا إله, انا قلت لا إله إلا الله, قلت 90 في المئة من الناس لا يعترضون على 90 في المئة مما جاء في البيان، ولكن ايضاً (قلت) ان ليس فيه جديد, بيان البريستول كان فارغاً, عيّشوا البلد منذ صدور القرار 1559 ان هذا القرار الدولي هو القضية، وأركان المعارضة الذين اجتمعوا في لقاء البريستول لم يأتوا في بيانهم الختامي على ذكر هذا القرار بكلمة واحدة، لا بل يقولون اختلفنا على الطرح المتعلق بالانسحاب السوري وعلى المطالبة بنزع سلاح المقاومة وعلى ارسال الجيش الى الجنوب, اذن اين هو الموقف, واذا «عصرْتَ» وثيقة البريستول يكون الموقف ما يلي: المطالبة بتغيير الحكومة، وهذا مطلب سياسي، لا يؤدي الى شرخ وطني، وكل يوم في دول العالم يطالبون بتغيير الحكومة, يطالبون بالإفراج عن جعجع، هل يجوز ان تؤدي هذه المطالبة الى شرخ وطني، مع العلم ان في حقه حكمين قضائيين, يطالبون بعودة عون، هل يجوز ان تؤدي الى انقسام في البلد، اين هو الشرخ الوطني؟ من اجل ذلك اقول ان البيان كان خالياً من المضمون وبالتالي فإن 90 بالمئة من الناس لا تختلف على 90 في المئة مما جاء فيه, قالوا انهم ضد تدخل اجهزة الأمن، ونحن ايضاً ضد تدخل الاجهزة.
واضح ان كل هذا الضجيج مرتبط بالانتخابات النيابية وقانون الانتخاب، هل هذه السلطة مؤهلة لإجراء انتخابات نزيهة وديموقراطية وهناك مطالبة بتخفيض سن الاقتراع الى 18 عاماً؟
ـ انا اؤيد تخفيض سن الاقتراع الى 18 عاماً، ولكن هذا لا يرتبط بقانون الانتخاب، بل يتطلب تعديل الدستور, وتجديد الحياة السياسية يستوجب كذلك تجديد الهيئة الناخبة من خلال ادخال العناصر الشابة اليها، وانا مع القاعدة النسبية والدائرة الاكبر، اي المحافظة كما كانت يوم الطائف، اي لبنان خمس محافظات لأن المحافظة الكبيرة تضمن التنوع الطائفي في كل المناطق، وكلما صغرت الدائرة الانتخابية يصبح اللون الطائفي او المذهبي ساطعاً اكثر فأكثر، وهناك اقضية كثيرة، ليس ذات لون طائفي واحد، وانما ذات لون مذهبي واحد, اذا اعتمدنا القضاء دائرة انتخابية سيكون في المجلس النيابي اكثرية ساحقة من المذهبيين, ليس بهذه الطريقة نكافح قضية لبنان الاولى وهي الطائفية، ومن اجل ذلك نحن ضد القضاء، مع ان قرنة شهوان ووليد جنبلاط مع القضاء.
يقال ان لحود مع القضاء ايضاً، وانت تحرص دائماً على التأكيد انه غير طائفي؟
ـ ما زلت على موقفي، بأن الرئيس لحود رجل غير طائفي، لا بل أشهد انه طاهر من الطائفية, وهو أبعد الناس عن الطائفية, وأشهد ايضاً انه رجل نزيه, ولكن في شأن الطائفية والنزاهة هذا ينطبق على الرئيس لحود ولا ينطبق على كثير من المحيطين به.
شخصياً، لن تخوض الانتخابات، ولكن هل ستشكل لائحة او نواة لائحة في بيروت، وبالاجمال كيف ستتعاطى عملياً مع هذا الاستحقاق؟
ـ انا سأتصرف كمواطن مسؤول، طبعاً سأدعم مرشحين، وسيكون لدي أفضليات، وسأصوّت لهذا المرشح ولن أصوّت لآخر، ولن اخجل برأيي وقد اعلنه ولكن هذا لا يعني انني اخوض معركة انتخابية وليس لدي امكانات لذلك, لن اخوض المعركة الانتخابية، اي لن اترشح ولا لحساب سواي، مع انني قد اعرب عن دعمي او محاباتي لمرشحين معنيين اذا كنت ارى فيهم الكفاءة والاخلاق.
هناك اكثرمن رأي عن تقسيم الدوائر في بيروت، ما هو موقفك؟
ـ انا ضد تقسيم كل المحافظات، وضد تقسيم بيروت بشكل خاص، اذ كيفما قسمت بيروت سيكون ذلك خطأ, وكيفما قسمتها ينفر اللون الطائفي والمذهبي، ولا يمكن ضمان وجود اختلاط حقيقي، الا بالمحافظة على بيروت دائرة واحدة، انا لا اتمنى تقسيم اي محافظة من المحافظات الخمسة.
هناك اهتمام دولي، وخصوصاً اميركي ـ فرنسي بمسألة الانتخابات وهذا ما برز في تصريحات عدد من المسؤولين في البلدين، فضلاً عن تحرك سفيريهما في لبنان، ام ترى ان هذا الاهتمام يخفي اموراً اخرى؟
ـ لا شك ان وراء هذا الاهتمام مآرب، وهذه قصة طويلة, اما بالنسبة الى تحرك ومواقف السفيرين، فنحن في بلد حر، ويتكلمان ما يريدانه, احياناً يشعر اللبناني بأنهما تجاوزا الحدود الديبلوماسية, سفراؤنا لا يتحدثون بهذا الاسلوب في بلدان اخرى، ولكن نحن في بلد حر، ونردّ عندما نسمع كلاماً لا يعجبنا.
البعض يربط مسألة الانتخابات بالقرار 1559؟
ـ اعتبر القرار 1559 تدخلاً في الشؤون اللبنانية ويتعارض مع نص الطائف، الذي وافق عليه مجلس الأمن ايضاً، ولكن مع ذلك كله اقول نحن نحترم القرار 1559، ولنا مصلحة في تنفيذ كل القرارات الدولية، وهو من ضمنها، ونحن لا نستطيع ان نكون انتقائيين في تطبيق القرارات الدولية، ولكن من حقنا ان نطالب اميركا وفرنسا والامم المتحدة بأن لا يكونوا انتقائيين او كيفيين, فلماذا يصرون على تطبيق القرار 1559 ويتجاهلون كل القرارات الاخرى؟ هذه حجتنا, طبِّقوا كل القرارات الدولية بما فيها القرار 1559.
الرئيس كرامي اعتبر ان الانتخابات النيابية ستكون بمثابة استفتاء للبنانيين بين من هو مع القرار 1559 ومن ضده؟
ـ انا لا اضع الانتخابات في هذا الاطار، الانتخابات النيابية هي استفتاء للرأي العام على كل شيء, وتصوَّر اننا نجري انتخابات من اجل الاستفتاء على القرار 1559 فقط، المواطن معني في الانتخابات حتى في شؤونه المعيشية والوطنية والقومية.
الرئيس كرامي انتقد النداءين اللذين وجهتهما انتَ والرئيس حسين الحسيني اخيراً؟
ـ ليس هناك اتصال بيني وبينه ولا بيني وبين الرئيس لحود, كل واحد منشغل بأموره، ثم له رأيه ولنا رأينا.