قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

الرباط من محمد الاشهب: ارتبط فضاء المدينة في المخيلة العربية بقصر الحاكم وقلاع الجيش وامتدادات اسواق الحرف التقليدية, لكن العمق الروحي كيفته المساجد التي تقام حولها المدارس والمشافي التي تضفي على العمران طابعاً روحياً. هذه الخاصيات ميزت مدناً مغربية عتيقة مثل فاس ومراكش ومكناس وتطوان الى درجة تثير الاعجاب في توزيع المياه وتنظيم الحرف وإقامة المنتزهات خارج اسوار المدن العتيقة.
اللافت اليوم ان بيوتاً عتيقة وقصبات تاريخية شهيرة ومعالم اثرية بارزة تحولت في مدن مغربية عدة خصوصاً في مراكش, الى إقامات فاخرة لمشاهير نجوم السينما وعارضات الازياء وابطال الرياضة ورجال اعمال مرموقين يقضون فيها العطل وتقام فيها الحفلات الاسطورية الى درجة ارتفعت معها اسعار البيوت العتيقة بشكل صاروخي وباتت تجارة الرياض الفسيحة داخل ازقة المدن العتيقة من اختصاص شركات اجنبية تعرض منتجاتها في اسواق المال ومنتديات المشاهير. بيد ان رجال اعمال حولوا تلك الرياض المميزة بهندستها وزخرفتها واتساع فنائها الى فنادق ومطاعم ومتاحف يمتزج فيها سحر المكان بخدمات مستوحاة من اساطير الشرق.
إلى وقت قريب كان اختيار ادباء ورسامين ورحالة اجانب مثل بول بولز وتينسي ويليامز ودولاكروا الاقامة في المغرب خلال فترات من حياتهم عنواناً للانزواء والدهشة وامتزاج الحكمة والجنون. ارتبطوا بفضاءات المدن وارتبطت بهم تجارب ابداعية في الشعر والرواية والسينما والرسم. لا تذكر طنجة واكتشافاتها من دون بول بولز, ولا تستحضر الصويرة من دون اورسون ويلز, ولا تكون اغمات في مراكش من دون الامير الشاعر المعتمد بن عباد. ولا يمكن فك ألغاز فاس من دون معالم جيلبير كرانفال. لكن الصورة تغيرت الآن. ولم تعد المدن فضاءات أدب وابداع بعدما استبدلت سحرها الطبيعي بأنواع من الترف القادم من الضفة الاخرى.
على بعد بضعة كيلومترات من نخيل مراكش تحجز عارضة الازياء الجميلة اقامة فاخرة تطل على هكتارات من البساتين الوارفة وتدعو الاصدقاء القادمين من الاصقاع شتى الى حفلة مدهشة. وغير بعيد عن سحر المكان ينشغل صاحب اشهر علامة في العطور الباريسية والـ"هوت كوتور" بتأثيث فضاء تلامس فيه شمس المغيب ثلوج قمم جبال الاطلسي.
هنا يقيم الممثل الشهير وهناك قصر رجل الأعمال الذي تستهويه المغامرة وبينهما تعود فضاءات من مدن عريقة قروناً الى الوراء اذ تصنع أيدي مهرة الصناعة التقليدية المتوارثة بيوتاً وحمامات وحدائق تعبق برائحة التاريخ, لكنها تباع في مزادات من يدفع اكثر. فالأمر يتعلق بثقافة جديدة للمدن. الايجابي فيها انها تعيد الاعتبار لحرف الصناعة التقليدية وفنون المعمار والهندسة ومتعة العين, غير انها تعكس تناقضاً, إذ تحفل هوامش المدن التي تطوقها احزمة الفقر بتزايد احياء الصفيح وتدهور المجال الانساني والبيئي والعجز في مواجهة واقع البؤس والحرمان.