قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

المعطي قبال: في قسم الثانوي، أتذكر، كما لو كنا بالأمس، أستاذة اللغة الإسبانية وكان اسمها مدام فيرنانديز، وهي تفرقع على مسامعنا كلمات ومفردات إسبانية، كان بعضها يطلق ضحكنا، فيما تفلت البقية من إدراكنا لسرعة النطق التي كانت تشعرنا وكأنها شلالات من الكلام. بقدها الوافر الذي يضاعف من هيبته كعب عالٍ، (كانت تذكي الشهوة بإحداثها هارمونيا بين أحمر الشفاه الغامق، والتنورة المدمشقة)، حببت الينا مدام فيرنانديز اللغة الإسبانية التي يقال عنها في المغرب انها «لغة الحازقين» (الفقراء). لكنها في الوقت نفسه أذكت مخيالنا تجاه التراث الإسباني وينابيعه الأندلسية إلى درجة بدت لنا مدام فيرنانديز وكأنها امرأة عربية، بحكم هيئتها الغجرية: شعر أسود غامق، بشرة سمراء، عيون لوزية الخ... من بين أعلام الأدب التي عرفتنا عليها من خلال دراسة النصوص باللغة الإسبانية: انطونيو ماتشادو، خوان رامون خيمينيث، فيديريكو غارثيا لوركا، وثلاثتهم أندلسيون، أحدثوا تحولاً هائلاً في الأدب الإسباني الحديث، لأنهم ضخوا في شرايينه جرعة تراجيدية قوية، ولم يكونوا يعلمون أن مآلهم سيتراوح بين الأسى والمأساة.
في هذا الفصل جاء كتاب «دون كيخوتي دي لامانتشا» لسرفانتيس، الذي قرأناه بالإسبانية نصوصاً متفرقة قبل أن نقرأه في سلسلة كتاب الجيب ليصالحنا مع البهلوانية، الضحك، القدح، وما نسميه في المغرب «الحلقة»، لما يتحلق الجمهور من حول الراوي الذي يقص عليهم سير عنترة بن شداد، سيرة بني هلال، حكايات «ألف ليلة وليلة»، أو لما يأمر الحاوي القرد أو الحمار بتقليد القائد أو الباشا الفلاني في الجلسات السلطانية في الحدائق والرياض. وقد أوقفني يوماً في أحد المسالك الخالية المؤدية إلى طريق زعير بالقرب من الرباط درويش وعلى كتفه قرد، ثم أمره بتقليد محمد سعيد الصحاف... فاستحق مني على هذا الرقم الدونكيشوتي المفعم بعلوجات إيمائية خمسة دراهم.
لم نحس أية غرابة لدى قراءتنا مغامرات دون كيشوت «النابغة»، «العلامة»، «الداهية» الفارس التائه - المهدار، الذي انطلق في صبيحة أحد الأيام خلسة على صهوة جواده ، وبرفقة خيّالة بانتشو، لاستعادة مجد خرافي، وهمي، ليكسب قلب حبيبة خيالية أطلق عليها اسم دولسيني دي تاباسكون وتحقيق مثل عليا تتمثل في الوفاء، الحقيقة، الشعور بالواجب والعدالة... ويدخل الرجلان في مغامرات يتزاوج فيها الجنون بالمعقول، الوهم بالحقيقة إلى درجة تبادل أو تقمص الأدوار حيث يصبح دون كيشوت سانتشو والعكس بالعكس. ولما ينسب سرفانتيس الرواية الأصل إلى شخص اسمه السيد حامد بنجلي، نقف عند الدهاء العبقري للكاتب الذي نجح في إذابة الحدود بين أجناس المحكيات وخلط الأوراق بين المعقول واللامعقول، محولاً الكذب إلى حقيقة (أو ما سماه أراغون الكذب الحقيقي)، والحقيقة إلى وهم واستيهام، إلى درجة نتساءل إزاءها من هو الكاتب، من هو الراوي، إلى أي سجل تنتمي الرواية، (إن كانت حقاً رواية)؟
أيقنا آنذاك أننا لسنا غرباء عن ثقافة سرفانتيس ولا عن محكياته التي يتقالب فيها السرد وتتماهى الشخصيات بعضها ببعض، لأنها ثقافة مشهدنا اليومي الذي يهيمن عليه الشفوي والمحكي، يتمازج فيه الحلم بالوهم، ويمثل فيه شارع الحي الحلبة والديكور التي ننسج فيها أحلام يقظتنا المجنحة.