قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

يحتفل العالم في العام الجديد ،2005 بما يجب ان يحتفل به: مرور أربعمائة عام على صدور رواية “دون كيخوته” أو “دون كيشوت” كما درجت العادة على نطقها لمؤلفها الاسباني ميجيل دي ثرباتيس سابدرا، أو سرفانتس كما اعتدنا نحن العرب على لفظ اسمه. “دون كيشوت” هي رائعة من روائع الأدب الكلاسيكي العالمي، في مقام “الالياذة” لهوميروس، و”الكوميديا الإلهية” لدانتي و”فاوست” لغوته، فضلاً عن أعمال شكسبير الكبرى.
قرأت امس للأديب الجزائري واسيني الاعرج قوله انه من التقصير عدم تدريس “دون كيشوت” في المقررات الدراسية الجزائرية. وكنت قد استمعت مرتين لواسيني الاعرج، مرة في الشارقة ومرة في البحرين، وهو يتحدث عن تأثره الكبير بهذه الرواية التي عدّها رواية جزائرية، ليس بمعنى ان كاتبها جزائري، وإنما لأن جزءاً مهماً من أحداثها يجري في الجزائر. لم يكن ذلك مصادفة، وإنما لأن سرفانتس الجندي السابق في الجيش الاسباني وقع أسيراً في أيدي الاتراك، حينما هوجمت سفينة كان على ظهرها في البحر الأبيض المتوسط، وأخذ الى الجزائر التي قضى فيها خمس سنوات سجيناً، وكانت الجزائر يومها مركزا لأعمال البحرية التركية والاسلامية بعامة. خرج سرفانتس من سجنه بفدية مالية، لكن الفترة التي قضاها هناك كان لها اعمق الأثر في نفسه وفي انتاجه، ففي “دون كيشوت” فصول طوال تدور احداثها في الجزائر، واتخذ من تلك المدينة إطارا لأحداث فاصلة وشيقة، خاصة انه ظفر بقسط من معرفة اللغة العربية فترة أسره.
نشر سرفانتس الجزء الاول من رائعته تحت عنوان: “النبيل البارع دون كيخوته دلامنتشا” في مدريد سنة ،1605 وقال في استهلاله للرواية ان القصد منها “ليس إلا كبح بل تحطيم ما لكتب الفروسية من تأثير وسلطان عند عامة الناس”. لكن الكاتب أراد من ذلك ان يكون جسراً للسخرية من العصر الذي عاشه بكل مخازيه الاجتماعية والسياسية والإدارية، وما يعج به من رذائل ونفاق ودعاوى زائفة في الآداب والأخلاق، دون ان يجعل من السخرية ذاتها هدفا وإنما وسيلة تعبير عن الاحتجاج.
قال “دون كيشوت” عن نفسه في رائعة سرفانتس: “أنا عاشق. هذا صحيح لأنه يجب على كل فارس ان يكون عاشقاً. لكني لست من اولئك العشاق الفاسدين، فأنا أحب حباً افلاطونياً عنيفاً”. حين طلبت منه الدوقة، وعلى سبيل التسلية، ان يصف لها حبيبته، قال هذا القول الساحر “سيدتي: لو كان في وسعي ان انتزع قلبي وأن أعرضه امام عينيك هنا فوق هذه المنضدة، وفي صحن لأعفيت لساني من مؤونة وصف ما لا يكاد يتصور، لأنك سترينها مرسومة على الطبيعة في هذا القلب العاشق”.
إنه إذن فارس يريد ان يحطم زيف الفروسية، وهو عاشق، يريد أن يحطم زيف الحب، انه شخصية متعددة الأوجه تريد ان تحطم الزيف على أنواعه، وهو بهذا المعنى لم يكن يحارب طواحين هواء ولا جيوشا متخيلة، انه يحارب عصراً متفسخاً، لذا فإنه فعل ما فعله وسيفعله كل “الدونكيشوتيين” قبله وبعده: يربحون انفسهم حتى لو خسروا العالم.