قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

يمر لبنان الآن في "مطبات" هوائية، ووضعه يشبه تلك الطائرة المحلقة التي تدخل فجأة في جيوب "ثغرات" هوائية فتندفع هبوطا ثم ترتفع لتستقر ثم تعاود الهبوط والارتفاع. هذه المطبات تخلق أجواء قلق وخوف وتثير في النفوس الاحساس بالقرف والغثيان. وهذا أحيانا يصيب لبنان كدولة وأهل. فالناس محكومة بالظروف والمحيط الاقليمي وتركيبته الداخلية. فتكوينه البشري يشبه ذاك الدواء المركب من كيماويات تتفاعل أو تتنابذ ولكنها في النهاية تتوافق على جناس "أو طباق" من الصعب التخلي عنه.
هذا هو لبنان ومن الصعب تغييره واذا تغير خسر الكثير من خصوصيته وهي في مجموعها تختصر البلاد وتختزل شخصيته القائمة على أنواع مختلفة من المعارضة والموالاة دأبت على تداول السلطة وتدويرها بين هذا وذاك منذ استقلاله إلى اليوم.
هناك استحقاقات كثيرة تنتظر هذا البلد وهي على كثرتها لم تحرك في داخله ذاك الاحساس بالخطر. فهو قلق ومتوتر وهائج يقوم ضد فكرة ويتوحد ضد أخرى وينقسم على غيرها. فالبلد مزاجي ومتقلب تشده اعتبارات متعارضة وتتجاذبه وجهات نظر لا حصر لها. فالدولة غير متفقة، والحكومة ايضا والمعارضة كذلك.
ربما تكون هذه الصفات أعطت سمات خاصة لهذا البلد وأكسبته جاذبية لا يستحقها أحيانا ولكنها في النهاية خلاقة ومتحولة وخصوصا حين تتم مقارنة لبنان بغيره. فالمقارنة هنا تكشف عن نقاط قوة في جسد ضعيف بينما تلاحظ في المقابل نقاط ضعف في جسد قوي.
في هذا المعنى لا خوف على لبنان، فهو قوي في أقصى حالات ضعفه. ويكفي هذا البلد انه أذاق الاحتلال الإسرائيلي المر، وتحمل قصف الاسطول الأميركي السادس في البحر المتوسط، وتعب رونالد ريغان "الأب الروحي للمحافظين الجدد" منه ورحل عنه بعد ان انكسر جبروت المدمرة "نيوجيرسي" فأبحرت خارج مياهه الاقليمية.
كل هذا يحسب للبنان فهو قدم أكثر من طاقته وأعطى الأمة من شبابه وماله وحاضره ومستقبله، وحتى الآن لم تخف همته وخصوصا حين يتم التعرض للقضية الفلسطينية وحق أهل فلسطين في العودة إلى ديارهم.
كل هذه الأمور تحسب لبلد صغير كان في واجهة الصراع العربي - الاسرائيلي لفترة امتدت على ثلث قرن خسر فيها ما يملك، ولم يسترد حتى الآن ما خسره.
الآن يمر هذا البلد في امتحان جديد أشرفت الولايات المتحدة وفرنسا على صوغ فقراته في قرار ظالم اطلق عليه الرقم .1559 هذا القرار الذي اكتسب صفة قانونية "دولية" هو اصلا مشروع إسرائيلي تحول بفضل سياسات خاطئة إلى توصيات أميركية نقلت من الكونغرس إلى مجلس الأمن لتمر على الدول الكبرى ويعاد انتاجها في صيغة قرار. والآن يطلب من لبنان تنفيذ هذا المشروع... وإلا سيلاقي العقاب. أي ان دول مجلس الأمن تطالب لبنان ببساطة ان يعاقب نفسه ويدمر ما بدأ في إعماره. فالقرار في حيثياته يعني إعادة لبنان إلى الحرب "الحروب"، وادخال الدولة في مشروع مستحيل ويصعب عليها تنفيذه.
فقرات القرار 1559 تطالب لبنان وبكل تواضع بإخراج القوات السورية من البلاد، اقتحام المخيمات الفلسطينية بذريعة تفكيك وتجريد الميليشيات غير اللبنانية من السلاح... وأخيرا وليس آخرا تجريد حملة عسكرية ضد حزب الله وتفكيك الميليشات اللبنانية وحل منظوماتها السياسية.
هذه الأوامر والنواهي التي ينص عليها القرار الدولي من الصعب تنفيذها بل هناك استحالة في تطبيقها حتى لو توافق اللبنانيون على المسألة... والسبب يعود بكل بساطة إلى أن شروط القرار قاسية ومجحفة، وهي أكبر من قدرة لبنان على تطبيق بنوده. فالقرار في النهاية يعني تلبية دعوة رسمية دولية للعودة إلى الاقتتال الأهلي وتوريط الكيان الصغير في سلسلة معارك محلية واقليمية تعيده سنوات إلى الوراء وتدمر ما تم إعماره خلال سنوات الهدنة الداخلية.
قراءة القرار من جديد توضح ملابسات فقراته الكيدية لأنها بكل بساطة تدعو الدولة اللبنانية "الهزيلة والضعيفة والمنقسمة والمديونة بمليارات الدولارات" إلى خوض ثلاث حروب مدمرة وباهظة الثمن... الأولى ضد سورية "اخراج القوات"، والثانية ضد الفلسطينيين "تحطيم المخيمات وامتداداتها اللبنانية"، والثالثة ضد حزب الله "خوض مواجهات عسكرية لها امتداداتها المذهبية والاقليمية".
أي عاقل "أو مجنون" يقبل بخراب بيته في وقت يعاني من ضعف في امكانات التنفيذ مقابل لا شيء. أو مقابل نصائح مسمومة ووعود مذمومة.
مر لبنان في مطبات هوائية كثيرة ونجح في الافلات منها، فهل ينجو هذه المرة من مطب القرار .,,1559 أم ان التجربة لم تعلم اللبنانيين؟