قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

كل ما أرجوه ان تكون قد فهمت من مقالي السابق ان الدولة غير العصرية في عصرنا هذا مهددة بالخطر. ربما جاء هذا الخطر من الخارج أو من الداخل، المهم في الحالين أنه قادم ولو بعد حين. أذكرك أيضا بمقولة اضافية، هي أنها بالتعريف، الدولة الملتزمة بثقافة العصر. والدولة العصرية لا تعمل عند الأمة أو الشعب أو الجماهير، هذه جميعا من الاخطاء الشائعة، هي تعمل عند المواطن الفرد. فقسم الشرطة لا تدخله الجماهير، بل مواطن واحد له مشكلة وضابط الجوازات في المطار لا يتعامل مع الشعب، فالشعوب لا تسافر بل المواطن الفرد وحده هو من يسافر، وفي قاعة المحكمة لا يتعامل القاضي مع الجماهير بل شخص واحد جان أو مجني عليه. وعندما يستوقفك ضابط المرور لا يطلب رخصة قيادة الشعب بل رخصتك انت. وبذلك تكون المعاني الكلية عند استخدامها في السياسة علي وجه الخصوص احدي وسائل الهروب من مشكلة ما. الفرد الحر المحمي من الدولة بالدستور والقانون وكافة مؤسساتها، هو عماد الدولة العصرية وبغير ذلك لا تكون هي ولا كانت. وبالعدوان علي حقوق شخص واحد بدعوي الحفاظ علي كيان المجتمع، تكون الدولة قد تخلت عن عصريتها بعد أن غفلت عن وظيفتها الاساسية وهي أنها تعمل عند هذا الشخص الذي انتهكت حقوقه.
سأعطيك مثالا بسيطا للغاية. مراسل احدي المحطات الفضائية العربية، مقيم في عاصمة عربية متحضرة - لصفتها الأخيرة نحن نكتب عن الواقعة - وصل الي علمه خبر عن اطلاق نار علي مواطن أو علي رجل أمن لست أذكر بالتحديد، فطير الخبر لمحطته، فتم اعتقاله علي الفور لمدة ثلاثة أيام بدعوي أن الخبر ليس صحيحا وقامت المحطة بتكذيب الخبر وبالاعتذار طبعا، وبعدها بأسبوع تقريبا حدث اطلاق نار علي رجال أمن في شارع كبير يزدحم بالبشر ويتلألأ بالأضواء فطيرت كل وكالات الانباء الخبر بالصوت والصورة علي سكان الارض جميعا. في هذه المرة لم يعتقل أحد ولم يتم تكذيب الخبر.
لا تصدق أن مراسلا محترما يجيد حرفته من الممكن أن يقع في فخ الخبر غير الصحيح، هو لن يرسل بالخبر علي الفور الي صحيفته أو وكالته أو محطته، لن يفعل ذلك الي أن يتأكد من صحته من عدة مصادر أخري، ولكن لنفرض أنه وقع في هذا الفخ وان جهة ما كانت من الذكاء بحيث دست عليه خبرا غير صحيح وجاز عليه. هذه المشكلة في دولة عصرية لا يستغرق حلها سوي دقائق معدودات. سيتم الاتصال تليفونيا بالصحفي لمعرفة مصادره في هذا الخبر، وعندما يصر علي صحة الخبر ويرفض ذكر مصادره وهذا من حقه كلية، علي الدولة نفسها ان تعلن أن الخبر كان عاريا من الصحة. في هذه الحالة بالتأكيد سينال عقابه من محطته أو صحيفته ومن كل زملاء المهنة إذ ليس بعد الكفر ذنب، وعدم الالتزام بقواعد الحرفة هو نوع من الكفر الذي يحاسب عليه الانسان في الدنيا حسابا عسيرا بالاضافة بالطبع لحسابه في الآخرة علي خطيئة الكذب، يكفيه ألما وخجلا علي المستوي الشخصي والمهني أن يعرف انه قام بنشر خبر غير صحيح ولم يعتذر عنه علي الفور.
دعني أفترض الآن أن الخبر كان صحيحا. وأن رجل الدولة المسؤول رأي لأسباب قدرها هو، أن ينكر حدوث الخبر.. ربما قال لنفسه: وما الداعي لازعاج الناس.. سنقبض علي الجاني عندما نعثر عليه.. أما الآن فلا داعي لتشويه سمعتنا.. نحن دولة أمن وأمان.. لا داعي لان تعرف الناس أنه يحدث اطلاق نار في شوارعنا.
والحل؟.. هاتوا لنا الافندي اللي نشر الخبر.. هاتوه يقعد هنا ثلاثة أيام.. عشان لما نقول له كذب حاجة يكذبها علي طول.
وبعدها بأيام، يحدث اطلاق النار في الشارع كما يقول المثل علي عينك يا تاجر فيحدث ما كان يخشاه. المسؤول هذا رجل دولة يعيش بعيدا عن ثقافة العصر، لقد نجح فقط في ان يحرم انسانا من حريته لثلاثة أيام وغامر بالفعل بسمعة بلده في سجل حقوق الانسان، ولم يحقق شيئا ايجابيا من أي نوع. رجال الدولة في هذا العصر يعرفون جيدا ما يدور فيه، وبينما تقرأ أنت هذه الكلمات يكون بعض الارهابيين قد قتلوا بعض رجال الأمن أو بعض المواطنين في عواصم عربية، انها معركة فرضت علي العواصم العربية جميعا ولن ينجو منها احد بانكار حدوثها. هي تحدث وستحدث ولا يجب ان تشعرنا بالخجل. هي دمل في جسم هذه الأمة امتلأ بالصديد وعلينا أن نتعلم طرق التعامل معه وإلا فوجئنا بانتشار هذه الدمامل في الجسم كله. هؤلاء الذين يطلقون النار علي الناس ورجال الأمن لم يهبطوا علينا من كوكب آخر، لقد تربوا في بيوتنا وتعلموا في مدارسنا وجامعاتنا وقرأوا لمفكرينا وشاهدوا برامجنا وصلوا في جوامعنا واستمعوا لفتاوينا والتزموا بتعاليمنا، وفي كل مرحلة، كانوا يبتعدون خطوة عن ثقافة العصر. ولم نتبين نحن فيهم طبيعة الافكار التي اكتسبوها في كل هذه المراحل ولا الي ما يمكن أن تؤدي اليه، ربما لعدم اهتمامنا بذلك، وربما لارتياحنا لذلك، من ذا الذي يكره أن يكون ابنه متدينا عظيم الايمان؟ ثم أفقنا فقط علي اصوات مدافعهم الرشاشة وقنابلهم ومتفجراتهم. اكتشفنا أنهم فئة ضالة غير أن هذا الوصف يدفعني - ويجب أن يدفعنا جميعا - للتساؤل: متي كانت اللحظة التي ضلوا فيها؟ في أي مرحلة من مراحل العمر والنضج خرجوا عن الطريق القويم واتخذوا قراراً بالضلال؟ من المستحيل أن تكون هذه اللحظة هي نفسها لحظة إمساكهم بالمدفع الرشاش، لابد أنها قد حدثت قبل ذلك بكثير.
الدولة العصرية تطلب من رجالها الذكاء وليس التذاكي، فالمتطرف التقليدي والمتطرف الفعال يعرفان جيدا متي يكون رجل الدولة متذاكيا ومتي يكون ذكيا، عندما يكون رجل الدولة ذكيا فالمتطرف يتوقف علي الفور عن الهجوم علي الدولة، وعندما يتذاكي رجل الدولة، فإنه يعطيه فرصة العمر للتقدم وهدم الدولة. عندما تعطي للمتطرف الحق في اخافة الناس بمنع حفل غنائي مثلا لكي تتقي المزيد من شرهم (هذا هو التذاكي) فإنك تجلب علي نفسك شرورا لا حد لها.
المتطرف التقليدي لن يحمل المدفع الرشاش، ولكنه سيهييء المناخ المناسب لظهور المتطرف الفعال الذي يفجر نفسه ويفجر الآخرين، عندئذ نصفه بأنه قد ضل الطريق، نفس الطريق الذي عبدناه له من قبل وزيناه وفرشناه بالورود.
حكاية التوازن بين الاتجاهات السياسية والدينية في الدولة العصرية خرافة من اختراع التذاكي، هناك حقوق للانسان الفرد تحميها القوانين وليس من حق مخلوق علي وجه الارض تحت أي شعار أن ينتهكها، هناك ثقافة لهذا العصر والالتزام بها يمثل سكة السلامة وطريق النجاة الوحيد لنا وعلينا أن نلتزم بها، علينا أن نثبت للمتطرف التقليدي أنه لن يحصل علي فرصته في صنع المتطرف الفعال.