قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يقظان التقي: صدر للشاعر زاهي وهبي عن "رياض الريس للكتب والنشر" مجموعة شعرية جديدة "ماذا تفعلين بي" هي المجموعة الشعرية الرابعة بعد "في مهب النساء" و"صادقوا قمراً" و"حطاب الحيرة". في مجموعته الجديدة زاهي وهبي كله، على نضارة الحب. يكتب حباً، وجه تعرفه على مؤانسة ودفء وعلى صداقات مفتوحة مع المدينة والناس وفي وحدة عضوية عميقة ومنضجة تتماهى مع اهتمامات ومحمولات سياسية واجتماعية. لكن انسانية اولاً.
تؤكد المجموعة الجديدة على اسلوب الشاعر في الكتابة الاقرب إلى غناء وماء القلب والوجدان الشفيف.
من الشعر إلى الاعلام ومن الاعلام إلى الشعر تتحرك قصيدة الشاعرعلى مرمى قريب من اللغة والناس، وتقول اشياءها بلهجتها النقية بتجريدات بسيطة غير مواربة بالكاد تجرح ذاتها كمرآة شعورية مرهفة وحساسة. هنا الحوار:

***
كتابك الرابع يأتي كله حباً، لماذا الكتابة فقط عن الحب؟
ـ اسمّي نفسي شاعر حب، لكن أميز بين شعر الغزل وشعر الحب، لأن مفهوم الحب اشمل واعمق من مجرد التغزل بالحبيببة وبصفاتها. انه حب للحياة، وللأرض وللأهل وللأصدقاء، والأمكنة، وبالتأكيد للمرأة الحبيبة التي تمتزج احياناً بكل هؤلاء، او تحلق وحيدة في فضاءات الشعر، والغواية.
منذ بداياتي وأنا شغوف بالغوايات الجميلة والنبيلة فى آن، واجمل هذه الغوايات ان تناديك امرأة إلى قبلة، او إلى قصيدة، محرضة اياك على ارتكاب فعل الكتابة في زمن يتراجع الحبر فيه لتتقدم ادوات اخرى كثيرة.
اسلوب البساطة يكاد يكون مقيماً في شعرك، الا يوقعك هذا احياناً في السهولة. صحيح البساطة تصل إلى الناس، لكن احياناً تصل إلى السهولة؟
ـ هذا النوع من الشعر اشبه بميزان الذهب، واي خطوة زائدة تتحول فوراً إلى خطوة ناقصة. اسعى جاهداً ان اكون من ذلك السهل الممتنع الذي أرساه شعراء كبار من دون ان اقع في السهولة والتبسيط. ولعل دليلي في هذا الدرب هو الصدق مع الذات. احاول ان اكون نفسي دائماً بلا تكلف او تعقيد. ولكن ايضاً بلا مجانية وبلا سعي إلى ارضاء الآخر المتلقي بأي ثمن. لا يشكل لى الآخر هاجساً الا بمقدار ما هو مرآة للذات. وحقاً اشعر انني كلما اقتربت من نفسي كلما اقتربت من الآخر.
تأثر
بمن تأثرت من الشعراء الكبار؟
ـ هناك ثلاثة شعراء اثيرون إلى نفسي: نزار قباني ومحمود درويش وأنسي الحاج. والأخير خصوصاً في "الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع". هذا فضلاً عن تفاعلي الحميم مع تجربة الشاعر محمد الماغوط. لكني متحرر من سطوة هؤلاء جميعاً لأنني فعلت بنصيحة ابي نواس التي تتلخص بما معناه أن على الشاعر ان يقرأ الآخرين خصوصاً الذين سبقوه. لكن عليه ان ينساهم ايضاً ليستطيع كتابة ذاته. وما القصيدة سوى ذات شاعرها. واود ان اضيف اسماً ايضاً عندي هو المعلم شوقي ابي شقرا، الذي قد لا اكون قد تأثرت بإسلوبه الشعري او مدرسته الشعرية. ولكني ولا شك تأثرت بعلاقته مع اللغة واسلوب تعامله معها. هذا الاسلوب الذي يبدو عفوياً وتلقائياً. لكنه في الواقع ينطلق من دراية عميقة باللغة واسرارها وعوالمها الداخلية. إنه من القلائل الذين تنطبق عليهم صفة المعلم.
انت ذهبت من الشعر إلى الاعلام، هل تذهب من الإعلام إلى الشعر، وماذا عن مترتبات ذلك؟
ـ لأعترف أن الامر أربكني في البداية ومررت بمرحلة من التردد بين هذا وذاك. لكن لحسن الحظ أن عملي التلفزيوني يشتمل على احتكاك اسبوعي بمبدعين كبار من شتى المجالات. وهذا العمل جعلني أقرأ بطريقة افضل حتى من الذي سبق لي أن قرأتهم فيما مضى.
ليس هيناً ابداً ان تلتقي بأربعمئة ضيف بينهم امثال: سعيد عقل، وادونيس، ومحمود درويش والطيب الصالح، ومحمد الفيتوري، وسعدالله ونوس وبول شاوول، وكوليت خوري وسليمان العيسى، ولميعة عباس عمّارة الخ.
كل هذا شحنني بمزيد من الطاقة وادخلني اكثر في هذا العالم الذي هو عالمي الحقيقي. ثم ان التلفزيون بما وفره لي من شهرة وكيان معنوي بالمعنى الاجتماعي حرر قصيدتي من ان تكون وسيلة او اداة اجتماعية. قصيدتي باتت غاية بذاتها، اكتبها لأجل الشعر ولأجل الشاعر فقط لا غير.
لو لم تكن على هذه الشهرة، هل كنت غيّرت الاسلوب الشعري البسيط. بمعنى آخر هل اسلوبك هذا ينسجم مع اطلالتك على الناس، اي الاطلالة الشفيفة والرقيقة بالضرورة؟
ـ قد اترك هذا الامر للنقد فأنا لا استطيع رؤية نفسي او قراءة تجربتي كما يفعل الآخر. لكني على ايمان بأنه كلما ازددت خبرة ونضجاً ازددت بساطة وسهولة.
العمق ليس بالضروة تعقيداً للأمور. اذكر انني سمعت فلاحاً جنوبياً يبكي قرب أنقاض منزله المدمر اثناء العدوان الاسرائيلي على الجنوب 1996 ويقول للصحافي الذي يقابله: "انا لا أبكي على البيت المهدم، استطيع ان ابني بيتاً سواه. لكني ابكي على شجرة غرستها منذ اربعين عاماً. هل اضمن ان اعيش اربعين عاماً اخرى لأغرس شجرة سواها". اتمنى ان تكون علاقتي باللغة، بالشعر، وبالحياة قبلهما كعلاقة هذا الفلاح بشجرته التي اظن انها اكثر شعرية من كثير مما يرتكب تحت اسم الشعر او الغموض او ما شابه ذلك.
هل يمكن معك كنجم تلفزيوني، هل يمكن ان تكتب شيئاً شعرياً يصدم الناس كلغة ومفردات؟
ـ احيا كإنسان اولاً وكشاعر. ولا اتعامل مع نفسي كنجم. حياتي اليومية وامكنتي وصداقاتي، كلها تدور في فضاء الشعر والكتابة. لأنني انتمي إلى هذا العالم اولاً واخيراً، واؤمن ايماناً راسخاً ان ضوء الحقيقة اكثر نفاذاً واشعاعاً من اي ضوء آخر. الشعر هو الانقى والابقى من كل ضوضاء الشهرة، وضجيجها او صخبها. لذلك اكتسب ما اشعربه وما احس به وما اؤمن به من دون تردد ومن دون وجل او خوف من مقتضيات الشهرة وما توفره من علاقات اجتماعية. ودليلي على ذلك انه في هذا الكتاب نفسه الذي يبدو للوهلة الاولى كتاب حب فقط هناك قصائد قد تجيب على ما يضمره السؤال ومنها مثالاً قصيدة بعنوان: "أعرف بلاداً".
الحرب
ماذا اثرت الحرب في قناعاتك الثقافية والسياسية والايديولوجية والشعرية؟
ـ في هذا الكتاب كما في كل كتاباتي رفض للحرب باعتبارها فعلاً معادياً للحياة، اي معادياً للحب والشعر ولمقدرة الكائن الانساني على الخلق والابتكار. صحيح نتعلم من تجربة الحرب ونتأثر بها ونكتبها. لكني ابداً لا امجدها، ولا اتغنى بها. ولا استخدم ادواتها ومفرداتها في قاموسي الشعري. انني امقت الحرب، وامقت كل ما يمت لها بصلة مع احترامي لتجارب الآخرين ولاسلوب معالجة هذا الأمر من قبل اصدقائي وزملائي في الشعر وفي الحرب.
عودة إلى الشعر والاعلام. ماذا اعطاك الاعلام بالشعر، وماذا اعطى الشعر للإعلام. هل هناك علاقة؟
ـ في كل الامسيات التي اشارك فيها الاحظ ويلاحظ الاصدقاء والزملاء والشعراء أن نسبة الإقبال على هذه الامسيات تكون مرتفعة قياساً بسواها (امسيات في القاهرة وعمان وحلب واللاذقية وفي المعاهد الجامعية)، واعرف ان غالبية الذين يأتون ربما يأتون بسبب الاعلامي وبفضول التعرف إلى ما يفعله هذا الاعلامي خارج الشاشة، داخل الكتاب. اعرف هذا الأمر. لكن ما اتمناه ان يستدرج الاعلامي محبيه إلى الشعر. ان ينقلهم من الشاشة إلى الكتاب، ويعزيني ان ما يقدمه الاعلامي لهؤلاء هو مادة جادة تحترم عقولهم وذائقتهم. وهذا معناه ان الناس يأتون إلى ما هو جاد بعكس ما يروج احياناً تحت مقولة "الجمهور عايز كده".
انت شاعر لك تجربتك السياسية والاجتماعية. هل شيء طبيعي ان لا تكتب عن هذه التجارب؟
ـ في هذا الكتاب بالذات، معظم القصائد تتضمن موقفاً لا اريد ان اسميه سياسياً. لكنه موقف انساني رافض للظلم وللطغيان وللاستبداد وللاحتلال. موقف ينحاز بوضوح إلى الفقراء والى المضطهدين والى الحالمين بحياة اخف وطأة. وهذا الامر لا ينبع فقط من قناعة سياسية وايديولوجية. انه ينبع من فهم للشعر وللفن عموماً بوصفهما شكلاً من اشكال الدفاع عن الامل. لا يستطيع الشاعر حتى لو اكتأب او أحبط. الا ان يشير إلى الامل، ويشير إلى بصيص الضوء في نهاية النفق. هذا الذي تعلمته من كل الذين تأثرت بهم واحببتهم.
هناك من يقول ان الشعر العربي قد مات كيف ترى إلى ذلك؟
ـ اشعر انه رأي متسرع وعجول، وفيه شيء من الخفة. لا يستطيع الشعر ان ينجب عمالقة كل سنة او سنتين. لكن لو استعرضت الخارطة الشعرية العربية لوجدنا قامات عالية جداً وفي كافة الاجيال. وهؤلاء لا زالوا يكتبون وينشرون ويقيمون الامسيات والندوات والانشطة. ويقولون ما في هذه الحياة من حلو ومرّ. لكن المشكلة ان لا الشعر ولا الشعراء يخطون بفرجة متساوية مع الفنون الاخرى من الناحية الاعلامية والتسويقية او الترويجية.
ازعم انه لو حظي الشعر والشعراء بالاهتمام الاعلامي المطلوب لكانوا اشد تأثيراً في المجتمع والناس. وبالله عليك كيف يمكن للشعر ان يموت ما دامت الحياة مستمرة؟ اليس الشعر صنو الدمعة والابتسامة والاشتياق واللقاء ولكل هذه الانفعالات الانسانية. الا يصل الشعر إلى الناس من دون ان ينتبهوا احياناً وبطرق مختلفة لا تنحصر في الكتابة؟
لماذا يحب الناس كاظم الساهر اكثر من سواه. اليس لانه غنى الشعر؟ لو فعل عشرة مطربين مع عشرة شعراء ما فعله كاظم الساهر مع نزار قباني لكان الأمر الآن مختلفاً.
ربما الذين ماتوا ونضبت مخيلتهم يظنون ان الشعر قد مات.
كيف ترى إلى الشعر اللبناني اليوم؟
ـ الشعر اللبناني في نظري يمثل اليوم زهرة الشعر العربي وزهوته. يتميز بالنضارة المائية والانسيابية القريبة إلى النفس. حتى في اكثر تجاربه الاختبارية التي تسعى إلى محاكاة وابتكار انماط شعرية جديدة. طبعاً هناك كم قد يكون على حساب النوع. ولكن في خضم هذا الكم تشعر انك تستطيع ان تتلمس اضاءات تؤكد هذه النظرة التفاؤلية إن صح التعبير.
خليك بالبيت
برنامج "خليك بالبيت مستمر"؟
ـ حتى اشعار آخر.
الا تقترب الامور احياناً من الملل والضجر؟
ـ اشعر، وبدون مبالغة ان للشعر دوراً في بقاء هذا البرنامج. ربما لو لم اكن شاعراً لما ارتاح اليّ ضيوفي ومن يشاهدني بهذا الشكل، ولما شعروا بتميز هذا البرنامج عن سواه. ينبغي ان اعترف بفضل الشعر على "خليك بالبيت". لكن بفضل تلفزيون "المستقبل" ايضاً، والذي من دون مجاملة اعطاني هامشاً واسعاً من الحرية، ولولاه لما عاش البرنامج كل هذه السنوات. تنوع الضيوف والموضوعات منح "خليّك بالبيت" مزيداً من القدرة على البقاء.
ايضاً هناك الفضل الأكبر للناس. للناس الذين لم ينصرفوا عنه على الرغم من كل هذا الوقت، واكدوا ان المادة الثقافية والانسانية بشكل عام حين تكون مبسّطة وسهلة مع الحرص على العمق الضروري، تصبح مادة جذابة وشعبية. صدقني حلقات بعض الشعراء كانت اكثر صدى ونالت اكثر من حلقات اخرى لنجوم جماهيريين امثال حلقات: احمد فؤاد نجم وسعيد عقل، وسليمان العيسى وادونيس ومحمود درويش وبول شاوول، وعمر الفرّا وعصام عبدالله، ولميعة عباس عمارة وغيرهم. كل هذه الحلقات نالت اهتماماً كبيراً على عدة مستويات جماهيرية وصحافية.
يبدو لي برنامجك كأنه بقايا المدينة العربية اليوم؟
ـ سوف اعتبر السؤال نوعاً من الاطراء، مشيراً إلى انني اشعر احياناً بالانتماء إلى مدينتين: بيروت كما عرفتها في زمن الحرب بشراستها وقسوتها وحنانها ومودِّنها وبأملها آن ذاك بأن تنتهي الحرب. وان تعود الحياة إلى مجراها.
يومها كانت القصيدة دليلاً على الحياة. كنا نكتب لنحيا. كنت انظر واقرأ في صفحة الجريدة لأتأكد انني لا ازال على قيد الحياة، وأن اسمي يذيّل قصيدة ما ولا يتصدر نعيّاً لشهيد ما. واليوم انتمي إلى مدينة لا تزال تتلمس صورتها الجديدة وتتصارع ربما بين ماضيها وحاضرها باحثة عن مستقبلها بين المدن العربية او مدن العالم في زمن بات فيه الكوكب برمته قرية كونية واحدة كما يقال. كأن كل عملي ينبع من هذا المزيج بين مدينتين مع حنين مفرط إلى مدينة كانت رغم الحرب اكثر رومانسية واكثر املاً.
ليس برنامجي فقط في بيروت اليوم. كثير مما ينتمي إلى "ما تبقى". المقهى الذي نجلس فيه كأنه ينتمي بدوره إلى "ما تبقى" من زمن آخر واشياء اخرى كثيرة. اشعر احياناً ان كل هذا اللبناني لا يزال يعيش على مخزونه او على "سنامه".
ومرتاح ان لا وجود لمنافس حقيقي لـ "برنامجك"؟
ـ لا اعيش هذا الاحساس ولا اسمح لنفسي به، لأنه احساس قاتل يدفعني إلى الخمول والاستكانة. كل زميل جدي وكل برنامج ناجح هو منافس حقيقي لي.
والى متى الاقامة في "خليك؛ بالبيت"؟
ـ اولاً انت تعرف ان استديو البرنامج يقع في القصر الجمهوري القديم، اي المقر الاول لرئاسة الجمهورية في لبنان ولفد كتبت مازحاً مقالة فحواها أن رئيس الجمهورية عندنا يبقى ست سنوات.
هذا في الدستور
ـ هذا في الدستور، وها انا امضيت في القصر الجمهوري 8 سنوات، واتمنى ان تكون قابلة للتجديد، علماً ان بيتي يحظى برضا واقبال مشاهدين على اختلاف تياراتهم وانتماءاتهم.
كل ما سلف يندرج في اطار مداعبة الأمر وتخفيفاً لبعض من جدية الحوارات الثقافية.