جيفري ساشز: تستعد مجموعة من كبار العلماء والمهنيين في شتى المجالات مثل الزراعة والطب والاقتصاد والتعليم والهندسة، للتقدم بمقترحات جديدة للعالم. وإذا ما قدر للدول الغنية والفقيرة أن تتبع هؤلاء في الوعود التي بذلوها خلال السنوات الخمس الماضية لمحاربة الفقر والأمراض المزمنة عبر الاعتماد على أفضل ما تقدمه العلوم والتكنولوجيا فإن العالم سوف يصبح بإمكانه إنقاذ ملايين الأرواح ومئات الملايين من المواطنين من الوقوع في براثن الفقر. أما التكلفة فلا تعدو 50 سنتاً على كل 100 دولار من دخل الدول الغنية في العقد القادم.
إن الفكرة في غاية البساطة. فعلى سبيل المثال إن مرض الملاريا عبارة عن تسونامي صامت تكتسح آثاره المدمرة جميع أنحاء القارة الأفريقية بمعدلات تتضاءل أمامها تلك التي خلفها فيضان الـ"تسونامي" مؤخراً في منطقة المحيط الهندي. ففي كل شهر هناك أكثر من 150 ألف طفل أفريقي يموتون بسبب الملاريا وهو رقم يقترب من إجمالي أعداد الذين لقوا حتفهم في الكارثة الآسيوية. ولكن هذه الوفيات لا يعلم عنها الكثيرون لأنها تحدث من وراء الكاميرات وشاشات التلفزة. ولكن الغريب أن الملاريا بعكس الزلزال الذي ضرب المحيط الهندي من الممكن بسهولة تجنبها وترويضها. من غير المعقول أن نجد مبرراً لموت الملايين من ضحايا الملاريا عندما تكون "ناموسية" صغيرة لا يتعدى ثمنها الخمسة دولارات بعد رشها بمبيدات الحشرات واستخدامها في الأرياف الأفريقية الوسيلة السهلة التي تؤدي إلى تخفيض معدلات المرض والوفيات بشكل دراماتيكي.
وهناك أدوية فعالة لا يزيد سعر الجرعة منها على دولار واحد بإمكانها معالجة أولئك الذين يفتقدون إلى الناموسيات. والآن فإن الفقر في إفريقيا بلغ مداه إلى درجة أن العائلات في المزارع الريفية يدركون أهمية هذه الناموسيات والأدوية ويتطلعون إليها بشغف ولكن ليس بمقدورهم دفع هذه الدولارات القليلة.
لقد كشف تقرير "مشروع الألفية الجديدة" وهو عبارة عن مجموعة استشارية مستقلة تتبع للأمم المتحدة عن أن الأمر يحتاج إلى دولارين أو ثلاثة دولارات من كل أميركي أو مواطن آخر في الدول الغنية كل عام من أجل شن حرب فعالة ضد الملاريا، علماً بأن الإنفاق الحقيقي في العالم المتقدم لمكافحة الملاريا يقترب من 20 سنتاً لكل مواطن في العام. على أن هذا التقرير الذي جاء تحت عنوان "استثمر في التنمية" لا يقتصر على محاربة الملاريا على الرغم من أن السيطرة عليها باتت تمثل أهم الأهداف على وجه الكرة الأرضية. فقد كشف العلماء أيضاً عن أن زراعة أنواع معينة من "أشجار التخصيب" بإمكانه إثراء التربة الأفريقية مما يؤدي إلى مضاعفة إنتاج المحاصيل الغذائية في غضون سنوات قليلة، ويمكن المزارعين من زراعة المزيد من الأغذية والتخلص بمصداقية أكثر من المجاعات. وعبر اللجوء إلى مثل هذه المبادرات واستخدام سبل عصرية أخرى أقل تكلفة فإن بإمكان أفريقيا أن تتبنى "الثورة الخضراء" الخاصة بها تماماً كما فعلت آسيا قبل عقود طويلة. وبالطبع فإن تأمين الغذاء في أفريقيا سوف يصبح المنصة التي ينطلق منها النمو الاقتصادي المستدام.
وتطرقت الدراسة أيضاً إلى الرعاية في عمليات الولادة التي يمكن توفيرها في العيادات المحلية حتى في أوضاع بائسة للغاية مما يؤدي إلى إنقاذ حياة مئات الآلاف من الأمهات اللاتي يمتن أثناء الولادة بسبب عوائق الحمل وعدد من التعقيدات الأخرى. وكذلك فقد تعرض التقرير إلى إمكانية تقديم وجبات متوازنة من الناحية الغذائية في المدارس العامة عبر استخدام الأغذية المنتجة محلياً، الأمر الذي سيؤدي إلى تحسين صحة وأداء أكثر من 100 مليون طالب في أفقر دول العالم. وبلا شك فإن الجمع بين جميع هذه المبادرات بالإضافة إلى خطوات أخرى مشابهة سوف يؤدي إلى تغيير جذري في صورة الفقر ووضع العالم على مسار إزالته في وقت قريب. ولكن هذه الخطوات لم يتم تبنيها حتى الآن إذ أن الولايات المتحدة الأميركية ومعظم الدول المانحة الأخرى لا تتبرع حتى بمقدار 50 سنتاً من كل 100 دولار من دخلها لهذه القضايا سواء في شكل مساهمات خاصة أو عامة. بل إن المبالغ التي تقترب من 20 سنتاً لكل مئة دولار لا يتم تخصيصها في الاستثمارات الأساسية التي تستهدف التخلص من الفقر. إذن لماذا لا نخصص المزيد من الاستثمارات؟ يبدو أن السبب لا يتعلق بالبخل أو نقص الأموال وإنما بمقدرتنا على إدراك ما يمكن تحقيقه متى ما عقدنا العزم على ذلك.
ويعتقد الأميركيون أنهم قدموا الكثير وأن الفساد الذي يستشري في الدول الفقيرة سوف يؤدي إلى عدم الاستفادة الكاملة من هذه المساعدات، ولكنهم أقروا بضرورة أن يعمد الرئيس مع زعماء الجمهوريين والديمقراطيين في الكونجرس إلى مطالبة جميع أفراد الشعب الأميركي بالوقوف معاً من أجل محاربة فيضانات الـ"تسونامي" الصامتة مثل الملاريا والمجاعات ومعدلات الوفيات العالية عند الأمهات، بالإضافة إلى الفقر الحاد الذي استمر يمسك بخناق القارة الأفريقية ومناطق أخرى في العالم. وقد اعتبر بعض الأميركيين أن هذا التقرير يعتبر "خطة عملية" من أجل مكافحة هذه المشاكل. وأشاروا أيضاً إلى أن زعماء البيت الأبيض والكونجرس مثلما تعاملوا مؤخراً مع وباء الإيدز في أفريقيا يتعين عليهم التعامل هذه المرة بطريقة دقيقة أكثر. فبدلاً من إطلاق الشعارات والبرامج الرمزية بهدف محاربة الفقر في أفريقيا والأماكن الأخرى يجب عليهم التقدم للشعب الأميركي بكشف حسابي يبين كمية المبالغ المطلوبة تحديداً.
وكان تقرير أخير قد كشف عن أن هذه الحسابات المالية ليست مخيفة على الإطلاق إذ أنها لا تزيد على نصف في المئة من الدخل الأميركي السنوي. وسوف تشكل هذه النسبة مبلغاً يصل إلى 60 مليار دولار من الولايات المتحدة وحدها مقارنة بالإنفاق العسكري الأميركي الذي يصل إلى 450 مليار دولار سنوياً. وثالثاً فقد طالب هؤلاء الأميركان الذين جرى استبيانهم بشأن التقرير بضرورة أن ينبري الرئيس شخصياً لطلب مساهمة جميع أفراد الشعب الأميركي تماماً كما فعل مع قضية الإيدز في عام 2003 ولمكافحة آثار تسونامي الذي دمر السواحل الآسيوية في الشهر الماضي. ويبدو أن خطاب "حالة الاتحاد" القادم يمكن أن يشكل بداية طيبة. وأشاروا أيضاً إلى ضرورة أن يقود الرئيس هذه الدولة من أجل "استخدام ثرواتنا ومقدراتنا التكنولوجية بهدف المساعدة في محاربة كوارث الملاريا والمجاعات التي ما انفكت تعصف بحياة مئات الملايين من الفقراء في جميع أنحاء العالم". ونحن ندرك جميعاً أن عدم التصدي لهذه المعاناة من شأنه أن يؤدي إلى انعدام الاستقرار والأمن في جميع أنحاء العالم.
- آخر تحديث :











التعليقات