قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

من يوم لآخر، تتبين الهندسة السياسية الأمريكية لمستقبل الكيان العراقي في ضوء أو في ظلام محصلة الجراحة الكولونيالية الواقعة عليه منذ شهر مارس/آذار من العام 2003. حذّرنا في مقالات سابقة من خطأ القراءة السطحية للغزوة الكولونيالية الأمريكية في تداعياتها المباشرة أو في نتائجها القابلة للرصد ضمن آمادها المنظورة من قبيل تلك التي تفترض الغزو والاحتلال فِعْلين مشدودين إلى أهداف “محدودة” من جنس إسقاط النظام، أو السيطرة على نفط العراق، أو حتى تحويل احتلال العراق إلى مقدمة استراتيجية لإعادة صوغ نظام المنطقة الاقليمي على مقتضى مشروع “الشرق الأوسط الأكبر”. وفي امتداد ذلك التحذير، شددنا على أن غير المُعلن من الأهداف أشد وطأة على العراق والمنطقة من المعلن منها، وأنه من غير المستبعد أن يُطلّ علينا (غير المعلن ذاك) تحت عنوان: تفكيك الكيان العراقي وإعادة تركيبه مدخلاً إلى فعل ذلك على صعيد الاقليم (العربي) برمته.
لم نكن لنتجاهل خطورة أهداف سياسية مباشرة لتلك الغزوة الكولونيالية مثل اسقاط نظام سياسي بالعنف الخارجي المسلّح (لأنه سابقة قد تعقُبها مثيلات)، أو مثل استهداف مقدرات العراق وثرواته الوطنية، أو مثل الاندفاع الاستراتيجي نحو تغيير المنظومة السياسية الاقليمية.. الخ، لكننا كنا ندرك وما برحنا ندرك أن حصر التفكير فيها يحجب عنّا رؤية أبعاد استراتيجية واستهدافات أخرى بعيدة المدى في الغزوة تلك تطال هذه المرة الميراث الكياني للعراق والوطن العربي والقواعد التي قامت عليها حقائقه منذ حقبة تعود على الأقل إلى ميلاد الدولة العراقية الحديثة ونظيراتها في سائر البلاد العربية المعاصرة.
يَتَبيّن اليوم، على نحو غير قابل للإخفاء أو الانكار، أن الغزوة الكولونيالية الأمريكية للعراق لم تُسقط نظاماً سياسياً فحسب، بل أسقطت دولة وكياناً في المقام الأول. وما كان إسقاط الدولة والكيان عبثاً، أو من “المضاعفات الجانبية” لإسقاط النظام، ولا هو كان “اجتهاداً” من “الحاكم المدني” بول بريمر (الذي حلّ الجيش والمخابرات وحمى عمليات النهب المنظّم والعشوائي، لمؤسسات الدولة)، وإنما أتى يشكل معبراً موضوعيّاً للانتقال إلى هدف اسقاط المجتمع الوطني العراقي، وتمزيق نسيجه الداخلي، وتقطيع أوصاله الاجتماعية، وتفتيت بناه الجامعة للعودة بها إلى عناصرها الابتدائية البدائية: العصبيات!
أطلق الاحتلال تناقضات البنية الاجتماعية العراقية التي حاولت تجربة بناء الدولة الحديثة صَهْرَها وإعادة صوغها وتشكيل أساساتها على نحو مدني مختلف، ورَعى بسياساته التقسيمية تمظهراتها التقليدية المتأخرة والعصبوية مغذّياً إياها بافتعال الأسباب الداعية إلى مشاعر الخوف المتبادل بين الفئات كافة، دافعاً بالبلد وأهله نحو انقسام داخلي متزايد، مع ما يرافقه وينجم عنه من تعبئة واستنفار ذاتيّين لدى كل فريق من المجتمع الأهلي.
في امتداد الاحتلال ومفاعيل سياساته التقسيمية، انتقل العراق سريعاً من مجتمع وطني، ودولة مركزية، وشعب، إلى مجتمع عصبوي، وسلطات أهلية، وميليشيات، ومِلل ونِحَل، وأعراق وقبائل وعشائر، وطوائف ومذاهب؛ وانحلّت تدريجياً عُرى الاتصال والترابط بين أهله، وتمزقت الروابط والجوامع والمشتركات فيه، لتنتصب الحدود والسدود والماهيات الصغيرة أمام جَمْعِه. وأمعَنَ المنقسمون من العراقيين على أنفسهم وعلى الموقف من الاحتلال في انقسامهم يأبون حواراً أو تفاهماً على ما شَجَرَ بينهم، وكُل يُلقي بالتبعة في انهيار الثقة على الآخر: الذين لم يروا في الاحتلال سوى أنه حرّرهم من نظام صدام حسين يتهمون معارضة غيرهم للاحتلال بأنها الاسم الحركيّ لمحاولة العودة بالعراق إلى عهد النظام نفسه باسم المقاومة والتحرير. والذين ناهضوا الاحتلال لا يرون في غيرهم إلا فريقاً مرتاحاً لنتائج الغزو ويتهمون مطالبته بالديمقراطية بوصفها الاسم الحركي لاحتكار السلطة من خلال التوسّل بمطرقة الاحتلال وبحكومته المؤقتة.
لا حوار يمكن في مناخ كهذا على مسيس الحاجة إليه، ولا من يجترئ على الدعوة إليه من الجانبين. الحوار الوحيد الذي شهدته البلاد أخيراً هو ذاك الحوار “الحضاري” الذي أجرته الحكومة المؤقتة وحرسها في ركاب جيش الاحتلال مع أهالي الفلوجة، وربما تعتزم استئنافه في الموصل! ودون ذلك كل يركب موقفه وجدول أعماله السياسي غير آبه بالآخر أو مبال: الذين يريدون الانتخابات في موعدها الأمريكي “الدولي” لا يلقون بالاً لمطالب غيرهم بتأجيلها إلى حين حصول توافق وطني حولها يترتب على أساسه موعد عراقي لها. والذين يعارضونها في موعدها الأمريكي يثيرون هواجس الآخرين بأنها معارضة لحقهم في السلطة ك “غالبية مذهبية”. أما الاحتلال، ففي أشد أحوال الارتياح لما يجري، متفرجاً على خوف العراقيين من بعضهم بعضاً!
لم ينجح الاحتلال في أن يَنْصب للعراقيين فخّاً سياسياً أفضل من فخّ الانتخابات ليزيد من معدّلات انقسامهم. ما من أحد في الساحة الدولية سيلوم الولايات المتحدة على ترتيبها سيناريو الانتخابات في العراق لاستيلاد مؤسسات “شرعية”، فذلك مما كان في صميم مطالب المجتمع الدولي. ثم إن ذلك يحفظ لها بعض ماء الوجه في العالم، فيبرّر لها الزعم بأنها ما غزَت العراق إلا ل “تحريره” و”إقامة الديمقراطية” فيه (بعد ان سقطت ذريعتا أسلحة الدمار الشامل وعلاقة النظام العراقي ب “القاعدة”). لكن الاجماع الدولي على الانتخابات لا يقابله إجماعٌ داخلي عراقيّ عليها. تعرف أمريكا ذلك جيداً، وتعرف مقدار ما يوفّره وما سيوفّرُه لها انقسام العراقيين حول الانتخابات من مكاسب سياسية بالغة القيمة لتحقيق مطالبها في العراق، لذلك، تجدها حريصة على تنمية الانقسام إياه من خلال التشديد على تنظيم الانتخابات في موعدها تاركة للذين يشاطرونها الموعد التصدي لمعارضيه.
وراء هذا الفخّ السياسي مطالب فورية مباشرة: دقّ اسفين بين الفريقين، وتحويل المعركة من معركة بين شعب واحتلال إلى معركة داخلية بين فئات الشعب ذاته تستنزفه وتوفّر للاحتلال اطمئناناً أمنياً وسياسياً أكبر، لكن أهدافه الاستراتيجية أبعد من ذلك بكثير: الاطاحة بما تبقّى من عراقية العراقيين الجامعة والعودة بهم إلى عصبياتهم الأهلية البدائية، من أجل إعادة تركيب كيانهم علي مقتضى طوائفي وأقوامي شبيه بذلك الذي حاولته “إسرائيل” في لبنان بين العامين 1982 و1985 قبل أن يطيح به مشروع المقاومة الوطنية. تفعل أمريكا ذلك اليوم باسم الديمقراطية في العراق. لكنها لا تريد العراق إلا مختبراً لتجريب مشروعها في سائر المنطقة العربية. وتلك ديمقراطيتها التي تتحدث عنها لمن لا يَعْلَمُون!