قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

بعد كارثة تسونامي التي ضربت سواحل جنوب شرق آسيا، انهال سيل من الوعود بتقديم المساعدات، وهو ما أشاع أجواء إيجابية، هذه المرة، رافقت تدخل القوى الخارجية في شؤون المنطقة. أما على الصعيد الدولي فقد بلغ الحماس حداً شهدنا معه ما يشبه السباق العالمي الحقيقي لتقديم المساعدات لمتضرري هذه الكارثة الإنسانية واسعة النطاق. وكان رد الفعل الأولي لحكومات العالم على الكارثة بارداً خاصة لجهة ما وعدت بتقديمه من مساعدات مالية، إذ لم يتجاوز الحد الأقصى لما وعدت أية دولة بعينها بتقديمه خلال الـ72 ساعة التي تلت المد البحري مباشرة بضعة ملايين من الدولارات، فقط لا غير. ولكن المبالغ التي وُعد بها لاحقاً وصلت الآن إلى ما يزيد على 6 مليارات من الدولارات، وفي هذه الفترة الزمنية الوجيزة. والسؤال الآن هو: لماذا كل هذه النجاعة في جمع المساعدات، التي وصلت إلى حدود ما يشبه المزاد المفتوح بين الدول في تنافس غير مسبوق لإغاثة المنكوبين، وبطريقة أصبح معها هاجس كل دولة هو ألا ينظر إليها على أنها مقصِّرة عما سواها من دول العالم؟.
بعبارة أخرى، ألا تبدو هذه ظاهرة جديدة تستحق التحليل والتفسير، خاصة أن موجة الكرم المفاجئ هذه غير مسبوقة، فيما نعلم؟ إذ من كان مثلاً يتصور أن كل واحدة من الدول الغنية ستعيد الإعلان أكثر من مرة عن تخصيص مبالغ كبيرة جديدة للدول المتضررة، ليس فقط لتحطيم رقم المساعدات التي قدمتها بشكل أولي، مرات ومرات، وإنما أيضاً لتظل على رأس قائمة الدول المانحة بسخاء لمنكوبي تسونامي المفجوعين.! إن تفسير هذه الظاهرة المستجدة في العلاقات الدولية، بالغ البساطة: وكلمة السر في هذا التفسير هي باختصار شديد "الرأي العام العالمي". لقد كشفت كارثة تسونامي عن عنصر جديد شديد التأثير في العلاقات الدولية خاصة في عالمنا المتسم بعولمية طاغية، وهو أن الرأي العام لابد أن يكون له دخل مباشر فيما تتخذه الحكومات من قرارات. ولولا أصوات الاحتجاج والنقمة التي ارتفعت عالية على نطاق شعبي محتجة على قلة مبالغ الدعم التي أعلن عنها في وقت مبكر بعد الكارثة لما سارعت الحكومات، بعد أن أحست أنها أصبحت في قفص الاتهام، إلى مضاعفة ما التزمت به من موارد دعم للمنكوبين. إذ لم ترغب أي من الحكومات في أن تبدو في الصورة وقد أدانتها محكمة الرأي العام المحلي أو الدولي.
ولم يقتصر الجهد الأهلي العالمي في مواجهة آثار تسونامي على الضغط على الحكومات بل قام العديد من الجمعيات والأفراد، بشكل موازٍ، بالتبرع وجمع الإعانات، وهو ما سمح بجمع مبالغ مهمة للغاية. وقد كان لكل ذلك أثره بطبيعة الحال على هبَّة الكرم من قبل الحكومات التي لم يبق لها سوى أن تخرج حافظات نقودها أو أن توصف بالبخل والأنانية وموت المشاعر. إذ ليس أقل جدارة بالاحترام من دولة غنية لا تعبأ بمصير مئات الآلاف من المنكوبين في المد البحري، وتنطوي على نفسها وكأن الأمر لا يعنيها. وفي النهاية، وبحسابات الربح والخسارة المحضة، يعد أكثر تكلفة بكثير أن تتردى صورتك في عيون العالم، مقارنة مع تكلفة أن تصرف بكرم في مثل هذه المواقف.
إن كل ما نتحدث عنه حتى الآن ما زال في حدود المعلن من المساعدات. ولكن الماضي القريب يعلمنا أنه من واقع تجربة إعادة إعمار أفغانستان سنة 2001 بعد الحرب، والزلزال المدمر الذي سوَّى مدينة "بام" الإيرانية بالأرض في يناير 2004، فإن ما يقطع من تعهدات بتقديم المساعدات شيء، وما يتم تقديمه بالفعل، لا القول، شيء آخر. لقد أصبح من المعتاد في مثل هذه الأحوال أن تعلن الدول المانحة عن مبالغ ومعونات بشكل استعراضي فقط أمام الرأي العام الدولي، ولكنها تقف عند حدود ذلك الإعلان فحسب، وينتهي هنا كل شيء.
أما اليوم فإن ذلك لم يعد ممكناً بالمرة، فوسائل الإعلام والرأي العام تعلما من تجارب الماضي ما سيجعلهما يتابعان عن كثب ما ستؤول إليه الوعود الحالية. وإذا ما فكرت دولة ما في النكوص عن تعهداتها أو تقديم مبلغ أقل مما أعلنت عنه فإنها ستجد نفسها تلقائياً على مقاعد المتهمين. بل سيكون التركيز في المتابعة على المبالغ المنكوث بها أكثر من الاهتمام بما يتم الوفاء به فعلا من وعود، وما يقدم من أموال في الواقع.
ويمكننا القول إن الأميركيين هم أكثر من فهم الأثر الإيجابي الذي يمكن أن تنطوي عليه هذه المسألة بالنسبة لهم هم تحديداً. فهم يأملون في أن يؤدي ما يقدمونه من مساعدات الآن لدول جنوب شرق آسيا، وإلى إندونيسيا بالذات وهي أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان، إلى تصحيح بعض الصور السلبية التي يحملها لهم بشكل واضح كثيرون في العالم الإسلامي. وهي صور لم تزدها حرب العراق، ودعمهم غير الشروط لإسرائيل إلا سوءاً على سوئها. لقد قال كولن باول: "إنني أعتقد أن هذا سيسمح للناس في العالم الإسلامي وفي أماكن عديدة أخرى من العالم برؤية مدى كرم أميركا، ورؤية قيمها السامية في أحسن حالاتها". وأردف باول في ذلك التصريح قائلاً إنه يعتقد أن المواطنين الإندونيسيين عندما يرون الهمة التي يعمل بها طيارو المروحيات الأميركية وهم يخفون لمساعدتهم سيغيرون الكثير من آرائهم السلبية إزاء الولايات المتحدة.
ونتساءل نحن: هل يكفي هذا لتصحيح صورة الولايات المتحدة حقاً؟
ليس ثمة جواب أكيد. ولكن الأكيد هو أنه عندما يتم توجيه واستغلال قوة أميركا الهائلة للمصلحة العامة للبشرية فإننا لا نملك إلا أن نهنئ أنفسنا. ومما يدعو إلى تهنئة النفس أيضاً أن الأميركيين أقلعوا بهذا الشأن عن دعوتهم المتسرعة إلى تشكيل "تحالف إنساني" لمواجهة الكارثة، يكون على غرار التحالف العسكري الذي شن حرب العراق. ذلك أن كلتا الحالتين، لو كانت حصلت الثانية مثلما حصلت الأولى، من شأنها أن تشكل التفافاً على الأمم المتحدة، بطريقة تجعلها غير ذات صلة أو فاقدة للتأثير والمصداقية. وفي الحالة العراقية نحن الآن في الزاوية المناسبة من الزمن لرؤية الخراب الذي أفضى إليه التدخل بتلك الطريقة.
وحتى لا يتهم الأميركيون مرة أخرى بأنهم يسعون لتكريس الأحادية حتى في العمل الإنساني لذا رأيناهم يقلعون بسرعة عن مقترحهم ويقبلون العمل الإنساني تحت مظلة المنظمة الدولية.
وتبقى هنالك أسئلة أعادت كارثة تسونامي دفعها إلى الواجهة من جديد، ولابد من التوقف أمامها: لماذا يقف العالم أجمع وقفة رجل واحد وتبلغ التعبئة أقصى حالاتها بعد كل كارثة مفاجئة تجدُّ هنا أو هناك، في حين لا يحرك المجتمع الدولي ساكناً لمساعدة الـ25 ألف رجل، وامرأة وطفل، الذين يموتون يومياً من الجوع على مستوى العالم؟
وإذا هنأنا أنفسنا على أن الإنسانية ما زالت فيها بقية من مشاعر تعبر عنها بالوقوف مع المنكوبين في الحالات الطارئة، فلماذا لا نعمل على ترجمة ذلك إلى جهد موجّه للتنمية المستديمة في الدول الفقيرة؟ إن ذلك ممكن دون شك، وسيكون هو المدخل الصحيح للاستفادة من الشحنة العاطفية التي تثيرها الكوارث، بتحويلها إلى برنامج عمل واضح الأهداف، وعملي، لتوفير سبل تجنب الكوارث الطبيعية أصلاً، ولحماية البيئة، وأيضاً لتقليص الخلل الهائل في ميزان توزيع الثروة بين الشمال والجنوب، هذا طبعاً إضافة إلى مكافحة الفقر والعوز على صعيد عالمي.