قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

فارس خشّان: هل يجب أن تخشى المعارضة على وحدة صفوفها من العماد ميشال عون الذي يترأس، يومي الأحد والاثنين المقبلين، مؤتمراً انتخابياً في باريس لـ"التيار الوطني الحر"؟ السؤال ليس مصطنعاً. انه خلاصة حقيقية لنقاشات مستفيضة لا تزال لقاءات المعارضة تضج بها على خلفية المبعوثين الذين ترسلهم السلطة الى "الجنرال" مدعومين بغزل غير مسبوق من موالين بامتياز، وفي ضوء استقبال نائب وزير الخارجية السورية وليد المعلم لغابي عيسى حاملاً رسالة من عون الى الدولة السورية بقي مضمونها "سرياً".
الجواب عن هذا السؤال ليس مبسطاً ولكنه ليس معقداً، فهو من طبيعة مركبة.
خدمة الاستراتيجية
كيف ذلك؟
مشكلة المعارضة مع عون أنه يضع سلوكياته التكتيكية في خدمة رؤيته الاستراتيجية. ومشكلة عون مع المعارضة الحالية أنها، بفعل تجربتها الداخلية منذ العام 1991 حتى اليوم، تحاول أن تزاوج بين مصالحها الآنية وبين أهدافها الوطنية.
وبهذا المعنى، فإن غالبية مكونات المعارضة المتنوعة حيّدت نفسها عن انتخابات بعبدا ـ عاليه الفرعية في العام 2003 لتكسب تحالفها العام مع رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" النائب وليد جنبلاط، في حين خاض عون المعركة في مواجهة جنبلاط وحلفائه غاضاً الطرف عن التسهيلات السلطوية التي منحت لتياره في حركته الانتخابية حتى يأخذ النتيجة ومع التحليلات الايجابية عن حجمه، الى الكونغرس الأميركي حيث "سوّق" لقانون محاسبة سوريا واعادة سيادة لبنان.
وعلى هذا الأساس، لم يكن عون يأبه بربح مقعد نيابي في مجلس تسيطر عليه غالبية ساحقة من الموالاة، بل كان يحضّر نفسه لخسارة معقولة قادرة ان تكسبه معركة إلزام الديبلوماسية الأميركية بقانون يعتبره ضرورة في مسار أخذ لبنان الى موقع السيادة والاستقلال والقرار الحر.
عون و"الحالمون"
ولأن المسألة كذلك، فإنه لا يمكن جذب "جنرال المعارضة" الى أي تحالف من خلال ترغيبه بحصة نيابية أو من خلال ترهيبه بحرمانه من الوصول الى ساحة النجمة. وهذا اسلوب سبق للسلطة ان اتبعته، مراراً وتكراراً، فكان مصيره الفشل المتمادي.
ومن يفهم عون يستطيع أن يستشرف جوابه النهائي عن أي مبادرة تطرح عليه. وقد تمكن هؤلاء من الحكم مسبقاً على عدم جدوى مبادرات السلطة التي حفلت بها الأسابيع العشرة الماضية.
فقبل أسبوعين، سأل عون أحد أصدقائه عما إذا كان ينزعج من استقباله لموفدين من السلطة، فأجابه الصديق قائلاً: "أبداً، بل سأغرق في الضحك". تعجب عون من الجواب فسأل: "لماذا؟" رد الصديق: "لأنني سأكتشف العدد الحقيقي للبسطاء في هذه السلطة". أعجب الجواب عون فعلّق: "وأخيراً وجدت شخصاً ايمانه لا يتزعزع".
قرطباوي
وفي الأسبوع الماضي، زار النقيب شكيب قرطباوي العماد عون في باريس وبحث معه في أمور عدة على صلة بحركة المعارضة في بيروت وما يقال عن اتصالات السلطة به. فسأله عون رأيه بالنقطة الأخيرة فرد قرطباوي: "عندما كنت في بيروت طلب أحد الصحافيين تعليقي على حركة السلطة في اتجاهك وما يمكن ان يحققه الموفدون والمغازلون فأجبت بكلمة واحدة: يحلمون". فقال له عون: "قرأت تعليقك ووافقت. اسمع هؤلاء الموفدين. كل ما يقولونه عظيم ولكن دائماً أوجه لهم سؤالاً واحداً لا غير: ولكن متى تنسحب سوريا من لبنان؟".
إنطلاقاً من ذلك، كيف يمكن أن يخوض عون معركة موحدة مع المعارضة؟
في اعتقاد قرطباوي الذي التقى عون على مدى ست ساعات موزعة على جلستين ان جو "الجنرال" إيجابي وهو متيقن من أهمية وحدة المعارضة واجتماعها، ولكن المسألة تحتاج الى متابعة.
والمتابعة لا يمكن أن تكون من منطلق انتخابي، وفق ما يؤكد قرطباوي، لأن عون يبحث عن شراكة حقيقية، فهو يبلّغ كل من يراجعه: "إذا كان هناك من يؤلف لوائح انتخابية، ويقول لي أنه ترك لنا مقعداً أو معقدين أو أكثر، فسأبلغه مباشرة بأن يذهب ويخيط بغير هذه المسلة".
إده وجنبلاط
ما الحل إذاً؟
ثمة نموذجان يمكن ان يعبرا حقاً عن مدى الاستعدادات الايجابية لدى عون وطريقة الاستفادة منها.
النموذج الأول، تجسد في الانتخابات البلدية والاختيارية الأخيرة. ففي بيروت خاض "التيار الوطني الحر" نقاشات بلا نتائج مع حزب الكتلة الوطنية للتحالف في مناطق معينة ولاسيما في جبيل. بعد ذلك انتقل العميد كارلوس إده الى باريس وتفاهم سياسياً مع عون، فما كان من "الجنرال" سوى ان اتصل بقواعده طالباً منها تلبية كل ما يطرحه إده لإنجاح التحالف.
اما النموذج الثاني، فيتمثل بايفاد جنبلاط لعضو مجلس القيادة في "الحزب التقدمي الاشتراكي" وائل أبو فاعور الى باريس للاجتماع بعون، ومن ثم مبادرته لإجراء اتصال هاتفي به. قبل ذلك، كانت النقاشات بين الحزب والتيار عقيمة. خلافات على أدنى التفاصيل. كاد اليأس من قيام تفاهم مشترك ان يعم الطرفين. بعد الزيارة والاتصال، اختلف الجو نهائياً. جنبلاط فهم عون. عون فهم جنبلاط. الاثنان طويا معاً وبالتزامن كتاب المشكلة الثنائية. الاثنان تلاقيا على ان الأهداف السياسية تتقدم على الأهداف الانتخابية، فكان لهما شعار مشترك: الانتخابات في خدمة الهدف، وليس الهدف في خدمة الانتخابات.
درس العام 2000
ولكن، هل المشكلة هي مشكلة تواصل شخصي بين عون ومن يريد التفاهم معهم؟
أبداً، يؤكد عارفو عون، لأن السؤال يبيّن أن طارحيه يحاولون تخطي الإشكالية السياسية الحقيقية.
ذلك ان عون يفكر في مرحلة ما بعد الانتخابات النيابية وما يجب عمله من أجل وضع الشعارات الانتخابية موضع التنفيذ.
وهو، وانطلاقاً من تجاربه السابقة، يُدرك التأثيرات السلبية للتفاهمات السطحية في المراحل الانتخابية.
ففي العام 2000 دعم تياره قوى المعارضة في الانتخابات النيابية، ولكنه بدءاً من خريف العام 2001 تعرّض لهجوم قاسٍ سياسياً من غالبية هذه القوى، بحيث وُجهت اليه تهم عدة من هنا ولاحظ تبرؤاً منه، من هناك.
راقب جيداً ما حصل معه في العام 2000، فلاحظ أن أي تواصل حقيقي بينه وبين جنبلاط لم يحصل، في حين ان لقاءاته مع بعض القوى المعارضة كانت خالية من السياسة لا بل كانت في غالبيتها تقتصر على طرح مجموعة من الأسئلة التشكيكية ستستهدفه وتستهدف ما يتحرك لمصلحته.
أدرك ان الجميع آنذاك كان يُفكر في "طريق العودة" قبل ان ينفتح عليه.
وقد نتج عن حيثيات المرحلة الممتدة بين العامين 2001 و2004 حذر لدى عون من القوى المعارضة، وبالتالي فهو محق بالإصرار على إعادة التواصل للموافقة على التقارب.
وفي التواصل لدى عون أهداف اخرى، ذلك ان الحملة التي شنتها السلطة عليه، عند ادلائه بشهادته في الكونغرس وحوّلته الى "طريد العدالة"، تفترض لتحقيق الانقلاب عليها إشهار القوى السياسية لموقعيته الأساسية في الداخل اللبناني، بحيث يتمكن، عندما يجد ذلك مناسباً، من مواصلة حركته الخارجية لمصلحة الأهداف التي رسمها.
وفي هذا السياق، تبرز برودته المستمرة من بعض أطياف المعارضة المسيحية ولاسيما محاولة تمييز شخصياتها الطامحة الى مراكز أساسية في السلطة نفسها عنه حتى تُظهر اعتدالها مستفيدة من راديكالية طروحاته.
عون والحريري
وهذه البرودة تسحب نفسها بصورة واضحة على الرئيس رفيق الحريري، ذلك ان جميع من يتواصلون مع عون يُلاحظون كثرة أسئلته عن موقع الحريري الحقيقي. أسئلة سمعها أبو فاعور بداية ثم قرطباوي لاحقاً حتى تعممت على المتصلين هاتفياً به.
ويبدي عون استياء من ابتعاد الحريري كلياً عنه، وهو لا يتوانى عن التفكير جدياً في خوض الانتخابات النيابية في دوائر بيروت بلوائح تواجه اللوائح التي ستكون مدعومة من الحريري.
الهدف من ذلك غير معلوم بعد. ولكن ثمة من يجد فيه محاولة جاذبة لقوة أساسية في البلاد.
الطريق الى عون باتت معروفة.. ومن حق صاحب الأبواب المفتوحة ان يسأل عن خلفية امتناع البعض عن ا لدخول اليها، خصوصاً إذا كان ساكنها عاجزاً عن دخول أبواب الآخرين، وإن كانت هي الاخرى مفتوحة.
إذاً، الجواب عن موقع عون من المعارضة المتنوعة واضح. هو ليس مبسطاً ولكنه ليس معقداً.