العبرة التي استخلصتها إسرائيل من احياء الأمم المتحدة الذكرى الستين لتحرير معتقل اوشفيتز، لا علاقة لها بمعاني الذكرى نفسها. فها هو شارون يقول إن «العبرة أنه لا يمكننا الاعتماد سوى على أنفسنا في مواجهة أعدائنا». ويضيف وزيره سلفان شالوم ان احياء الذكرى قد يكون «تحولاً» في دور الأمم المتحدة في الشرق الأوسط.
كان من الطبيعي أن تهتم الأمم المتحدة بهذه الذكرى التي تخص الإنسانية جمعاء بمقدار ما تهم اليهود. أما استخدام الأمم المتحدة واستخدام ذكرى المحرقة لتنظيف السجل الدموي لـ«دولة إسرائيل» فهذه مسألة أخرى تماماً. كل تماهٍ مفتعل أو مبرمج بين إسرائيل والمحرقة هو تحقير للذكرى واعتداء على معانيها، فجرائم الحرب لا تغفرها جرائم حرب مماثلة.
ثم أن اللعب بالتاريخ، من قبيل تبرير وجود إسرائيل كتعويض عن المحرقة، لا بد أن يعيد فتح الملفات وإشعال الجدل، مما لا يعجب اليهود بل يكافحونه بكل قوة. فما معنى أن يقول الوزير شالوم إنها المرة الأولى التي يتحدث فيها أعضاء الأمم المتحدة «بشكل ايجابي» عن إسرائيل و«لم يهاجمونا كما كانت العادة». بالطبع لم ينسَ الأعضاء المتحدثون ان هناك مئات القرارات الدولية التي تدين إسرائيل واعتداءاتها وجرائمها، لكنهم كانوا يتحدثون عن المحرقة وليس عن الاحتلال الإسرائيلي المطلوب أن يزول من الأراضي الفلسطينية. أما إسرائيل فوجدت مصلحة في أن تفهم بأن التعاطف العالمي مع اليهود في ذكرى المحرقة لا بد أن يكون تعاطفاً مع جرائمها ضد الشعب الفلسطيني، بل لا بد أنه تزكية لسياساتها التخريبية في المنطقة.
ما سمح لإسرائيل بأن تحرف احياء ذكرى المحرقة عن مغزاه الحقيقي هو أن الأمين العام للأمم المتحدة لم يفطن مسبقاً إلى خطورة التماهي الذي ستعبث به إسرائيل وتستغله، كالعادة، كما فعلت بمصادرتها حرب جورج بوش على الإرهاب، أو كما تدخلت في التلفيقات التي بررت حرب جورج بوش على العراق، وكما تفعل الآن في التحضير لحرب بوشية على إيران. لم يكن كوفي أنان موفقاً في القول ان إسرائيل «نهضت من رماد الهولوكوست»، فهو بذلك ربط انشاء هذه الدولة بجريمة النازيين، وحتى لو حقّ له ذلك، لا يحق له أن يصر على نسيان الشعب الآخر الذي دفع من دمه وأرضه ثمن نشوء هذه الدولة. ولم يكن أنان موفقاً، وهو يدين كراهية «الآخر»، أن يشير إلى «صديقه» ايلي فيزيل الذي يمثل نموذجاً لانكار الآخر وكراهيته بمواقفه العدوانية حيال الشعب الفلسطيني، حتى أنه نال جائزة نوبل لـ«السلام» لقاء هذه المواقف.
للتاريخ، كان خطاب أنان في ذكرى المحرقة مخصصاً مباشرة لنسيان الفلسطينيين. فهو تذكر عن حق كمبوديا ورواندا ويوغوسلافيا السابقة، بل لم ينسَ - عن حق أيضاً - مآسي دارفور. قال: «اننا نشهد اليوم نماذج رهيبة للاانسانية»، لكنه غض النظر عما جرى ويجري في فلسطين. هل يمكن اخضاع لحظة تاريخية إنسانية بهذه الأهمية لضرورات مراضاة الولايات المتحدة ومجاملة إسرائيل بنسيان جرائمها لمجرد أن أهلها من اليهود الذين عانوا من المحرقة؟
يخشى فعلاً، ما دامت هذه هي العقلية التي بات أنان يعبر عنها، أن يكون «التحول» الذي أشار إليه شالوم حقيقياً. فهذا الأخير يفهم التحول بأن تقر الأمم المتحدة بأن إسرائيل، طالما أنها النتيجة التي أفرزها الهولوكوست، هي دائماً على حق، وأنها لم تكن وراء حالة الظلم الدائمة والمستقرة التي زرعتها في الشرق الأوسط، وأنها ليست حالة استعمارية من تلك الحالات التي كافحت الأمم المتحدة من أجل انهائها.
يبدو أن اسكات الانتقادات الأميركية للأمم المتحدة، ولأنان نفسه، بات يمر بـ«مصالحة» بين المنظمة الدولية واللوبي الصهيوني، لذا جرى ترتيب هذه المناسبة (ذكرى المحرقة)، وهو ما لم يحدث في الذكرى الخمسين، ولا الأربعين، ولا قبل ذلك. ما سيعني ان الأمم المتحدة مدعوة لنسيان معظم فقرات ميثاقها كلما كان هناك بحث في أي شأن يخص الشرق الأوسط وشعوبه. ما سيعني أيضاً تسليم الأمم المتحدة، كما الادارة الاميركية، لأهواء اللوبي الجهنمي اياه. وهذه هي الوصفة لتكريس «كراهية الآخر» في السياسة الدولية.
بمقدار ما ان احياء ذكرى من التاريخ يعبر عن حس حضاري انساني رفيع، بمقدار ما يجب أن يكون التذكار مساهمة في التعامل مع الحاضر بالحس نفسه. فأهم ما في ذكرى الهولوكوست ادانتها لجريمة استنكرها العالم من دون تحفظ، لكن اسوأ ما في أي ذكرى ان تستخدم لتبرير جرائم لا تزال تنفذ أمام مسامعنا وأبصارنا. وما شهدناه في احتفال الأمم المتحدة كان نسياناً مبرمجاً للمأساة الفلسطينية، مع ان الجميع متفق حالياً على أن السلام في الشرق الأوسط، اذا كان للسلام ان ينبثق من ركام الدمار الذي أحدثه الاسرائيليون والأميركيون، يبدأ من فلسطين. يستحسن ان يفكر أنان وأعوانه في مناسبات مماثلة لقضايا ومحارق أخرى حول العالم، ان لم يكن للتوازن فأقله للانصاف، خصوصاً بعدما ذهبت الولايات المتحدة واسرائيل بعيداً في جعل مسلمي اليوم مستهدفين كما كان اليهود أيام النازية الهتلرية.