قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

برز المثقف العربي القومي، على نحو فاعل، مع الثورة الإصلاحية في تركيا 1908. لكن جذور النزعة القومية العربية تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، وإن لم تكن، في بداياتها، تشكل وعيا تاريخيا أيديولوجيا ناضجا.كانت النزعة القومية العربية، في سوريا ولبنان وفلسطين والعراق على الخصوص، تجد تعبيرها العام في كراهية الاستبداد التركي، والتي تحولت إلى موقف فكري عند المثقفين العرب القوميين، الذين انقسموا بين غالبية، معظمهم من المسلمين، حددوا موقفهم في مطمح المساواة في الحقوق والواجبات مع الأتراك أو الحصول على نوع من الاستقلال الذاتي، داخل السلطنة العثمانية. بينما كان موقف الأقلية من المثقفين العرب القوميين، معظمهم من المسيحيين، يطالب بنيل الاستقلال التام عن الخلافة العثمانية. وبعد خلع السلطان العثماني عبد الحميد عام 1909 على يد جماعة تركيا الفتاة ولجنة الاتحاد والترقي، وإعادة الدستور إلى البلاد من اجل إشاعة الحريات، انتشر الوعي القومي العربي، بشكل واسع، بسبب تنامي صدور الصحف العربية باطراد في تلك الحقبة.إذ ظهرت في سوريا وحدها أكثر من 35 صحيفة في عام واحد 1909. وظهرت في لبنان أكثر من 60 صحيفة ما بين 1908 و1914.
وارتفع عدد الصحف في فلسطين من صحيفة واحدة عام 1904 إلى 31 صحيفة عام 1914، وفي العراق من صحيفتين إلى 70 صحيفة، وفي الحجاز من لا شيء إلى 6 صحف.كان ذلك يجري بموازاة ثورة"الشبان الأتراك" ثم تشكّلت حركة"تركيا الفتاة" التي تحولت إلى جمعية"الاتحاد والترقي" على أساس قومي تركي علماني الهوى، وبالتالي حدث ارتخاء في القبضة العثمانية الإسلامية، المتمسكة بالمستعمرات العربية.وكانت الجمعيات القومية العربية، المراهنة على رافعة الإخاء العربي ـ العثماني، قد تخلت عن تأييد الإصلاحات السياسية التي جاءت بها حركة "تركيا الفتاة"، لأنها تخلت عن الوعود التي قطعتها بشأن منح الأقليات القومية حقها في تقرير مصيرها السياسي والثقافي على أساس الاستقلال الذاتي الإداري واعتماد اللغة العربية لغة رسمية للولايات العربية وكذلك داخل البرلمان العثماني.وبدلا من ذلك، لجأت حركة"تركيا الفتاة" إلى تنفيذ سياسية التتريك.ونُشرت في الصحافة التركية كتابة معادية للعرب والعروبة في نطاق حملة إعلامية منظمة، تنظّر لتفوق الأتراك وحقهم في التسيّد، كما جاء في كتاب"تاريخ المستقبل" لمؤلفه التركي جلال نوري، أحد أبرز مثقفي القومية التركية، وقتها:"إن المصالح القومية (لتركيا) تتطلب من حكومة اسطنبول إلزام السوريين إغفال وطنهم.فالبلدان العربية، وخاصة اليمن والعراق، يجب تحويلها إلى مستعمرات تركية، من أجل غرس اللغة التركية فيها، التي يجب أن تصبح لغة الإسلام.ومن أجل الدفاع عن وجودنا نفسه، من الضروري لنا بدرجة قصوى تحويل الأراضي العربية إلى أراض تركية. فقد نشأ لدى الجيل الجديد من العرب شعور بالولاء لقوميته العربية، وهذا الجيل يحمل في طياته بذرة كارثة عظمى تشكل تهديدا لنا، وينبغي لنا فورا التفكير في تلافيها.." ولم يكن من الممكن تلافيها، لا سيما وقد دخل الإنكليز على الخط وعملوا على ركوب موجة القومية العربية خدمة لمصالحهم الاستعمارية، فوظفوا في ذلك مثقفين وسياسيين وقيادات عربية، منذ منتصف القرن التاسع عشر، عندما نبه القنصل الإنكليزي في سوريا سفيره في اسطنبول إلى:"إن العرب المسلمين في سوريا الشمالية يمنون أنفسهم بالانفصال عن الإمبراطورية العثمانية وبإنشاء إمبراطورية عربية جديدة تحت زعامة شريف مكة.." وهو الورقة (شريف مكة) التي سيلعب بها الإنكليز، فيما بعد، في طرد تركيا من المنطقة وهيمنتهم عليها.كما ركبت فرنسا أيضا موجة القومية العربية ووظفت لذلك مثقفين عرب مسيحيين، في معظمهم، باعتبارها حامية مسيحيي الشرق.فنشأت في باريس 1904"عصبة الوطن العربي" التي دعا بيانها التأسيسي إلى إنشاء إمبراطورية عربية جديدة، تمتد حدودها الطبيعية من وادي دجلة والفرات إلى قناة السويس، ومن البحر المتوسط إلى خليج عمان:"وسوف تكون هذه الإمبراطورية ملكية دستورية وليبرالية تحت حكم سلطان عربي.أما ولاية الحجاز الحالية، بما في ذلك أرض المدينة، فستؤلف إمبراطورية مستقلة، سيكون عاهلها، في الوقت نفسه، رئيسا لكل المسلمين..وبهذا الشكل، فإن المشكلة الخطيرة، مشكلة فصل السلطة الزمنية عن الروحية، ستحل على أحسن وجه.." وهو ما كان يمثل إشكالية جوهرية في خطاب النهضة العربية، ولا يزال يمثل مشكلة أساسية في بنية الدولة العربية اليوم. فقد أضطهد المسيحيون العرب على نحو عنصري مهين في زمن الخلافة العثمانية.ولذلك يُلاحظ أن الكثير من الجمعيات القومية العربية قام على تأسيسها مثقفون عرب مسيحيون.ويعود ذلك إلى أن المثقفين العرب المسيحيين كانوا يربطون حل قضيتهم الخاصة بحسبانهم أقلية مسيحية بخلاص عام يصهرهم مع الأغلبية المسلمة في معنى قومي علماني يشكل أساس الدولة العربية الحديثة على قاعدة المساواة في المواطنة حقوقا وواجبات.ولذلك كان المثقفون العرب المسيحيون رواد التوجه القومي العلماني الليبرالي، منذ منتصف القرن التاسع، سواء بالكتابة في الصحف السيّارة، أو بالنشاط التنظيمي من خلال الجمعيات القومية، مثل الجمعية السورية سنة 1847 في دمشق، التي أسسها سليم البستاني وناصيف اليازجي.والجمعية العربية السرية 1875. وجمعية حقوق الملة العربية من أجل حقوق المسلمين والنصارى 1881. وجمعية رابطة الوطن العربي أسسها العام 1904 المثقف العربي المسيحي نجيب عازوري، مؤلف كتاب"يقظة العرب".والمؤتمر العربي الذي أسسه طلاب عرب بباريس.وحزب العهد السري أسسه العام 1912 ضباط عرب في الجيش العثماني.وغيرها من الجمعيات والأحزاب والمنتديات، والمؤسسات الصحفية التي اشتعلت على فكرة التحرر القومي من السيطرة العثمانية.كما كان هناك مثقفون قوميون اشتغلوا على تنظير فلسفة القومية العربية، في رؤية حديثة، وربط مشروع النهضة العربية بالهوية القومية الجامعة لأمة واحدة.فكان عبد الرحمن الكواكبي أول مثقف عربي طرح رؤية فكرية قومية لخلافة عربية تكون وعاء للإسلام في كتابه"أم القرى" الذي تخيل فيه مؤتمرا إسلاميا ينعقد في مكة العام 1898 يتداول مشكلة انحطاط العالم الإسلامي ويجترح الحلول لها.وتوسلا بهذا المؤتمر الوهمي يرى أن العرب حملة الإسلام ومنقذيه من الانحطاط الحضاري، وبالتالي يجب أن تكون الخلافة الإسلامية عربية، ويمكن للعرب بعد حصولهم على الاستقلال الذاتي الاتحاد مع الأتراك في دولة خلافة إسلامية يكون خليفتها عربي قريشي مقره في مكة. وهو لا يغفل حالة الاستبداد السياسي كسبب جوهري لانحطاط العالم الإسلامي، فيوجه نقده الحاد للإسلام الرجعي والنظام السياسي العثماني الجائر.فيدعو إلى تقييد سلطة الخليفة في إطار صلاحيات سلطة روحية كمرجع ديني أعلى، وإنشاء مجلس استشاري يراقب سلطة الخليفة السياسية المقيدة، مقابل إعطاء صلاحيات إدارية واسعة للإمارات والسلطنات المنضوية تحت لواء الخلافة الإسلامية تحت قيادة عربية.أما ساطع الحصري «1880-1968» الذي يعتبره القوميون العرب"أبو القومية العربية" فقد كان أول مثقف قومي أيديولوجي، بالمعنى الحديث.
بدأ ساطع الحصري داعية إلى"الوحدة العثمانية" كحل للصراع الدائر، وقتها، ما بين تيار التتريك الذي مثله المثقفون القوميون الأتراك، وتيار التعريب الذي مثله المثقفون العرب المنادون بالاستقلال عن تركيا.ثم تحول إلى الدعوة للقومية العربية، وخصوصا بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، متأثرا بالفلسفة القومية الألمانية، الممثلة تحديدا في رؤية الفيلسوف الألماني فيخته.انضم ساطع الحصري إلى الأمير فيصل عندما نُصّب ملكا على سوريا 1920. فعمل مديرا عاما للمعارف.اشرف على دورات خاصة لتعليم الموظفين الأساليب الإدارية باللغة العربية لتحل محل اللغة التركية في الدوائر والدواوين الحكومية.أسس المجمع العلمي العربي.وعندما غزت القوات الفرنسية سوريا، ولجأ الملك المخلوع فيصل إلى الإنجليز في العراق، لينصّبوه ملكا تحت إشرافهم، انضم إليه ساطع الحصري من جديد، طمعا في تجذير أفكاره القومية في التعليم والتربية؛ فعمل مساعدا لفيصل، وكان مقربا منه، إلى جانب وظيفته كمدير عام لوزارة المعارف، وهي الوظيفة المهمة التي رغب فيها وفضلها عن مناصب عليا عُرضت عليه، لأنها تتيح له بث روح الانتماء للعروبة في عقول الطلاب ووجدانهم، من خلال تطعيم المناهج التعليمية والتربوية، بأفكار القومية العربية المبنية، عنده، على أساس ان القومية هي القوة المحركة للتاريخ، وأن اللغة المشتركة والتاريخ المشترك هما العنصران الضروريان لتشكيل وحدة الأمة، مستبعدا ضرورة العناصر الأخرى، مثل الدين، وذلك لأن اللغة والتاريخ سابقان على الدين في تشكيل الأمم، علاوة على أن الدين الإسلامي كان هو الحامل الإيديولوجي للإمبراطورية العثمانية، وقد استغله الأتراك في السيطرة على العرب، وفي تحويل المسيحيين منهم إلى مواطنين من الدرجة الثانية.كانت اللغة العربية=«الثقافة العربية»، في خطاب ساطع الحصري بوتقة شمّالة للأقليات المتعددة، حيث:"إن كل شعب يتكلم العربية، هو شعب عربي، وكل من ينتسب إلى شعب من الشعوب العربية هو عربي.."ومثّل على ذلك باللغة الإنكليزية، في فضائها الثقافي الأمريكي، التي شبكت أعراق متعددة داخل نسيج الأمة الأمريكية.لكن اللغة الإنكليزية لم تكن لتوحد بين الإنجليز والأمريكيين، في غياب وحدة التاريخ، حيث ارتبط المستوطنون والمهاجرون من أنحاء أوروبا بتاريخ جديد في عالم جديد.ووحدة التاريخ، في مفهوم ساطع الحصري، ليست هي:"الوحدة التامة في جميع أدوار التاريخ..". بمعنى:"نحن لسنا سجناء ماضينا، إلا إذا أردنا ذلك.وعلى كل أمة أن تنسى جزءا من تاريخها، ولا تتذكر منه إلا ما تجد فيه نفعا لها.."كما يقول..وفي سبيل نشر أفكاره عن القومية العربية كفلسفة للوحدة العربية، نشط فكريا، وعمليا، في تفسير ظاهرة الاستعمار بحسبانه سالباً للاستقلال السياسي وناهباً لثروات الأمة، والأخطر أن المستعمر «بكسر الميم» يبني وجوده وتثبيت سيطرته على حساب طمس الروح القومية والهوية الثقافية، وأساسها اللغة، للمستعمر «بفتح الميم». من هنا تركيزه على التعليم والمناهج التربوية والصحافة لتأسيس وعي قومي عند الشباب العربي.وقد برر انضمامه إلى إدارة الملك فيصل تحت ظل الاحتلال البريطاني بأن الأخير تعهد أن يحرر الإدارة من سيطرة الاحتلال تدريجيا حتى نيل الاستقلال الكامل.ثم أنه كان مقتنعا بسياسة التدرج في الاستقلال عن الاستعمار وكذلك في تشكيل الوعي القومي التربوي.لذلك حرص على عدم الانتماء السياسي أو تأطير فكره القومي في تنظيم حزبي معين.وبعد ثورة رشيد الكيلاني 1941، أُبعد إلى سوريا.فانتقل للإقامة في بيروت، منكبا على تأليف النفيس الضخم"دراسات عن مقدمة ابن خلدون" باعتبار دراسته مدخلا ضروريا لفهم المكونات الأولية للوعي التاريخي العربي. ثم عمل مستشارا لوزير المعارف في سوريا العام 1943، ضمن حكومة عربية، حيث أنجز 16 تقريرا علميا في موضوعة إصلاح التعليم، مما أحدث تطورا جوهريا في اتجاه تحديث التعليم السوري وتعريب مناهجه وشحنه بالتربية القومية.الأمر الذي جعل سلطة الانتداب الفرنسية الخفية، تتعمد مضايقته، وتناصبه العداء، إلى درجة العمل مع عملائها على إخراج مظاهرات طلابية فرانكفونية مختلقة، ترفع شعارات رافضة لإصلاح التعليم وتعريبه.فاضطر لترك منصبه ومغادرة سوريا 1947. والانتقال إلى القاهرة، التي ألف فيها أهم كتبه، منها"حوليات في التربية والثقافة" في ستة مجلدات، هي بمثابة موسوعة زاخرة بالمعلومات والوثائق عن أوضاع التعليم والتربية والثقافة على مستوى العالم العربي برسم وحدة الثقافة العربية والتربية القومية بحسبانها مقدمة ضرورية لوحدة الدول العربية.وذلك أثناء عمله مستشارا ثقافيا لجامعة الدول العربية، إلى جانب عمله أستاذا منتدبا للتربية في معهد التربية بالقاهرة.ونشاطه في إلقاء المحاضرات في موضوع الفكر القومي، والدخول في مساجلات فكرية حامية مع مثقفين ليبراليين، معادين بشدة للقومية العربية، كونهم من دعاة الأوربة والفرعنة والانعزالية الإقليمية، مثل طه حسين وسلامة موسى.وعندما قامت ثورة 23 يوليو رحب بها كفعل تحرر وطني من حكم العائلة الخديوية.وأسس"معهد الدراسات العربية العالمية".
وأصدر كتابه المهم"العروبة أولا"، في الوقت الذي شكلت فيها العروبة هوية مصر رسميا كما نصت عليها المادة الأولى في الدستور، باعتبار:"الشعب العربي في مصر جزء من الأمة العربية." فاعتبر ذلك :"كأنه القفزة الرائعة التي قفزها التفكير السياسي والعمل الوطني، والشعور العام في مصر من فوق متاهات اللا عروبة إلى مرتفعات العروبة الحقة" حيث :"إن كل تقدم يحصل في مصر لا يخلو من النفع لسائر البلاد العربية، كما أن كل نقص يعيش ويستمر في مصر لا يخلو من ضرر العدوى". وفرح بشدة لقيام الوحدة بين مصر وسوريا 1958.
كما حزن بشدة للانفصال1961. وأصابته هزيمة 1967 بنكستها المدوية، لكنها لم تفقده إيمانه بالمشروع القومي الذي ظل يشتغل عليه، فكرا وممارسة، منذ بدايات القرن العشرين وحتى وفاته في العام 1968.