قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

القاهرة من محمد أبو زيد: أن تعيش فوق أحد أسطح بنايات القاهرة العالية أو الواطئة فهذا يعني أنك تعيش جزءاً مهماً من تاريخ القاهرة السري، التاريخ الذي لم يكتبه أحد، وان عاشه الكثيرون، التاريخ الذي لا يعرفه البعض إلا من خلال الكتب والقصص والروايات التي تحكي عن سير البرجوازيين الذين صعدوا، أو هؤلاء الذين قدموا من قرى بعيدة تقبع في أقصى الصعيد، أو في عمق الدلتا، بأحلام، وآمال وسكنوا هذه الأسطح، وانطلقوا منها إلى أسفل حيث الشقق الفاخرة في عمارات عالية تطل على القاهرة من فوق، أو هؤلاء الذين يحكون لأحفادهم الصغار في الإجازات الصيفية، وهم يتشمسون في بلكونات تزورها الشمس عن شباب قدامى أرادوا أن يهربوا من مراقبة البوليس السري أيام الملك فاروق، فلم يجدوا ملجأ سوى غرفة فوق سطح في بيت قديم في أحد أحياء شبرا أو روض الفرج، متلمسين خطواتهم الأولى في طريق الثورة.. أسطح القاهرة والحياة فوقها عالم غريب.. وعجيب، يمتلئ بالعديد من المتناقضات، لكنه يستحق أن يعاش، وأن يحكى.
* الأسطح
* أسطح القاهرة لا يملكها أحد، لا الأغنياء، ولا الفقراء، بل هي ملك للجميع، حتى أولئك الغرباء.. الذين يأتون بلافتاتهم الكبيرة ويطلبون من صاحب البناية أن يعلقوا إعلاناتهم لتطل على القاهرة من أعلى مقابل مبلغ ما.
ولكن لأن السلم الاجتماعي لا يتطلب دوماً أن يكون من يعيش فوق السطوح هو الأكثر غنى، فإننا نجد دائماً أن الحياة فوق الأسطح يحتكرها غالباً الفقراء، أو الغرباء الذين جاءوا بحثاً عن فرصة عمل، لكنهم لم يستطيعوا أن يتحملوا في القاهرة لهيب أسعار شققها، ففضلوا أن يبدأوا من أعلى (من السطوح) على أن يهبطوا بعد ذلك إلى الشقق.
(سيد حجازي) الذي كان يسكن سطح أحد البيوت الأهلية بمنطقة بولاق الدكرور الشعبية، حين تأملت غرفته الوحيدة فوق السطح والتي تتجاور مع غرفة لتربية الدجاج يملكها صاحب البيت، وجدت جدرانها تمتلئ بصور الممثلين لا سيما أميتاب باتشان، وصور كبيرة لسيلفستر ستالوني من أفيش لأحد أفلامه، تتجاور مع صورة لليلى علوي. ولوحة كبيرة مكتوب عليها بالخط الثلث آية الكرسي، لم يكن بالحجرة أشياء كثيرة سوى سرير صغير مفرودة عليه بطاطين وآنية طهي، ووابور قديم وأكواب شاي.. لكن سيد كان متفائلاً إلى حد كبير، وحكى لي أنه يعمل (كومبارس) ويأخذ 20 جنيهاً في اليوم. وانه يتدرب مع أصدقائه على أداء هاملت لشكسبير استعداداً لالتحاقه بمعهد المسرح.. وقال لي أيضاً، انه مقبل من احدى قرى الصعيد، وانه حاصل على دبلوم تجارة، وانه جرب الكثير من المهن لكن فشل فيها جميعاً، وان الجميع كان يرى فيه أنه سيصبح يوماً مثل عمر الشريف ورشدي أباظة. سيد حكى لي أيضاً عن الأفلام التي شارك فيها، وقال انه ظهر في لقطة من فيلم البطل لأحمد زكي وهو وسط الجماهير ويصفق لأجله، وانه شارك في العديد من مسلسلات رمضان، وأراني صورة له وهو يقف بجوار الممثل كمال أبو رية، وأخرى له وهو يرتدي الطربوش الذي ظهر به في مسلسل «الشارع الجديد» خلف عزت العلايلي في احدى المظاهرات، وانه كان يهتف «يحيا سعد، يحيا سعد».
سيد وقف خارج باب حجرته، وقال لي انظر، حينما قمت لأنظر، أشار إلى السطوح وهو يقول: كل هذا السطح ملكي، وبهذا تكون (شقتي) أوسع ممن يسكنون بالأسفل، لا يشاركني فيه سوى غرفة الدجاج هذه (وأشار إليها باشمئزاز)، وتابع في الليل أخرج من حجرتي، وأقف وحدي على السطح وأبدأ في تقليد الممثلين، يوسف وهبي، اسماعيل يس، عمر الشريف، شكري سرحان، وغيرهم، وأطل من فوق هذا السطح على هذه المدينة، وعلى البيوت التي أراها من أعلى، وأنا متأكد أنني في يوم ما سأهبط من السطح إلى الشقق السفلى.
قبل أن أترك سيد قال لي «أريدك أن تكتب لي خطاباً لأهلي في البلد (بأسلوبك الحلو) تطمئنهم علي، وأخبرهم بميعاد إذاعة المسلسل الذي سأظهر فيه».
تركت سيد، وأنا أتأمل حياته، وأحلامه بأن يهبط يوماً، من الهامش إلى المتن، من أعلى إلى أسفل، أم ترى أن الأسفل في هذه المناسبة هو الأعلى؟!
* أم عبد الله
* حالة سيد تختلف كثيراً عن حالة أم عبد الله، التي تقطن بمنطقة مصر القديمة من بيت من طابقين تؤجر حجراته ـ في طابقه الثاني ـ الذي يتكون من حجرات متراصة في ثلاث زوايا وبينها مساحة واسعة ترى السماء.
أم عبد الله قالت لي إنها ورثت البيت عن أبيها، وانها تؤجر حجراته للأسر التي تريد أن تجد سكنى رخيصة، وان الحجرة الواحدة يقيم فيها من ثلاثة إلى خمسة أشخاص حسب عدد الأبناء.
وتستغل هذه الأسر ـ حسبما حكت لي أم عبد الله ـ هذه المساحة للجلوس والسمر في وقت الليل، حيث يتجمع أفراد كل أسرة أمام باب بيتها أو حجرتها، لو أردنا الدقة.
وهذه المساحة التي بين الحجرات، قد تكون شاسعة، قالتها أم عبد الله، وصعدت على سلم خشبي إلى فوق الحجرات، تبعتها لأجدها تشير بإصبعها إلى منزل قريب، وتقول بيت أبو خالد يستغل سقفه وسطوحه، لإقامة أفراح من يسكنون في البيت.
قالت ذلك قبل أن تحكي لي عن الشوارع الضيقة، ومضايقات الشرطة لهم حينما يقيمون فرحاً في الشارع وما يتبعه من معارك.
وقالت: «الأسبوع الماضي زوّج أبو خالد ابنه البكر.. ولأنه لا يملك مالاً كافياً يكفل له أن يقيم عرسه في أحد النوادي على النيل، أو حتى في الشارع لما يستتبعه ذلك من تكاليف، فقد قرر أن يقيم فرح ابنه (على الضيق) فوق السطوح، وان لم يمنعه هذا من أن يتم جميع طقوس العرس، ويدعو جميع الأهل والأصدقاء».
أم عبد الله، قالت لي إن السطوح هنا ـ في هذه المنطقة ـ ليس كماً مهملاً مثل المناطق الراقية، بل هي جزء لا يتجزأ من البيت، وأهميته من أهمية البيت ذاته.. ففي الصيف، حينما تصبح حجرات البيت طاردة لساكنيها من شدة الحر، نستطيع أن نرش الماء في السطوح حتى تمتص الأرض درجة الحرارة، ويترطب الجو، وعندها نجلس جميعاً في الخارج.
* حجرة الغسيل
* لكن أم عبد الله يبدو أنها لا تعرف سطوح الأماكن الراقية، ربما لأنها لم تعش هناك، أو لأنها تكتفي بالسماع فقط، فسطوح بنايات وسط القاهرة على سبيل المثال عالم آخر لا يقل غرابة عن العالم الذي تحكي عنه أم عبد الله، عالم أهم سماته حجرة الغسيل، والحبال المفرودة بطول السطح، وان كان هذا لا يمنع أيضاً من وجود حجرة، أو اثنتين يمكن تأجيرهما للمغتربين، هؤلاء الذين سيفخرون بين أصدقائهم أنهم يسكنون في وسط البلد، من دون أن يذكروا أين بالضبط.
والحديث عن حجرة الغسيل سيقودنا حتماً إلى الحديث عن حرامية الغسيل، ولعلنا جميعاً نذكر ذلك المشهد الساخر للفنان محمد رضا في فيلم «30 يوم في السجن» مع فريد شوقي، وكان رضا يقوم بدور حرامي غسيل وقال مقولته المشهودة «الواحد لما بيشوف الغسيل بيرفرف، قلبه بيرفرف معاه». ورغم أن هذه المهنة ـ اذا اعتبرناها كذلك ـ انقرضت أو قاربت على الانقراض، بعد أن انتقل الغسيل من السطوح إلى البلكونات هذه التي يمكننا أن نعتبرها عيون الشقق على الشارع.
لكن مع ذلك لم تنقرض حجرة الغسيل تماماً من أسطح القاهرة، بل ما زالت موجودة، وخاصة في البنايات القديمة، تلك الموجودة قبل أن يخترعوا ـ فيما يبدو البلكونات، أو التي ترى أنه من العيب أن يكون الغسيل منشوراً في الشارع فيراه عابرو السبيل.
لكن حجرة الغسيل والغسيل يقوداننا إلى حكاية أخرى مرتبطة بالسطح هي عشاق الأسطح، أو هؤلاء الذين تتفتح عيونهم لأول مرة على الحب فوق الأسطح، وعندها يصبح الغسيل ونشر الغسيل، وسيلة ملائمة لملاقاة بنت أو ابن الجيران، الذي ينتظر فوق السطوح.
وقد شهدت حبال الغسيل والملابس المنشورة فوقها كثيراً من القصص التي تبلورت حولها، وسواء اكتملت أم لم تكتمل، فإن السطح يظل حتى النهاية بطلا في القصة.
ورغم انتقال اللقاءات الغرامية بين العشاق من أسطح العمارات إلى النوادي والكورنيش، والمقاهي، والكافتيريات والشاتينج مع دخول الإنترنت حلبة المنافسة، إلا أن عشاق الأسطح يختلفون حتماً، لأنهم يسترقون لحظات الحب، والتعرف على ذلك الاحساس العجيب لأول مرة، تحت عيون الأهل، أو فوق عيونهم، في خوف وترقب، كما أنهم يشهدون على زمن استطاع «الشاتينج» والتعرف عبر الإنترنت القضاء عليه تماماً، وكلنا يذكر ثلاثية نجيب محفوظ، التي تحكي عن الحب في الستينات، أو الحب فوق أسطح القاهرة في الثلاثينات.
* برج حمام
* «أنا قلبي برج حمام.. هج الحمام منه، ياللي عنيكي كلام.. ليه الضلوع أنوا»، أتذكر أغنية محمد منير، وأنا أرمق حجرة الحمام التي تعلو أحد بيوت منطقة المرج المتاخمة للقاهرة.. حجرة الحمام التي كانت احدى سمات الأسطح.. الريفية، والتي اختفت تماماً مع ظهور محلات بيع الحمام طازجاً.
«ياحبيبتي قلبي فانوس.. بس الهوى محبوس.. بكره اللي جي شموس.. في عنيكي يتحنوا».
يتابع محمد منير، لكن برج الحمام، أو حجرة الحمام لم تستطع أن تحتفظ حتى النهاية بكونها ملكة متوجة فوق السطح، ولايمكن رد غياب حجرة الحمام إلى انتشار «الحمام الطازج» فقط، بل لأن تربية الحمام، كما قال لي «محمود» صاحب البرج في منطقة المرج يحتاج إلى تفرغ، وإلى حب للحمام.
محمود قال لي أيضاً إنه بنى البرج، بشكله الاسطواني الجميل الذي تطل منه فتحات يقف فيها الحمام، كأنها عيون ترقب السماء، لأنه يملك البيت، وبالتالي فهو حر في أن يبني فوق سطحه ما يشاء. وأضاف ان الحمام نقي وطاهر، وهو لا يربيه بحثاً عن الربح، بل لأنه يحبه، مع أن مكسبه كبير بالفعل. لكن سطح بيت محمود ـ الذي يقع في منطقة شبه ريفية ـ يختلف كثيراً عن الأسطح التي رأيتها من قبل، وأهم ما يميزه بخلاف برج الحمام هو حبل الغسيل الممتد بطول السطح، بالاضافة إلى حجرة للدجاج ومساحة واسعة أمامها، يلهو فيها الدجاج طوال النهار قبل الدخول إلى حجرته آخر اليوم.. يتناثر فوق السطح الحبوب والذرة، ومخلفات أخرى، مثل لعب أطفال مكسورة، دراجة بلا عجلات، زجاجات مياه فارغة، اطار سيارة، وغير ذلك.. قال محمود لي: أحب الحمام لأنه يحبني، ولأنه يحب السطح.. ولأنه يطير ثم يرجع إلي مرة أخرى.
* ازرع سطح منزلك
* «تخلص من سطح منزلك القديم المليء بالمهملات، وازرعه بلون أخضر جميل»، ربما كانت الجملة السابقة تصلح كإعلان لا بأس به، ولكنها، في الحقيقة، مجمل الفكرة التي تبنتها منظمة الأغذية والزراعة التابعة لمنظمة الأمم المتحدة (الفاو) وقامت بتبنيها في بعض الدول النامية مثل السنغال وكينيا وكولومبيا، واقترحت أن يتم تنفيذها في مصر.
الفكرة كانت تستند على أن أسطح المنازل هي مساحات واسعة تملؤها المهملات و«الكراكيب»، وغير مستغلة في نفس الوقت، في الوقت الذي تحتضر فيه البيئة من غياب اللون الأخضر من شوارع المدن الخانقة، وكان المشروع يعتمد في الأساس على اضافة رئة جديدة للعالم، وتوفير فرصة عمل مناسبة لربات البيوت وللشباب، بالإضافة إلى تبني فكرة الزراعة بدون تربة ويعتمد هذا النوع من الزراعة على استخدام بيئات زراعية بديلة للتربة العادية كبيئة «البيتموس»، وهو نوع من الطحالب، ينمو في الدول الباردة، ويستخدمه بكثرة منتجو نباتات الزينة، أو البرليت وهي صخور ناتجة عن انفجارات بركانية يتم وضعها في فرن درجة حرارته ألف درجة مئوية تتحول بعدها إلى حبيبات صغيرة تصلح للزراعة ولا يشترط لنجاح الزراعة فوق الأسطح مساحة معينة، فالأنظمة المستخدمة تصلح لكافة المساحات، ولكن المطلب الأساسي أن يتم إخلاء السطح من أي مهملات تعوق وصول الشمس للنباتات المزروعة، وان يكون السطح معرضاً للشمس من 4 إلى 5 ساعات يومياً، ومعنى ذلك أن هذا المشروع لا يصلح مع الأسطح التي تحيطها المباني من كل اتجاه والتي لا يصلها ضوء الشمس بالقدر الكافي.
وربما يبدو ما سبق رفاهية بالنسبة لهؤلاء الذين يبحثون عن مكان وسط الزحام.. وسط ضجيج القاهرة، ولا يجدون سوى حجرة، قد تزورها الشمس ولها باب خشبي يغلق بالكاد فوق أحد الأسطح المترامية المتراصة كعلب كبريت مفتوحة، ينطلقون منها إلى العالم الذي لا يرحم.
أو هؤلاء الذين يؤجرون أسطحهم للطلبة المغتربين لكي يزيدوا من دخلهم، ولكي يستطيعوا أن يوفروا شيئاً لأسرهم حتى لو كان ضئيلاً، أو هؤلاء الذين يؤجرون أسطحهم لشبكات الهاتف الجوال رغم ما يقال عن أضرارها الصحية، لكن يبدو أن ما باليد حيلة، فالتقنية أصبحت هي سيد الموقف، أو تأجيرها للافتات الاعلانات التي تعلن عن التلفزيونات الجديدة أو الهواتف الجوالة، أو زجاجات البيبسي، وحديثاً عن أرقام الدخول إلى مواقع الإنترنت، لتتحول الأسطح إلى لافتة اعلان كبيرة.. ضلت طريقها فاستقرت فوق البنايات.
* قريباً من السماء تغيرت أسطح القاهرة كثيراً، فقدت كثيراً من رونقها، الأصح، فقدت كثيراً من حميميتها، من تاريخها، لكن أجمل ما فيها، هو أنها قريبة من السماء، انها تجعلك تنظر إلى أعلى لترى السحاب يمر فتسبح الله تعالى، ان ترقب النجوم، وتعدها، ان كنت عاشقاً، أن تنظر إلى السماء، التي تبدو قريبة، كحبل الوريد، أحياناً، وتدعو الله أن يفرج كربك، وربما كان هذا هو ما يجعل الكثيرين يفضلون السكنى فوق السطوح. ربما لأنهم يفضلون أن يظلوا دائماً.. قريباً من السماء.