قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

هل يسدي المتمردون الإرهابيون وحلفاؤهم خدمة للعراق من دون أن يعرفوا؟ هذا السؤال ليس من بنات الخيال. فالعنف الذي أطلقته المقاومة ركز أغلب الأذهان على قضية واحدة هي الأمن. وفي مواجهة هذه القضية توحدت جماعات وقوى سياسية، كان يمكن أن تكون الآن منخرطة في صراع داخلي من أجل العقيدة والأيديولوجيا والمصالحة الاقتصادية. ففي هذه الانتخابات يجد الشيوعيون والملكيون والإسلاميون أنفسهم في مركب واحد، عندما يتعلق الأمر بهزيمة المتمردين وتخليص العراق من الإرهاب والإرهابيين. أغلب المشاركين في هذه الانتخابات يوردون قضية الأمن والاستقرار باعتبارها الأولوية القصوى بالنسبة للبرلمان المنتظر. ولكن المفارقة هي أن محاربة التمرد يمكن أن تكون أكثر صعوبة تحت ظل الحكومة الديمقراطية الجديدة بسبب الكوابح والموازنات التي سيجري اعتمادها. ولذلك فإن البرلمان القادم موعود بجدل ربما يكون حاميا حول الطريقة التي يمكن أن تؤدي إلى هزيمة التمرد وحلفائه. ولكن المهم حاليا أن حملة المتمردين وحدت العراقيين وجعلتهم يسعون إلى تحقيق الديمقراطية، باعتبارها الوسيلة الوحيدة للحفاظ على وحدة البلاد، ومنع عودة الطغيان العربي العراقي في أي شكل.
ولكن البرلمان العراقي الذي سينتخب يوم الأحد المقبل، سيجد نفسه محاطا بعدد مهم من القضايا الحقيقية التي أخفتها أعمال المتمردين. ومن هذه القضايا:
1) المسجد والدولة: دور الدين في العراق الديمقراطي من القضايا التي يدور حولها جدل حام حاليا. فبعض المجموعات الشيعية والسنية المتطرفة لا تسعى فقط إلى إعلان الإسلام دينا رسميا للدولة، وإنما ايضا المصدر الوحيد للتشريع. وهذا أمر يعارضه الآخرون في كل ألوان الطيف السياسي. ولكن الحملة الإرهابية منعت الأصوليين السنيين من إبرام تحالف مع نظرائهم الشيعة للعمل سويا من أجل دولة إسلامية. يضاف إلى ذلك أن نغمة العداء الحادة للشيعة التي نشرها المتمردون السنة في الأقاليم الاربعة، منعت الأصوليين الشيعة من كشف أوراقهم جميعها خلال الانتخابات. ولكن بمجرد هزيمة الإرهاب وتحسن الوضع الأمني، فإن هذه القضية ستزيد أهميتها في الساحة السياسية العراقية.
2) الفيدرالية: الأكراد يفهمون الفدرالية باعتبارها الحكم الذاتي القريب جدا من الاستقلال الكامل. ولكن العرب، من السنة والشيعة، ليسوا على استعداد للذهاب إلى نهاية الشوط، وسيفعلون كل ما في وسعهم لحصر الحكم الذاتي في القضايا المحلية. وفي هذا الإطار فإن مدينة كركوك، الغنية بالنفط، والمتنافس عليها من قبل العرب والأكراد، ستزداد أهميتها بصورة واضحة. لقد تكوّن العراق عام 1921 تحت حكم مركزي قوي. ولذلك فإن سياسة نقل السلطات إلى الأقاليم تمثل مفهوما جديدا في العراق، وربما يواجه البرلمان الجديد صعوبة حقيقية في توحيد المواقف حول قضية الفيدرالية التي تستوعب قوميتين في بلد واحد.
3) نظام السوق الحر أم دولة الرفاهية: حاول الاميركيون إعادة صياغة العراق على نموذج ميلتون فريدمان في الاقتصاد الحر. وما يزال بول بريمر، الباشا الأميركي في العراق حتى يونيو الماضي، يفخر بالإصلاحات الاقتصادية التي أدخلها لتدعيم نظام السوق في العراق. ولكن أغلب العراقيين يفضلون مفهوم السوق الاجتماعي. وبعضهم ينادي مباشرة بدولة رفاهية اشتراكية. وليس أكيدا أن البرلمان الجديد سيأتي بأغلبية تدعم إصلاحات بريمر. بل إن كثيرا من الشواهد ترجح العكس، لأن كل الأحزاب التي تخوض الانتخابات تعد في برامجها بدعومات من قبل الدولة، وإجراءات رفاهية إقتصادية لا مكان لها في السوق الحر، ورأسمالية دعه يفعل، دعه يمر.
4) الصفح أو الانتقام: يشعر الكثير من العراقيين بالغضب ازاء ترك التحالف، الذي تقوده الولايات المتحدة، الغالبية الساحقة من المسؤولين البعثيين السابقين طلقاء من دون محاسبة وعقاب. البعض يريد تطبيق حملات تطهير واسعة النطاق ومحاكمة ومعاقبة الآلاف من شركاء الرئيس العراقي السابق، فيما يدعو آخرون الى الصفح وطي صفحة الماضي. هناك الكثير من فرق الثأر غير الرسمية التي شكلت لتعقب البعثيين وإنزال العقاب اللازم بهم. وإذا لم تنفذ هذه الفرق والمجموعات خطوات بعد، فإن السبب في ذلك هو مطالبة التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لهذه المجموعات بالتزام الهدوء. من النتائج الفورية التي يمكن ان تترتب على أي انسحاب مبكر للقوات التي تقودها الولايات المتحدة ارتكاب مجازر في مختلف أنحاء العراق ضد البعثيين، بمن في ذلك الذين يشكلون جزءا من التمرد الحالي. الجانب الاميركي يسعى الى التوصل الى صيغة للحقيقة والمصالحة لمنع حدوث حمامات دم مستقبلا، إلا انه ليس من المؤكد على الإطلاق ما اذا سيكون بالمجلس الوطني العراقي الجديد أغلبية تصوت لصالح الصفح وطي صفحة الثأر والانتقام.
5) توزيع عائدات النفط: توزيع عائدات النفط العراقي واقتسام موارده المائية من القضايا الحاسمة والمهمة. فالأكراد يريدون نظام توزيع قائما على اساس القوة السكانية لكل مجموعة. أما العرب، السنة والشيعة على حد سواء، فيريدون حكومة مركزية لها حرية التصرف في ميزانيات البلاد وخططها. هذه المسألة ترتبط بالنموذج الاقتصادي الذي يتمنى البرلمان العراقي الجديد تأييده.
6) وجود القوات الأجنبية: بعض الاحزاب والشخصيات تريد نهاية سريعة للوجود العسكري للولايات المتحدة والدول الحليفة لها، فيما يعتقد آخرون ان التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة يجب ان يبقى في العراق على مدى فترة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات للتأكيد على استقرار ديمقراطية العراق واستكمال مهمة إنشاء جيش عراقي لحمايته من دول الجوار المتربصة به. وتجمع كل الاحزاب على منح الولايات المتحدة أي قواعد دائمة داخل العراق. وطبقا لما تبدو عليه الاوضاع حاليا، فإن برلمان العراق والحكومة التي سيشكلها سيطلبان من هذه القوات البقاء في العراق حتى نهاية عام 2007 على اقل تقدير.
7) التمييز الايجابي: تحتوي قوائم المرشحين، بعد ضغوط من الولايات المتحدة، على 30 في المائة من النساء، ومن المرجح ان تذهب ربع مقاعد البرلمان العراقي المقبل الى النساء، إلا ان غالبية الاحزاب الاسلامية وبعض العشائر تعارض ذلك. كما لا يتفق هؤلاء مع نظام الحصص، الذي فرض لمصلحة النساء في الحكومة. بيد ان الاعتراض الاكثر خطورة هو الداعي لرفض منح النساء حقوق مساوية في قضايا الزواج والطلاق وحضانة الاطفال. وترى الاحزاب العلمانية انه يجب اتخاذ المزيد من الاجراءات التي تصب في مصلحة النساء. من المهام التي تنتظر البرلمان العراقي الجديد النظر في القوانين الحالية المتعلقة بقضايا مثل الزواج والطلاق وحضانة الأطفال. ويخشى كثيرون ان يجيز البرلمان العراقي المقبل قوانين في هذه الشأن، أكثر رجعية من القوانين المعمول بها حاليا، إلا ان منظمات نسائية وأحزابا علمانية مصممة على الوقوف في وجه مثل هذه المحاولات.
8) السياسة الخارجية: يريد بعض الأحزاب ان ينسحب العراق من الجامعة العربية ومنظمة اوبك. ويسعى هذا التيار الى إقامة علاقة خاصة مع الولايات المتحدة واتفاقية التجارة الحرة، فيما يرغب آخرون في ان يسعى العراق الى قيادة العالم العربي ونشر الديمقراطية. وفيما تريد بعض الشخصيات ان يعترف العراق بإسرائيل، يرفض آخرون بقوة هذه الخطوة. لا شك ان السياسة الخارجية غالبا ما تمثل قضية ساخنة في السياسة العربية، وستكون اكثر من ذلك في العراق في هذه الفترة الانتقالية. ملالي طهران، الذين يعملون من خلال عملائهم والمتعاطفين معهم داخل العراق، سيفعلون كل ما في وسعهم لدفع العراق الجديد الى موقف معاد للولايات المتحدة. في المقابل ستبذل اميركا والدول المتحالفة معها جهودا كبيرة من لإقناع العراق الجديد بأن مصلحته تقتضي التخلي عن المواقف المتحاملة والمفاهيم الخاطئة، التي ظلت سمة مميزة للسياسة الخارجية للعرب خلال العقود الخمسة الماضية.
بانطلاق الانتخابات العراقية بعد ثمان واربعين ساعة، تبدأ مشاكل العراق السياسية الحقيقية في العودة الى دائرة الاهتمام، بعدما حجبها التمرد. لا يزال بناء عراق جديد تعددي المهمة الاكثر صعوبة، لكنها بالتأكيد مهمة تستحق التفاني والعمل الجاد المتواصل.